صفحات ثقافية

الأوبرا في سورية.. جمهور نخبوي ومستقبل مجهول

null
علياء تركي الربيعو
أقام قسم «ثقافة وتراث» التابع للأمانة العامة السورية للتنمية، أمسية غناء كلاسيكي أوبرالي لفرقة مغنيّ الأوبرا السوريين، يوم الإثنين الماضي في دار الأوبرا في دمشق.الحفل أقامه أربعة مغنين سوريين هم: «لبانة القنطار، رشا رزق، بيير الخوري، سعيد الخوري» بمشاركة عازفي دمشق لموسيقى الباروك، التي تتألف بصورةٍ رئيسية من مجموعة الآلات الوترية والنفخية البسيطة، وبمرافقة آلة «الكلافيسان» التي تنتمي إلى الفترة نفسها، فترة «الباروك» التي سادت في أوروبا بين فترة عصر النهضة، وأوائل القرن الثامن عشر.
وباروك هو اصطلاح مستعمل في فن العمارة والتصوير، معناه الحرفي .شكل غريب، غير متناسق، معوّج. وقد ظهر هذا الفن أول مرة في روما في السنوات الأخيرة من القرن السادس عشر الميلادي. ويتميز الأسلوب الباروكي بالضخامة، ويمتلئ بالتفاصيل المثيرة. وفي القرن الثامن عشر تطور الفن الباروكي إلى أسلوب أكثر سلاسة وخصوصية، وسمي بفن الروكوكو.
تضمنت الأمسية مقطوعات غنائية من «آلام المسيح حسب القديس متى» بصوت لبانة القنطار و «أوراتوريو الميلاد» بصوت بيير الخوري،
و«كانتاتا» بصوت رشا رزق.
وتأتي هذه الحفلة ضمن المشروع الذي أطلقه قسم «ثقافة وتراث» لدى الأمانة السورية للتنمية ضمن برنامج دعم المسار المهني لمغني الأوبرا في بداية العام 2008، عن طريق اختيار أربعة مغنين سوريين من قبل لجنة اختصاصية.
يهدف هذا البرنامج الى تأمين التدريب الضروري على كافة الأصعدة ليصل المشاركون في هذا البرنامج الى مستوى فني متميز يمكنهم من المنافسة وفرض قدراتهم الفنية في داخل سورية وخارجها، من جهة، و لدعم مسارهم الفني عبر السعي لتأمين فرص عمل داخل سورية وخارجها، من جهة ثانية.
بالإضافة الى أن أهم ما في هذا المشروع، هو التعريف بفن الأوبرا بشكلٍ أكبر في سورية، عبر مجموعة من الحفلات التي أقيمت وستقام مستقبلا.
وعلى الرغم من أن تأسيس الفرقة السيمفونية على يدي المايسترو الراحل صلحي الوادي يعود إلى العام 1993، وإحيائها سنويا نحو 12 حفلة محلية، وعلى الرغم من قيام التلفزيون السوري بعرض برامج وحفلات للموسيقى الكلاسيكية فإن هذا الفن مازال لا يلقى الكثير من الاهتمام في سورية سواء على صعيد الجمهور أو حتى الاهتمام بالمغنين.
فالمغنون يشكون من الإهمال ويرون أنه لا مستقبل لهذا الفن في سورية، وتؤكد ذلك المغنية لبانة القنطار وتقول: «عندما يقرر المرء احتراف هذه المهنة فإنه يضع مستقبله في المجهول، لأن قسم الغناء الأوبرالي في معهد الموسيقى هو معني فقط بتدريس الراغبين في تعلم الغناء الأوبرالي، و للأسف ليست مهمته إيجاد فرص عمل».
أما المغنية رشا رزق فتقول بدورها: «لا توجد فرص عمل لمغنيّ الأوبرا» وتضيف: «إذا أردت أن تعيش حياة لائقة فعليك إيجاد فرص أخرى، وأن تبتعد عن مبدأ الالتزام والتخصص في عمل واحد، فمثلا أنا أعمل في كتابة وغناء شارات مسلسلات الكرتون، وأغني الجاز والروك في فرقتي «إطار شمع».
أما باسل الصالح وهو أستاذ في المعهد العالي للموسيقى في دمشق فيرى أن الموسيقى الكلاسيكية
ما تزال غريبة في بلادنا بينما تلقى الاحترام والتقدير والاهتمام في الغرب أكثر منه في سورية و يقول: «أرى أن الموسيقى الكلاسيكية غريبة في سورية، حيث ليس لدينا مدرسة موسيقية مختصة بالموسيقى الكلاسيكية، والموجود هو عبارة عن معاهد خاصة فقط».
ويتهم البعض دار الأوبرا في سورية التي تأسست في العام 2003 والتي تحوي عدة صالات بأنها لم تقدم أي مساعدة للموسيقيين.
يقول الصالح «على الرغم من وجود دار الأوبرا، على بعد أمتار قليلة من المعهد العالي للموسيقى إلا أن المسؤولين عنها يعتذرون دائما عن عدم تقديم إحدى قاعات الدار لتستخدمها الفرقة السيمفونية لتمريناتها، ولا تحصل الفرقة على ذلك إلا إذا كان مقرراً أن تحيي الفرقة حفلاً في دار الأوبرا».
أما بالنسبة إلى الجمهور السوري للغناء الكلاسيكي فهو قليل، ففي الحفل الذي تم إحياؤه يوم الإثنين الماضي كان عدد الحضور لايتجاوز 150 شخصا، نسبة كبيرة منهم كانت من أهالي المغنين والعازفين الذين بلغ عددهم 20 مغنيا وعازفا.
و يعود هذا في رأي البعض إلى أن الثقافة السورية هي ثقافة شرقية محضة، وغير منفتحة على الحضارات الأخرى، وهي بحاجة الى سنين طويلة لمواكبة الحضارات الاخرى، اما البعض الآخر فيرى أن ضعف الإقبال على الغناء الأوبرالي الحالي في سورية،لأن هذا الفن ما يزال غير ناضج، بالاضافة الى ان الجمهور لا يفهم ماذا يغني المغنون، لأنهم لايغنون بالعربية، وهذا سبب وجيه في عدم حضور الأمسيات الكلاسيكية.
وقد يكو ن ذلك السبب أيضا في اتجاه معظم مغنيّ الاوبرا منذ فترة الى الغناء باللغة العربية، رغم تحفظ البعض بشدة عن تجارب الغناء الأوبرالي باللغة العربية يقول الصالح «هذا يفقد الأغنية العربية أصالتها، فنحن نحتاج الى الأوبرا كمنهجية وليس كصوت يلون الغناء العربي».
تقول رشا أحمد (22 سنة طالبة) في كلية الإعلام في دمشق «أنا لا أحضر حفلات للموسيقى الكلاسيكية لانها لا تعبر عن شخصيتي وثقافتي العربية». مقولة أخرى إن الفـــن الأوبرالـــي بعيــد عن السوريين نظراً إلى البعد الجغرافي والثقافي لنشأته الإيطالية،فهناك العديد من السوريين الذواقين لهذا النوع من الموسيقى، وأغلبهم من المثقفين والدارسين في خارج سورية نتيجة اختلاطهم بالثقافات الأخرى.
يقول محمد حسين (30 عاما) طبيب متخرج من أميركا «أنا أحد الذواقين لفن الموسيقى الكلاسيكية في سورية، وإذا كان هناك عدد من الناس لا يحبون الموسيقى الكلاسيكية، فهذا سببه جهل من قبلهم لا أكثر و لا أقل».
ويبدو أن المشكلة لا تكمن في تذوق السوريين للموسيقى الكلاسيكية والأوبرا، إنما في كيفية دفعهم إلى تذوفها. وفي إيجاد الحلول لذلك، فالغناء الأوبرالي في حاجةٍ أكبر إلى دعم وسائل الإعلام في هذا المجال، وفي اهتمام الدولة الشديد بدعم الفنون في دار الأوبرا.
ويقترح وسام (طالب في المعهد العالي للموسيقى) أنه يجب التوقف عن الغناء وإحياء دار الأوبرا حفلات باللغة العربية لمدة طويلة، حتى تسمع ثقافة الأوبرا ويتعرف عليها السوريون أكثر.
دار الأوبرا
أنشئت «دار الأوبرا» العام 2003 وكان الغرض منها نشر الثقافة الموسيقية والمسرحية وتطويرها ورفع مستواها وإحياء التراث الشعبي والاجتماعي والفني. وتعريف المجتمع بالفنون العالمية: الموسيقية منها والمسرحية، وتنمية الذوق الفني لدى الجمهور.
وافتتحت الدار في السابع من مايو العام 2004 وبدأت تعرض النشاطات الثقافية فيها، واستبشر الجميع خيرا خاصة المثقفين والصحفيين، إلا أن خيبة الصحافيين كانت أكبر بسبب ضعف النشاطات التي كانت تقدم والتي كانت أكثرها ترفيهية، بالإضافة الى سوء معاملة القائمين على الدار للصحافيين في البداية، التي نتج عن عنها بعض المشكلات بين عدد من الصحافيين ومدير الدار السابق نبيل اللو، وصل بعضها الى المحاكم.
إلا أن الأمور تغيرت بعض الشيء مع المدير الجديد لدار الاوبرا.
وايضا عند إعلان دمشق عاصمة للثقافة العربية، صحيح إن الكثير من النقد طاول أنشطة الاحتفالية، ولكن هذا لا يمنع أن دمشق عاشت عاما من النشاطات المتنوعة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى