صفحات ثقافية

مكتبتي

null
عقل العويط
كان ممكناً أن أخترع ألف موضوع للكتابة، لكن مكتبة أورهان باموق (صفحة 4 – 5 – 6) سحرتني مثلما يُسحَر طفلٌ بأخبار الساحرات. لقد جعلتني تلك المكتبة، بقوة المغناطيس الذي فيها، أذهب توّاً اليها، وألتهم “خبريّتها”، كما يذهب منتحرٌ لذيذ في هاوية لذيذة، ولكنْ ليلتهمها لا لتلتهمه.
لا أدري لماذا تفعل بي المكتبات هذا الفعل. فهي تنسّيني عمر الزمان والمكان، وتضعني في أعمار زمانها ومكانها. هذا ليس من الادعاء الأدبي في شيء. لا. فأنا لستُ مهتماً بتظهير نفسي في مظهر الكاتب الذي لا يترك كتاباً أدبياً إلاّ بعد أن يمتصّ دمه. فهذا يقع في آخر اهتماماتي الإعلامية. بل يستهويني أن أصف نفسي بأني لست قارئاً. وبأني لست عارفاً. وبأني محض جاهل. ففي ذلك من “التقريظ الذاتي” ما يجعلني في العتمة القمرية المشمسة التي تفتح خلايا الرأس على مصاريعها، فأروح أغرف هذه العتمة غرفاً بدل أن تغرفني، لتصير جزءاً من خلايا كياني ومتاهتي. وبها أرى ما يحلو لي أن أراه. وأقرأ ما يحلو لي أن أقرأه. وأعرف ما يحلو لي أن أعرف… وأظلّ محض جاهل.
إنها الكتب والمكتبات أيها القرّاء، وهي تُشعرني باللذة، حتى قبل أن أقرأها وأعرفها. إنها لذة التخلّي الفلسفي عن التشبث بحدود الذات الضيقة. إنها لذة الغيبوبة. بل لذة الهرب في المجهول الكلّي. حيث لا أعرف الى أين يقودني هذا المجهول. كما لا يهمّني أن أعرف. هي حالة. هي حالةٌ فحسب. بل إحساسُ مَن يهوى الذوبان في مثل هذه الحالة التي يستشعرها المرء أمام الكتب، ليس شغفاً بمضامينها فحسب، وإنما خصوصاً لأنها محض كتب. ولأن هذا الإحساس يمكّنني من محض الذوبان فيها. وذلك هو الشبق مطلقاً. وهو أكثر عرفاناً من مضامين الكتب نفسها.
عندما أرسل اليَّ الصديق ياسين الحاج صالح مقالة أورهان باموق، عن مكتبة هذا الحائز جائزة نوبل للآداب، منقولةً مباشرةً من التركية، بقلم الصديق بكر صدقي، لننشرها في “الملحق”، أخذني الإحساس بالمغناطيس إلى ذلك الكاتب. لا فقط بسببه (أورهان باموق)، ولا بسبب الكتاب والمكتبة (مكتبته)، ولكن أيضاً وخصوصاً بسبب مكتبة أبيه التي أشبّه تأثيرها على أورهان بتأثير “مكتبة أبو جورج” العتيقة والبدائية عليَّ، وبسبب الترجمة الشائقة التي جعلتني أتوهم بأن أورهان قد كتب مقالته هذه بالعربية لا بالتركية.
فليت المكتبات تأخذنا جميعاً الى إحساسات كهذه، فننصرف اليها، بقوة المغناطيس الذي فيها، فنصير جميعاً كتباً في مكتبات. لكنْ هيهات! فمن يستطيع أن “يخطف” ملكاً أو أميراً أو رئيساً أو زعيماً أو رجل سياسة أو موظفاً أو صاحب بنك الى مكتبة فيصير هذا “المخطوف” رفّاً فيها أو كتاباً؟! دلّوني على واحدٍ من هؤلاء يستطيع أن يفعل هذا الفعل لأعلن ولائي للأمل الكاذب بالسياسة والسياسيين!
لكنْ، ما لنا وللوحول. فلنعد الى المكتبة. فالمتاهة خيرٌ من وضوح الوضوح. واللغز خيرٌ من انكشاف أسراره.
قبل مكتبة أورهان باموق، ومكتبة أبيه، كان ثمة المكتبة البورخيسية وألغازها وأسرارها ومتاهاتها. قبلها كانت المكتبة الشرقية. والمكتبة الوطنية. ومكتبة كلية التربية. وقبل ذلك بكثير كان ثمة مكتبة أبو جورج. مَن منكم يعرف مَن هو أبو جورج وكيف كانت مكتبته وأين. أكاد أجزم أن لا أحد من القرّاء يعرف مَن يكون أبو جورج، وكيف كنا نستأجر الكتب من دكّانه في شكا، ذي الرفوف المعتمة والمغبرة لتدور هذه الكتب دورتها على جمع من الناس الودعاء الالمعيين الفقراء النبلاء، المتلهفين لقراءة صفحة في كتاب. حتى الذين كانوا يأخذون الكتب من دكّانه ليقرأوها، عندما يتذكرون ذلك الزمن عبر مقالاتي عن هذا الموضوع، لا يعرفون حتى الآن السبب الكبير الذي يحملني على استحضاره كلما أتيحت لي فرصة الاستحضار. على غرار القنديل الذي كان أبو جورج يستضيء به في دكّانه العتيق ليلبّي طلبات زبائنه، كانت كتبه تشعلني كما تشعل الأيقونة زيت الأعجوبة. لم يكن دكّانه مكتبة حقيقية وإنما شبه قبوٍ على منوال دكاكين ذاك الزمان. ولا أعرف ما الذي جعله يأتي بالكتب ويرصفها على رفوف من التنك والخشب المتداعي، على مقربة من الخرضوات والتوابل وأكياس الفحم والبصل والحبوب، ليؤجّرها الى هؤلاء الذين من مثلي وأمثال أقربائي وجيراني ما كانوا يملكون القدرة على شراء الكتب لتأسيس مكتبات شخصية. مكتبته تلك، القريبة من دكان صديقي موريس لتصليح الدراجات، كانت مكتبتنا البيتية الأولى، ويكفيني أنها جعلتني أثأر من أسبابٍ حالت آنذاك بيننا وبين ملء جدران البيت برفوف الكتب الحميمة.
هذا عن مكتبة أبو جورج. قبل ذلك أيضاً، كان ثمة في الماضي الطفولي السحيق ذلك الكتاب الذي تنشّأنا عليه في مكتبةٍ لمدرسة مرمية في مجاهل الذاكرة. وهي حبّي الأول للكتاب والمكتبة.
ماذا بعد؟
لقد استفزّتني مكتبة أورهان باموق استفزازاً متاهيّاً جميلاً، فقلتُ لنفسي لا بدّ من استفزاز القرّاء بها. ولا بدّ من نشر مقال الكاتب عنها لتكون في المتناول، بل لا بدّ من إيلائها المقام الأول، ولِمَ لا تكحيل غلاف هذا العدد من “الملحق”، أو بعضه، بها، وبصاحبها. فالمكتبة، كل مكتبة، هي وطننا في حضور الوطن، أو في غيابه. والمكتبة، كل مكتبة، هي سياستنا في حضور السياسة وفي غيابها. والكتب، كتب المكتبة، ملوكنا وأمراؤنا ورؤساؤنا وزعماؤنا وسياسيونا وموظفونا وأصحاب بنوكنا، عندما يعزّ وجود الأمل المتاهيّ في مثل هؤلاء.
وبعد، ماذا بعد؟
لقد استفزّتني مكتبة أورهان، أيها القرّاء. وفي الاستفزاز ما يحمل المستفَزّ على الخروج من ليل مكمنه.
إنه استفزاز اللذة، أيها الأصدقاء. لذة الغيرة المكتبية. فأنا أيضاً بات عندي مكتبة كتبية، عربية فرنسية. وأيضاً مكتبة مرئية وسمعية. وللعلم والخبر، فأنا أنام كل ليل بين كتب هذه المكتبة. فهي سريري الذي من نحاس، وهي ناموسيتي، وهي لحافي، وهي سمائي، وهي قمري، وهي هاويتي. وإذا كنتُ أنام فيها، فلكي أهرب في الكتب التي فيها، ولكي تجعل ليلي النهاري مليئاً بـ”كوابيسها”، فتبعّد عني كوابيس الملوك والأمراء والرؤساء والسياسيين والموظفين وأصحاب البنوك وشذاذ الآفاق أجمعين.
وماذا بعد؟
للعلم والخبر أيضاً: يكفيني، حتى، أن أجلس في غرفة المكتبة، لمحض الجلوس فيها، وأحياناً، بدون أن أفعل شيئاً، وحتى بدون أن أقرأ، أو أكتب، ففي ذلك من اللذة الغيبوبية ما يمكّنني من الذهاب بعيداً في رائحة الكتب وحضورها الأعجوبيّ فيَّ.
لمناسبة إعلان بيروت عاصمة عالمية للكتاب، هذه السنة، أدعوكم أيها القرّاء الأعزّاء الى تأسيس مكتبات في بيوتكم، في قراكم، في مدنكم، وفي رؤوسكم، فلعلكم بها تصنعون وطناً جميلاً في حضور الوطن. وخصوصاً في غيابه!

تـــتـــــمـــة
قرأ قارئ متمكّن مقالي عن المكتبة فسألني عن علاقتي الفعلية بمكتبة الكتب، وكيف أتفاعل معها، وماذا أقرأ منها، وهل هي حقاً ضرورية ولازمة لتصنيع الذات الثقافية والمكان الثقافي. لم يربكني القارئ المتمكن بسؤاله لأني شبه “مريض” في الإلحاح على هذه القضية بالذات، وفي مساءلتها، لكني لم أتمكّن من تفصيل رأيي في الموضوع. وها أنا أجيبه بعض إجابة، و”وجهاً لوجه”، أي بالكلام المكتوب. ذلك أن الشفوي منه قد يذهب إهداراً فلا يصيب مرماه، أما المكتوب من الكلام فيتيح لنفسه أن “يتبغدد” ويذهب عمقاً ويتغطرس ويصيب لأنه متنبّه ومستوحد. ولذا هو أصفى وأشفّ وأدقّ وألذّ. وربما لا.
مكتبتي هي حالة الكتب وليست هي الكتب مفتِّحةً صفحاتها ومقلِّبةً إياها فحسب. وليست هي العناوين وأصحابها والمعاني. وليست هي الكمّ ألوفاً أو مئاتٍ أو عشرات. وليست هي الأفكار والمناقشات فيها وعنها. مكتبتي هي أنا بين الكتب. في الكتب. وتحت سلطاتها الغامضة. مهرِّباً ذاتي في طقوسها. عالقاً في غبارها الدماغيّ الرئويّ الهاجسيّ. متلاشياً متجمّعاً ممتلئاً بفكرتها عن نفسها. وبفكرتي عنها. ومتخلّصاً قدر ما أستطيع من الأفكار المسبقة، ومن عبورها فيَّ، لأعبر في النقيّة الملوَّثة الكلمات التي تصنعني بعد أن أصنعها.
مكتبتي هي الكتب كلّها. جميعها. الماضية الحاضرة المقبلة. والتي نعم وكلاّ ولن. وهي التي في الهنا وفي كل مكان. وهي الكتب التي في لا مكان. وتلك التي تبقى في الطيّ. وهي تلك التي ألّفوها وطبعوها ونشروها ووزّعوها وترجموها. وهي تلك التي غريبة الليل والنهار المندثرين. وهي التي نمتها واستيقظتها وعشتها ومتّها ورأيتها وشممتها وتركتها تتخلّى لي عن ذاتها ثم تركتُ نفسي أتخلّى لها عن ذاتي في الوقت والعمر. وهي تلك لم أقرأها. وهذه التي لن أقرأها. وهي تلك الموصومة باللغات التي لا أحسن فكّ حروفها. وبتلك التي تتعرّى لي كلما ألقيتُ وجودي عليها.
مكتبتي هي أحوالي ناسياً الزمن والكتاب، وناسهما. متذكّراً لا شيء. مستفيقاً في الأزل والأبد. وفي الوسيط العابر الذي يبسط وطنه على الموجودات ويتركها مخضوضةً به وتتركه مخضوضاً بها.
قد لا أكون أقرأ كثيراً. وقد لا أكون أسرق محتويات الكتب كثيراً. وأنا لا أتباهى بالكتب المجموعة عندي أو المقروءة. أو بتلك التي سأجمعها وأقرأها. وإذا كنت أقرأ أو لا أقرأ كثيراً، وأسرق ولا أسرق كثيراً، فأنا كم وكم أقرأ أحوال الكتب والمكتبات. وكم وكم أسرقها. بل كم وكم وكم أشفطها شفطاً. حتى لأنشفط أنا بها انشفاطاً هائلاً كاملاً غيبوبياً، لا مثلما يفعل مدمنٌ بسيجارة وكأسٌ بقنينة فحسب، وإنما لا سيما مثلما تفعل سيجارةٌ وقنينةٌ بمدمنٍ وكأس. ومثلما عينان ويدان وجسد تفعل بجسد. وهلمّ.
أعترف أني أسكن الكتب أكثر مما أسكن المكان بل أكثر مما أفعل شيئاً آخر. اعترف أنها هي التي تسكنني مثلما أنسكن بامرأتي. حتى لأشعر أنها طعامي وشرابي وأني طعامها وشرابها. وإذا من سمٍّ فهي السمّ. وإذا من ترياقٍ فهي الترياق. وإذا لا بدّ من تصحيح فهي الترياق مسموماً والسمّ مُتَرْيَقاً. وهي الإثنان معاً ومنفصلين. وإذا من بداية فهي البداية. وإذا من خاتمة فلا خاتمة.
أنا الآن في المكتبة. لا أتذكر كتاباً ولا كاتباً. لا أفكّر في كاتب ولا في كتاب. أنا هناك فحسب. مملوءاً مفرَّغاً. ساكناً مسكوناً. ناسياً متذكّراً. آكلاً شارباً نائماً مستيقظاً. ثم جالساً وراء مكتب. ليس بين يديَّ شيءٌ محدّد. لا كتاب لا قلم لا ورقة لا شاشة كومبيوتر. الجسد فقط في الجسد. حتى لأصير أنا المكتبة. وأصير رغباتها ونقصاناتها المأسوية. وأصير ما ليس هي وما ليس أنا: شيئاً هو الكتاب ورغبة الكتاب.
أقف الآن أمام الزجاج، زجاج المكتبة، في مدينةٍ ما، لا لأرى فحسب ما أمام وما وراء، وإنما لأصير ماثلاً في غلف الكتب وعريها الداخلي والأعراف والتقاليد والطقوس. وإذا كنتُ أدلف الى الداخل فلكي أقول لها ما تحبّ أن تقوله لي، ولكي تقول لي ما أستطيع أن أقوله لها. وبدون كلام. وكم أحببتُ ارتماءها على طاولات أو وقوفها على رفوف. وتلك الفراغات والامتلاءات والروائح والانفعالات والمشاعر والهلوسات والوشوشات والعلاقات الموشومة بالأزل والأبد وبالوسيط العابر بينهما. وكم شئتُ أن أسهر هناك وأن أنام هناك وأن أجدني في الصباح حتى الظهيرة حتى المساء حتى الليل. لأسرق لا الكتب ومحتوياتها إنما لأسرق الرغبة بالذات. ولأمتصّ أرواحها ودم أجسادها ودقّات قلوبها وأنفاس رئاتها. وإنما لأنامها مثلما يُنام جسدٌ على جسد في جسد. الى أن يولد لنا صبيّ. أو رغبة صبيّ.
* * *
أعود الى القارئ المتمكن لأسأله عن علاقته هو بالكتاب والمكتبة، ولأخاطبه “وجهاً لوجه” بالمكتوب من الكلام لا بالشفوي منه، لأن الشفوي قد لا يخترق السطح فيطيش. ولأن المكتوب إذا كان لا يصل جيداً فهو يبقى شاهداً لي وشاهداً عليَّ. ولأن هذا القارئ إذا أراد أن يسأل ليعرف فليس عليه سوى أن يكون مسروقاً مثلما تسرق سيجارةٌ شاربَها.
مكتبتي هي الرغبة أيها القارئ. رغبة الكتاب أكثر مما هي الكتاب الممتلَك نفسه. ورغبة دخول الاحتفال أكثر مما هي الاحتفال نفسه. ورغبة أن أكون كتاباً أكثر من أن أكتب الكتاب. لهذا السبب أشعر أني ملك. وأني في الواقع رئيس الملوك. وأني سيد ممالكهم وجمهورياتهم. وأني مدحرجهم.
هكذا إذاً! أتوقع من هذا القارئ أن يقول لي.
نعم أيها الصديق القارئ: هكذا أملك المكان وأصيره، وتملك معي أنتَ أيها القارئ المتمكن، ويملك معنا سوانا. ويملك معنا الأفراد الذين يصيرون المكان وتاريخه، ماضيه وحاضره ومستقبله، ويصيرون جغرافيته وطقوسه وأعرافه وتقاليده وطقوسه والرغبات. ويصيرون الذات الثقافية والمكان الثقافي.
المكتبة رغبة الكتاب ورغبة أن نكون المكان، ورغبة أن نكون المعنى.
وكم نحن أيها القارئ بعيدون عن ذلك. وكم نحن قريبون من ذلك. فنحن على مرمى رغبة. على مرمى حالة. فلماذا أيها القارئ، لماذا لا نكون الكتاب والمكتبة. لماذا لا نكون المكان، ونصيره؟!
قد عنونتُ مقالي بالقول إنها تتمة. إنها تتمة حقاً، ولكنها ليست خاتمة!

عقل العويط

ملحق النهار الثقافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى