صفحات ثقافية

تداعيات الحبر والحرب

null
غادا فؤاد السمّان
من عاصمة الضباب اللندنية هاتفني صديقي الطيب يدعوني بلهجته العراقية المحببة للكتابة في صحيفتهم الغرّاء، بعد عدّة متابعاتٍ لي في منابر مختلفة أتقافز بينها من وقت لآخر “كالقردة” التي لا تعرف الاستقرار في قفصٍ لائق، وسألني بلهفةٍ بيّنةٍ عمّا أتقاضاه نظير المادة الواحدة؟ وعندما أجبته بحقيقة ذاك المبلغ الزهيد، هزئ صديقي الطيب وقال: تعرفين هذا مبلغ وجبة سريعة هنا في لندن، لم يكن أمامي سوى أن باركتُ له رَغَدَ عيشه وشتاته، وتابعتُ شاكرةً المولى على ما تيسّر لنا من رمق العيش في بلد لا يتيح جِنرالاته سوى “الدونيّة والتبعيّة “على غرار نظام الجوار ويجنّ جنونهم لمجرد فكرة “الوسطيّة ” واستقلاليتها فما بالك لو توفّرت طبقيّتها فعلا؟.
تدارك غصّتي صديقي الطيب قائلا: طبعا لن أخبرك فأنت تعرفين بالتأكيد اعتزازنا بحرفك وحضورك القيّم بيننا، هللّت للدعوة وغمرتني غبطة طارئة أفتقدها منذ زمن ومددت الحديث بتداعيات مقصودة أتحايل بها لإيصال استفساري عما يُمكن أن أتقاضاه، إذ كان يؤرّقني التغاضي عن ذاك الاستفسار الأساس تماما كما يحرجني الخوض فيه، استعرضنا باقتضاب بالغ المشهد الثقافي الذي لم يكن بتقديره الشخصي يشكو من أية علّة تُذكر وخاصّة أنّ العلاقات والروابط والشلليّة على أشدّها، كما أنه لا بدّ للمقال السياسي وحسب رأيه، أن يراعي أحاسيس القادة ومشاعر الزعماء ويقيم وزنا لمواقف المتشددين وآراء المتحيزين، وأنّ التوازن السياسي لا يكون بحسبة الواحد + واحد ليساوي اثنين بالضرورة، قاطعته ربما يخفي الثالث من الخريطة السياسية، وربما يدبّر مؤامرة على مستوى المنطقة ككلّ، وربما يدعو لمؤتمر عاجل يسفر عن شروخ تتبدى نتائجها لاحقا، وأمام سيل الافتراضات التي بوسعي أن أسفحها على مسامعه، استمهلني بلباقة وقال مباغتاً: “تُعرفين غلاوة دمشق عنتنا هي بغلاوة بغداد وهِيْ عاصمة العراقيين المهجّرين اللي يقيمون بيها بهلوقت، زين عيني لازم تراعين بمقالتك كلّ ها الاعتبارات منشان كل اللي نُعرفهم زين عيني؟” أجبته: معك حق، ولطالما كانت دمشق عاصمة لكثيرين وربما للجميع إلا لأهلها، المهم كم ستكون مكافأة المقالة الأسبوعية؟ سرّتني جرأتي وحسمي المفاجئ، غصّت الكلمات بصوت صديقي الطيّب وقال بلهجة تُفصِح عن دهشة كبيرة: “ولو عيني قِلتْ لِك عنّا مشكلة في التمويل وفي توفير المال، وتُعرفين حنّا نُشْتغِل بجهود جبارة ومضنية حتى تبقى الجريدة مستمرة، وإحنا طامعين بمقالة أسبوعية لا غير” وقاطعته بدهشة مماثلة:” من غير عائد؟” اعذرني صديقي، أصحاب الديون المُستحقة لا يعنيهم أي تقدير تكنّه لي، ولا يقدرون سوى إمكانيتي على الدفع وإلا سيُدفع بي إلى الشارع. وأنهى صديقي الطيب حواره الحميم دون أية إضافة.
وبين هاتف وآخر كان يستغرب ويشجب ويستنكر تشاؤمي ونزقي صديقي الطيب، وكيف لا أخرج ولا أرى الدنيا ولا أتفسّح، ولمَ أظلّ محمومة على الشبكة العنكبوتية أتلقى صور الحروب الشنيعة، وأتجرّع علقم النشرات الإخبارية بتلازم وتأزّم مستمرّ، فالحياة حلوة، لمَ لا أحياها، وكان من الصعب أن يفهم صديقي الطيب أنّ الحياة الحلوة تحتاج إلى بئر من الإنفاق لا يقل تدفقا عن آبار النفط، وأنه ليس أمامي غير أن أتفهّم ضيق ذات اليدّ في المنابر المتوفّرة التي بالكاد تتيح لنا بعض الأوكسجين الذي يغلبه الهذر المتفاقم عن أزماتٍ عربيةٍ مفتعلةٍ لا تنتهي، وأنه لا بد من التسليم بخيباتٍ موجعةٍ لا تفتر ولا تكلّ في بلاد ٍ محكومة بالغير. وكان يسألني بإلحاح لمَ لمْ أكتب عن الحب والجسد والجنس والحرية بشبقٍ دارج وشائع بعدما تواطأ الرقيب، كنت أجتر غيظي ليبق الحبر على الجرار أتابع في مقتطفات أخرى فصولا ناقصة من أحاديث صديقي الطيب الذي يختلف باللهجة بين بلد وآخر، ويتطابق في المضمون حرفا وحُرفيّة وخواء.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى