صفحات مختارة

الياس مرقص

null

كريم مروة

الياس مرقص هو مفكر عربي كبير. اجتهد كثيراً وعميقاً من أجل الربط بين فكره كماركسي وبين همومه القومية العربية. ولعلي لا أبالغ إذا قلت بأنه من بين أكثر المفكرين العرب المعاصرين عمقاً في قراءة ماركس، وفي الإنتماء إلى أفكاره. وهو، في الوقت ذاته،
من أكثر المفكرين الماركسيين العرب تجاوزاً لمفاهيم ماركس، أو لبعضها مما شاخ وفقد علاقته بالعصر الجديد. إلا أن تجاوز الياس هذا لأفكار ماركس هو تجاوز معرفي. . وكان هذا التجاوز يشكل، بالنسبة إليه، نوعاً من الوفاء لمنهج ماركس المادي الجدلي، الذي استشرف فيه ماركس مستقبل العالم، استناداً إلى قراءته لتاريخ البشرية منذ أن صار للبشرية تاريخ. ذلك أن الياس مرقص كان، منذ بدايات حياته الفكرية والسياسية، يرى في الماركسية طريقه إلى الحرية، حريته هو وحرية بلاده، سواء من خلال انتمائه الأول إلى الشيوعية عندما كان يتابع دراسته الجامعية في بلجيكا، أم في المرحلة التي أصبح فيها عضواً في الحزب الشيوعي السوري، بعد عودته إلى الوطن. ولعل ذلك هو الذي جعله يبدأ حياته الفكرية والسياسية مشاكساً. وكانت مشاكسته تنبع من اعتراضه على ما كان يعتبره سائداً في الأحزاب الشيوعية من فهم خاطئ ومشوه لأفكار ماركس، ومن فهم خاطئ ومشوه للممارسة السياسية باسم الإشتراكية، استناداً إلى مرجعية ماركس، ومن عجز لدى الأحزاب الشيوعية في تجديد فكرها وتجديد سياساتها وفق منهج ماركس المادي الجدلي. وكانت تلك المشاكسة تشير إلى أنه كان، في قراءته المبكرة لماركس خصوصاً، ولهيغل ولفلاسفة التنوير في أوروبا في شكل عام، قد بدأ يشق طريقه كمشروع عالم وفيلسوف، وكمشروع قائد سياسي في الوقت ذاته. وكانت وجهته، منذ البداية، تتلخص في محاولته الجادة للربط في نضاله الإشتراكي بين الفكر والممارسة. إذ كان يعتقد أن الممارسة من دون فكر تستند إليه هي خبط عشواء، وأن الفكر من دون ممارسة هو تجريد فكري لا يحقق تقدماً. وكان، في موقفه هذا، أميناً لماركس في الربط بين الفكر والممارسة، هذا الربط الذي كان، بالنسبة إلى ماركس، شرطاً ضرورياً لنقل الفكر من المجرد إلى الواقع.

هذه المشاكسة الفكرية والسياسية التي بدأ الياس حياته العملية متمسكاً بها قادته إلى أن يختلف مع الحزب الشيوعي السوري (اللبناني – السوري) في عام 1957، أي منذ الفترة الأولى التي أعقبت عودته من الخارج حاملاً معه شهادة دكتور في الفلسفة. وكنت شاهداً على ذلك الحدث المؤسف، بحكم وجودي في ذلك الحين في دمشق. إذ كنت أشارك، تحت قيادة فرج الله الحلو، في تحرير جريدة “النور” الناطقة باسم الحزب الشيوعي، بعد أن خرج الحزب إلى العلن، وأصبح أمينه العام خالد بكداش نائباً في البرلمان السوري. وأذكر أن فرج الله الحلو الذي كان شريكاً، من موقعه في قيادة الحزب، في القرار الذي قضى بإخراج الياس مرقص من صفوف الحزب الشيوعي بسبب مشاكسته المشار إليها، قد طلب مني، بعد أن استدعاني من بيروت للإشتراك في أسرة تحرير جريدة “النور”، أن أكون واقعياً في ممارستي السياسية في عملي الصحفي في جريدة الحزب ، وفي عملي في الحزب الشيوعي، بشكل عام، وألا أحاول، في تحليلي للأحداث وفي تحديد مواقفي منها، النقل التعسفي إلى بلدنا وإلى حزبنا طرائق التحليل وطرائق العمل التي كنت قد شاهدتها في أوروبا الغربية. فلبلداننا ظروفها الخاصة بها، ولتجاربنا فيها شروطها المختلفة عن شروط تلك البلدان. ذلك أنني كنت قد أقمت في أوروبا أربع سنوات متنقلاً من بلدا إلى بلد، مغنياً معرفتي بالجديد من الأفكار فيها ومن السياسات ومن التقدم في ميادينه المختلفة. وحين علمت بما حدث لالياس مرقص أدركت ما كان يرمي إليه فرج الله في إشارته إلى الواقعية في النصائح التي وجهها إليَّ، وفهمت أن كلامه كان نوعاً من التحذير لي من أن أقع فيما وقع فيه الياس مرقص قبلي.

لم يكن الحزب الشيوعي محقاً في ذلك القرار الذي تسرع في اتخاذه ضد الياس في ذلك الحين. لكن الياس لم يكن محقاً في تسرعه في طرح أفكاره التي كان حماس الشباب غالباً عليها. هذا ما استنتجته فيما بعد، أي عندما بلغت سن الرشد في مواقفي، وا نتقلت إلى مواقع القرار في الحزب، وشاركت مع عدد من رفاق جيلي في قيادة الحزب في تحقيق الإستقلالية الفكرية والسياسية التي قادتنا إلى إحداث تغيير جوهري في خط الحزب وفي فكره وفي ممارسته السياسية. وهو ما عبرت عنه قرارات المؤتمر الثاني للحزب الذي عقد في عام 1968.

لم ألتق بالياس مرقص إلا قبل ثلاث سنوات من مغادرته الحياة. فقد توفي في عام 1991 عن اثنين وستين عاماً من العمر. وهو عمر شباب ونضج. كان الياس متوهجاً ومتألقاً في ذلك اللقاء الذي جرى بيننا في مطالع عام 1988 في دمشق. وكان قد بلغ في تجربته الفكرية مرحلة متقدمة. تخلص فيها من بعض حساسيات الماضي، ومن بعض ما كان أقرب إلى التعسف الرومانسي، إذا جاز التعبير، في بعض أحكامه الفكرية والسياسية في مطلع شبابه. وأذكر أن الياس عندما سمعني أعرض بعض أفكاري الجديدة حول الإشتراكية، وحول قراءتي الجديدة لأفكار ماركس، وحول نظرتي إلى تحولات العصر الجديدة، لم يخف دهشته وفرحه. إذ لم يكن يتصور، في ذلك الحين، أن في الحركة الشيوعية العربية أناساً يفكرون مثله. وبالطبع لم أكن أملك عدته في الفكر. فقد كان هو مفكراً ماركسياً كبيراً، يتعاطى السياسة. أما أنا فكنت، ولا أزال، سياسياً أتعامل مع الفكر بعامة، ومع الفكر الماركسي وفق قراءتي له بخاصة، كشرط ضروري لممارستي السياسية، حتى وأنا خارج مواقع القيادة في الحزب، وخارج أي ارتباط بأي مركز سياسي. وكانت قد تكونت عندي، في ذلك الحين، تجربة سياسية وفكرية غنية تمتد إلى عدة عقود. كنت، منذ شبابي الأول، أقرأ وأحاول أن أستخلص من قراءاتي ما يتصل بالصواب وبالخطأ في تجربتي السياسية. وهي تجربة أغنتها المسؤوليات التي مارستها في حياتي الحزبية داخل البلاد وخارجها. كما أغنتها زياراتي إلى جهات العالم الأربع ولقاءاتي مع قادة الفكر والسياسة في البلدان التي زرتها، ونقاشاتي مع هؤلاء جميعاً في كل الإتجاهات. وكنت أتابع ما كان يكتبه الياس في مجلة “الوحدة” التي كان أحد مؤسسيها وأحد الأساسيين في أسرة تحريرها، باسم المجلس القومي للثقافة العربية. وكنت قد قرأت بعض كتبه.

كان ذلك اللقاء الأول بيننا بداية للقاءات استمرت ثلاثة أعوام. وكانت نقاشاتنا تقودنا تدريجياً إلى الإتفاق المبدئي على عمل مشترك مع آخرين من أجل مواجهة المرحلة التي كانت تشير إلى عمق الأزمة التي كانت تعاني منها التجربة الإشتراكية، قبل انهيارها. وهي الأزمة التي سرعان ما قادت إلى النهاية المدوية لتلك التجربة في العام ذاته الذي غاب فيها الياس مرقص عن هذه الدنيا. لم يكن مشروعنا المشترك ذاك يرمي إلى تأسيس حزب شيوعي أو إشتراكي جديد، ولا كان يرمي إلى التغيير في أحزاب شيوعية قائمة. كان المشروع يرمي إلى إنشاء منبر عربي جديد يلتقي حوله أكبر عدد من المثقفين العرب من أجيال مختلفة. وكان الهدف من إنشاء ذلك المنبر إثارة النقاش حول التجربة الإشتراكية السابقة، واستخلاص الإستنتاجات منها للمرحلة التي نحن فيها وللمستقبل، تحدد لنا المهمات الواقعية التي على الأجيال الإشتراكية الجديدة في بلداننا أن تجد الأشكال التنظيمية الملائمة كأدوات لا غنى عنها من أجل تحقيق هذه المهمات. وكان من المفترض، بناء لاقتراح الياس أن نلتقي في منزله في بلدة صلومفي في محافظة اللاذقية بعد خروجه من المستشفى لمتابعة ذلك النقاش والوصول به إلى نهاياته الملموسة. لكن الموت كان أقوى وأسرع من طموحاتنا.

تشكل هذه المقدمة، بالنسبة إليّ، مدخلاً ضرورياً إلى فكر الياس مرقص، وإلى سيرته السياسية. فهو لم يولد مفكراً متميزاً، رغم الإقتحام الشجاع الذي دفعه إلى خوض معركة التجديد في الفكر العربي، الإشتراكي منه بخاصة، في تلك الفترة، وذلك باسم الماركسية كما فهمها. بل هو كان ينتقل في النقاش والصراع، وفي البحث الدائم عن الحقيقة، من حال إلى حال، متقدماً في صورة مضطردة، إلى أن أصبح بامتياز واحداً من كبار المفكرين العرب المعاصرين. والكلام عن موقع الياس مرقص هذا كمفكر كبير ليس كلاماً عاطفياً. ذلك أن الياس، بعد العقود الثلاثة من حياته الفكرية وبعد هذه الأعوام السبعة عشر على غيابه، لا يحتاج إلى من يتملق له، ولا إلى من يكيل له المدائح. فتراثه الفكري هو الذي يعطيه هذا الموقع، من دون منة من أحد. وبين يديّ عدد من كتبه التي تحمل تراثه الفكري. وكان قد صدر بعضها في حياته وبإشرافه. في حين صدر بعضها الآخر بعد وفاته. وتشير هذه الكتب إلى التطور المذهل الذي كان يحدث في فكره، من كتاب إلى كتاب آخر، ومن تطور في فكره إلى تطور آخر أكثر عمقاً وأكثر فهماً للعصر وأكثر تقدماً في تحديد الأشكال التي كان يراها الياس ضرورية لاندماج بلداننا في التحولات الكبرى لهذا العصر. وقد انتهى به هذا التطور في فكره إلى أن حوّله إلى فيلسوف وعالم وسياسي واقعي في آن. وإني لأخص بالذكر من كتبه وكتاباته التي تألق فيها كفيلسوف وكعالم وكسياسي، ثلاثة هي: “العقلانية والتقدم” و”حوار العمر” و”المذهب الجدلي والمذهب الوضعي”. أهم ما تميزت به هذه الكتب الثلاثة الحرص الشديد عند الياس على إعادة صياغة المفاهيم، لتحريرها من النمطية ومن التأثيرات السلبية ومن التشويهات التي أدخلت عليها تعسفاً باسم ماركس وانجلز، وباسم لينين كذلك، وحتى باسم هيغل وكانط وديكارت وآخرين من كبار فلاسفة التنوير. وكان معظم التشويهات والإلتباسات المتصلة بتلك المفاهيم يطال فكر ماركس ومفاهيمه، ليس فقط فيما يتعلق بهذه الأفكار من استشراف عند ماركس لمستقبل البشرية، بل كذلك فيما يتعلق بالأفكار التي كان الزمن قد جعلها مفاهيم قديمة، غير صالحة للعصر الجديد وغير متطابقة مع التحولات التي أتت بها الأحداث الكبرى خلال القرن ونصف القرن من الزمن الذي يفصل بين عصر ماركس وعصرنا الحالي. يقول الياس في هذا الصدد في الحوار الذي أجراه معه جاد الكريم الجباعي، وصدر في كتاب بعنوان “حوار العمر”: “… هناك أشياء قالها ماركس منذ مائة وأربعين سنة لا تنطبق اليوم، ولا تتفق مع اليوم تماماً. لكن هناك أشياء قالها منذ ذلك التاريخ تتفق مع اليوم أكثر مما كانت تتفق مع زمانه.” ويضيف في مكان آخر، وفي السياق ذاته: “… هناك أشياء قالها ماركس وقضايا مهمة طرحها هي أصح اليوم مما كانت عليه في زمانه…”. ويقدم على ذلك كمثل موضوع الإستلاب والإغتراب. إذ يعتبر أن لينين وبليخانوف والماركسية العالمية قد تخلفوا عن ماركس في فهمه وتحديده لهما.

وإني لألتقي هنا في قراءتي للجانب العبقري في تطور فكر الياس مرقص مع ما قاله جاد الكريم الجباعي في مقدمة كتابه “حوار العمر” المشار إليه، الذي حاور فيه الجباعي الياس مرقص حول عدد من القضايا الفكرية الكبرى، ذات الطابع الفلسفي البحت، وذات الطابع السياسي المباشر، في آن. إذ يقول الجباعي في مقدمته التي هي نص فكري مميز، أن الياس “حرص على استعادة الجذر الروحي للماركسية شرطاً لاندماجها في الفكر العربي، وتقليصاً إن لم أقل نفياً لطابعها الأوروبي الغربي وبرانيتها.” كما ألتقي في قراءتي لفكر الياس مع ما جاء في التقديم الذي وضعه كمال عبد اللطيف لكتاب الياس “العقلانية والتقدم” باسم المجلس القومي للثقافة العربية. يقول كمال عبد اللطيف في المقدمة: “إن الولع البارز في أعمال الياس مرقص بالنظرية والمفهوم لا يتجه صوب بناء الأنساق الفلسفية المجردة والمتعالية قدر ما يتجه نحو محاولة الإمساك بمعضلات التاريخ بأدوات الوعي الدقيق. ولهذا الغرض وظف تكوينه الفلسفي لتعميق الوعي السياسي العربي، محاولاً تأسيسه على أرضية فلسفية صلبة تمكنه من فهم مجرى التاريخ والمساهمة في توجيه صيرورته، وفقاً للإرادة البشرية الواعية والمؤمنة بالتقدم وبالإنسان“.

في هذه الكتب الثلاثة، وهي آخر ما صدر لالياس مرقص قبيل وفاته وبعد وفاته، تظهر دقته العلمية و يظهر جهده الكبير في إعادة صياغة المفاهيم الماركسية، حرصاً منه على تصحيح مسار الفكر العربي، وتحريره مما ساد فيه من تشويهات، بعضها عن قصد وبعضها عن جهل. إذ كان يحاول الياس بجدارة العالم إعادة تحديد معاني المفردات السائدة. فمفردتا الحداثة والتحديث مثلاً تحتاجان، بالنسبة إليه، إلى إعادة تأسيس. والمطلوب، كما يقول: ليس التحديث بل التأسيس. لعل النقص ليس نقص الحداثة، بل نقص الأساس. ويتابع في الشأن ذاته:” في صيغة تحديث الفكر العربي” ليس فقط كلمة تحديث ’’بل أيضاً كلمة فكر’’ نفسها يجب أن تكون موقع سؤال … ما الفكر؟ لهذه الكلمة أكثر من معنى، لحقيقتها أكثر من مستوى، ولفكرتها أكثر من اتجاه، فأي فكر نقصد؟

ثم يتساءل الياس عن معنى محدد لكلمتي عربي وفكر عربي، فيقول في كتابه “العقلانية والتقدم”: ” ’’عربي’’ كلمة في ’’ تحديث الفكرالعربي’’ يجب أن لا تتضخم، أن لا تتحول إلى إله- صنم، في الوعي الصاحي. إن هذا الوصف ’عربي’ يعني أن الفكر الذي نحن معه أو ضده هو فكر بشر عرب ومفكرين عرب“.

ويتابع الياس، على هذا المنوال، ثورته في تصحيح المفاهيم وفي إعطائها معناها الواقعي، وإخراجها من الصنمية التي أعطيت لها. فيعطي لمفردة ’الثورة’ معنىً علمياً، مختلفاً عن السائد المعمم في تحديد معنى الثورة وأهدافها. فيقول في العلاقة بين الثورة والتقدم: ” ثمة فرق بين فكرتيّ ’’الثورة’’ و’’التقدم’’. والمقابلة بين هذين المفهومين لا بد منها، لا سيما وأن الوعي العربي السائد، بمدارسه المختلفة والمختلطة، يعيش في العصر الأول: الثورة. التقدم يضحى به على مذبح ’’الثورة’’، مثلما التاريخ يضحى به لصالح ’’طبيعة’’ انحطت إلى ’’فطرة’’ إلى شيئ ما ذاتي نفسي، قد يكون ’’العدالة’’ أو ’’المساواة’’ أو ’’الحرية’’ أو ’’الشعب’’أو ’’الجماهير’’ الخ… أو باختصار إلى شيئ إطلاقي، صادق أو كاذب. ومن غير الممكن تحديد أين ينتهي الصادق ويبدأ الكاذب. هذا الوعي اللامفهومي واللا إطلاقي يعشق مثله الأعلى الأزلي (أي الأزلي- العابر) عشق قائد تاريخي القومية العربية والرسالة الخالدة…”.

والجدير بالإشارة والتنويه، هنا، أن الياس مرقص كان يعلن بحزم موقفاً معارضاً للعنف، في أي شكل من أشكاله، ولأي هدف من الأهداف مهمما كان سامياً. ويعترض على مقولة بولانراس الشهيرة “الحرب استمرار للسياسة في شكل مختلف”. إذ هو يرى أن الحرب، أية حرب، بما في ذلك ما يسمى “الحرب الثورية”، هي عنف يفرض على حياة الناس من خارج إرادتهم الواعية. إذ أن العنف، في أشكاله المختلفة، هو تعطيل للسياسة، وإلغاء لدور الناس فيها، الدور الذي هو شرط ضروري لكي تمارس السياسة وظيفتها الأصلية. ويوضح الياس مفهومه للإختلاف، بخلاف ما هو سائد أيضاً في تحديد معنى الإختلاف. فيقول في هذا الصدد في الكتاب الآنف ذكره: ” كل الأشياء مختلفة… لا يوجد شيئان لهما تماثل إلا وبينهما اختلاف … ولا يوجد شيئان مهما اختلفا، أي تباعدا في الهوية التامة لكل منهما، إلا وبينهما مشترك، عام، هوية…”.

إن الأمثلة عن هذا النوع من التفكيك والتحليل للمفاهيم كثيرة، تمتلئ بها هذه الكتب الثلاثة التي أشرت إليها. وهي تشكل المرحلة الأرقى والأكثر تقدماً في إبداع الياس الفكري.

إلا أن ما يهمني من هذه الإستشهادات هو أن أشير إلى الهم الذي رافق الأعوام الأخيرة من حياة الياس مرقص. فهذا الهم كان، بالنسبة إليه، هماً تأسيسياً، أراد منه أن يؤسس لفكر علمي جديد، تستند إليه الحركة التي يهدف أصحابها في العالم العربي إلى إحداث تغيير أساسي في بلداننا، تغيير ينقلها من حالة التخلف التي هي فيها إلى العصر وإلى تحولاته الكبرى. وهي نهضة جديدة، في نظر الياس، مختلفة عن المعنى المتداول للنهضة في الفكر العربي السائد. فهي نهضة واقعية، غير طوباوية، غير فردوسية، كما يقول. نهضة نستكمل فيها ما كان قد بدأه رواد حركة النهضة العربية في القرن التاسع عشر. وهو، إذ يشير إلى الطوباوية هنا، فإنه لا يرفضها من حيث المبدأ. ذلك أن فكرة الحلم البشري- وحلم شعوبنا هو جزء من هذا الحلم العام- في تحقيق تقدمها وسعادتها هو حلم مشروع. لكن الياس كان يحرص على التأكيد في إشارته إلى الطوبي هنا على ضرورة أن تقترن الطوبى بالوعي “الصاحي”، كما يصفه، أي ضرورة أن يعرف العاملون من أجل التغيير، أي تغيير يريدون تحقيقه، وبأية وسيلة. وهو، إذ يؤكد على أن التغيير ضرورة حتمية لبلداننا، يتجه في عقله وفكره إلى أوروبا التي حققت تقدمها، رغم أنها لم تحرر شعوبها من الظلم. لكنه يرى، في ضوء قراءته للتجارب التاريخية جميعها، بما فيها التجربة الإشتراكية، أن التغيير يجب أن يتم سلمياً، وليس بالعنف. وهو ما قدمت قبل قليل نموذجاً عن الأسباب التي دفعته إلى رفض العنف كوسيلة للتغيير. فالعنف هو تغيير بالقسر. إنه انقلاب. والثورة (Revolution) هي تغيير جذري. لكنها، كما فهمت من نصوصه، أقرب إلى (Evolution)، أي أقرب إلى التغيير الذي يتم بالتطور.

هذه الأفكار التي أشير إليها في الكتب الأخيرة لالياس مرقص لم تأت فجأة، أي من دون المرور بمراحل كانت ضرورية بالنسبة إلى مفكر عقلاني مثله. فهو قد بدأ مسيرته الفكرية والسياسية، كما أشرت إلى ذلك، ناقداً بحزم تجربة بناء الإشتراكية في الإتحاد السوفياتي، وتجربة الأحزاب الشيوعية في البلدان العربية، معتبراً إياها ستالينية في الفكر وفي الممارسة، أي غير ذات صلة بفكر ماركس وبمشروعه الإشتراكي لتغيير العالم. وألّف كتباً عبّر فيها عن مواقفه تلك بحرية كاملة وباستقلالية عن أي ارتباط تنظيمي بأي حزب. وكان من بين هذه الكتب كتابان: الأول حول الأحزاب الشيوعية العربية بعامة، والثاني حول الحزب الشيوعي اللبناني، الذي انتقد فيه برنامج الحزب الذي أُقرَّ في مؤتمره الثاني (1968)، المؤتمر الذي كان قد اعتبر في حينه حدثاً جديداً في تاريخ الحركة الشيوعية العربية. إذ هو، أي المؤتمر الثاني، قدم نموذجاً جديداً للحزب الشيوعي في الفكر وفي السياسة وفي أشكال التنظيم، وأعلن استقلالية الحزب عن المركز الأممي في كل ما يتصل بسياساته. كما ضحح المؤتمر الكثير من الأخطاء التي كانت ترتكب في العد السابق، أي في ظل القيادة الستالينية الصارمة. وإذا كان الياس في كتابه الأول أقرب إلى الموضوعي في نقده للأحزاب الشيوعية، فإنه في الكتاب الذي كرسه لنقد برنامج الحزب الشيوعي اللبناني قد وقع في بعض التعسف. إذ ورد في بعض ملاحظاته ما يبدو تجاوزاً للواقع وللموضوعية، رغم أن بعضاً من تلك الملاحظات كان يستحق النقاش، لا سيما ما يتصل من تلك الملاحظات بمفهوم الحزب للمسألة القومية.

إلا أن الياس لم يكتف بنقد الأحزاب الشيوعية فكراً وممارسة. بل هو انتقد الفكر القومي، أولاً في شخص أحد أئمته، ساطع الحصري، ثم في نقده للأحزاب القومية، من حركة القوميين العرب، إلى حزب البعث العربي الإشتراكي، إلى الحركة الناصرية. وكان في نقده للفكر القومي يعيب عليه طابعه الغيبي والشعبوي والرمانسي، أي غير الواقعي. ومن أطرف كتبه، في هذا المجال، وأكثرها غنى وتنوعاً في الأفكار، بمعزل عن مدى صحتها، كتابه الذي يحمل عنوان “الماركسية والمسألة القومية” الذي يساجل فيه صديقه بسام طيبي في عدد كبير من الأفكار والمصطلحات والمواقف والرؤى، بما في ذلك ما يتصل بالفهم المختلف لديهما لأفكار ومفاهيم ومقولات ماركس وانجلز حول المسألة القومية.

ومعروف أن الياس مرقص، في كل كتبه وكتاباته وسجالاته، وهي كثيرة، كان صاحب مشروع سياسي، وصاحب مشروع فكري في آن. لقد كان مهموماً، منذ بدايات حياته الفكرية و السياسية، بمصير بلده سوريا، وبمصير البلدان العربية. كان يفكر كعربي الجنسية والقومية، وعربي المنشأ التاريخي والمصير المستقبلي. كان يطمح في أن يكون أحد المساهمين، بالأفكار التي كان ينتجها ويبثها، وبالمفاهيم التي كان يسعى لإعادة صياغتها، في خلق أساس موضوعي لحركة ثورية عربية من نوع مختلف عما كان سائداً، حركة ذات فكر مستقبلي، مالكة لأدوات حقيقية، قادرة على الإنتقال ببلداننا من زمن الإنحطاط الذي كان يعتبره الياس انحطاطاً تاريخياً، إلى العصر الجديد، عصر التحولات الكبرى، محققة تقدمها في كل المجالات، مستفيدة مما حفل به تاريخها القديم والحديث من أفكار حديثة، ومستفيدة في شكل خاص مما حققته البلدان والشعوب الأخرى التي سبقتنا إلى تحقيق نهضتها وتقدمها وحريتها. وكان يعتبر أن هذا التطور في الحركة الثورية العربية على الأسس التي كان يضعها لهذه الحركة، من شأنه، أي هذا التطور، أن يحقق للأمة العربية وحدتها الواقعية، القائمة على التقدم والديمقراطية في اتحادهما.

على قاعدة هذا الهم الأساسي عنده، المتصل بقضايا أمته العربية، لعب الياس دوراً كبيراً في العديد من المؤسسات القومية، وبالأخص منها المجلس القومي للثقافة العربية، الذي كان أحد مؤسسيه. وكانت له إسهامات متميزة في مبادرات المجلس القومي للثقافة، خصوصاً، وفي مجلة “الوحدة” التي كانت تصدر عن المجلس. وكان لهذه المجلة على امتداد سنوات عديدة، بإسهام منه ومن عدد مرموق من كبار المفكرين العرب، دور مهم في نشر الأفكار التي تدعو إلى نهضة عربية حقيقية، نهضة قائمة على التقدم والديمقراطية، ذات صلة وثيقة بالعصر وبتحولاته. وهي النهضة التي كانت أفكار الياس وعدد كبير ممن شاركوه همومه القومية، ترمي إلى تحرير بلداننا من كل الأفكار السلفية والماضوية على اختلافها، ومن أنماط الإستبداد التي سادت فيها. إذ أن تلك الأفكار والسياسات هي التي تتحمل، في نظره وفي نظرنا، المسؤولية عن إبقاء بلداننا أسيرة التخلف الإقتصادي والإجتماعي والثقافي، معزولة عن العالم، غارقة في أزماتها المستعصية، عاجزة عن تحقيق وحدتها القومية أسوة بما قامت به دول أوروبا برغم ما حفل به تاريخها من حروب وصراعات.

هذا هو الياس مرقص، المفكر والعالم والسياسي. كم نحن بحاجة إلى قراءة تراثه. كم نحن بحاجة إلى أمثاله في حياتنا المعاصرة، التي يسود فيها الإستبداد وتسود فيها الظلامية بصيغها المختلفة، وتنطفئ فيها شعلة الحرية والتقدم والعقلانية، وتتراجع فيها وتتخلف حركة اليسار بمدارسها وتياراتها المختلفة، وتفقد دورها الطليعي المفترض. وإني لأجد في الكلمات التالية لالياس مرقص أفضل خاتمة لهذا الحديث السريع الذي أستذكر فيه هذا المفكر العربي الكبير. فهي كلمات لا تحتوي على النقد وحسب. بل هي تشير إلى المهمة التي لها الأولوية في تاريخنا العربي المعاصر، مهمة بناء الدولة بالمعنى القانوني، والمؤسساتي للدولة الحديثة، دولة الحق التي صارت تعرف به في حياتنا المعاصرة. يقول الياس في كتاب “حوار العمر” تحت عنوان “سمو الدولة”: “في العصر اليساري، في عصر عبد الناصر وبعد عبد الناصر، في الستينات والسبعينات انتشر في صفوف اليسار موقف معاد للدولة ولفكرة الدولة ولمفهوم الدولة. هذا الموقف كان سيئاً وخطيراً. وإذا لم نفند هذا الموقف وندحضه ونحذفه فهو خطير و خطير. هناك أناس يقولون إن الدولة أكلت المجتمع عندنا. وفي رأيي أن السلطة والتسلط والإستبداد هي التي أكلت المجتمع. ويجب أن نميّز الدولة من المجتمع بفكرة أخرى مفادها أن الدولة الحقة والحقيقية والحقوقية هي التي لديها الإستعداد، بموجب كيانها كله، أن تدافع عن مواطن، عن فرد إزاء الجماعة، وإزاء المجتمع، وإلا فإن المجتمع ينحط إلى جمهور، والشعب ينحط إلى جمهور. ومن هنا يجب أن نؤيد فكرة سمو الدولة“.

في كلمات الياس مرقص هذه تأكيد واضح بأن المهمة الأساسية التي تواجه قوى التغيير الديمقراطي، اليسارية منها خصوصاً، في بلداننا هي النضال لبناء الدولة الحديثة، دولة الحق والقانون، دولة المؤسسات الديمقراطية، الدولة التي تستعيد فيها مجتمعاتنا حرية تطورها الديمقراطي، بديلاً من الإستبداد المفروض عليها من السلطات التسلطية القمعية، ومن الحركات الأصولية المتطرفة، المكملة في ممارساتها القمعية لسياسات الإستبداد، والمحولة كتلاً كبيرة من شعوبنا إلى قوى عمياء. وكلا هاتين السلطتين، الإستبدادية والأصولية، هما اللتان تستدرجان التدخل الخارجي في بلداننا، بأشكاله المختلفة، بما في ذلك في شكل احتلال وحصار وتجويع وتشريد.

هذا هو الياس مرقص باختصار. لكن هذه الكلمات المبتسرة لا توفيه حقه. لذلك لا بد لمن يريد أن يعرفه جيداً أن يعود إلى كتبه التي تظهر فيها اجتهاداته الفكرية والسياسية بكليتها، وتشير بوضوح إلى الجانب العبقري في شخصيته.

محاضرة ألقيت في القاهرة*

الاثنين 31 آذار (مارس) 2008

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى