صفحات ثقافية

‘بدون نقاب: فن جديد من الشرق الاوسط’: فنانون يختبرون حدود المسموح ويلعبون على فكرة المقدس والذكورة والانوثة

null
ابراهيم درويش
في معرض ‘بدون نقاب : فن جديد من الشرق الاوسط’ الذي افتتح نهاية الشهر الماضي في غاليري ساتشي (ساعاتي) تم التركيز في العروض عن المعرض على مجموعة من اللوحات التي تخدم توجهات نقاد الفن وتؤطر رؤية الاعمال الفنية ضمن الرؤية العامة عن الفن القادم من ‘ارض بعيدة’ يعاد اكتشافه من جديد بعد ‘زلزال’ هجمات ايلول (سبتمبر) 2001. والاعمال التي تم التركيز عليها وكانت حاضرة في معظم العروض الفنية هي نماذج المنيوم فارغة صنعها الفنان الجزائري قادر عطية لنساء محجبات في وضع صلاة، بحسب الرؤية للنماذج من الامام او الخلف، وملأ بها غرفة كبيرة، وهي نماذج متشابهة لا تختلف عن بعضها البعض وفي حالة النظر من الامام تبدو وكأنها صور لنساء محجبات اذ أن سيادة اللون الفضي وانعكاسه يقدم صورا لوجوه مغمام بالاسود، وعند النظر اليها من الخلف تبدو وكأنها نماذج لنساء في وضع صلاة، وعند الاقتراب منها والنظر في داخلها تبدو النماذج فارغة. ويعتمد التفسير على رؤية وموقف كل مشاهد او ناقد، فالفنان اما انه كان راغبا بتسجيل ضد معاملة المرأة او الاصوليين وتقديم صورة عن فراغ ايديولوجيتهم ام انها رسالة موجهة ضد الدين.
تجارب في الفن 90 في 19
وعلى العموم فالعروض الفنية، لوحات ونماذج وتصاميم، تقدم في اطارها العام رؤية عن الفن الجديد من العالم العربي وايران تحديدا، اذ ان الفن الجديد من الشرق الاوسط، هو فن من تونس وسورية ولبنان وفلسطين، وايران لاحد عشر فنانا من هذه المناطق تقدم في مجموعها 90 لوحة تقريبا مع معرض خاص في نهاية العرض للفنانين الاساتذة التي تمثل اعمالهم تاريخ الفن والرسم العربي الحديث، الذي يمثل في تطوره تطور تقنيات واساليب الفن العربي الجديد المتأثر في طبيعته بالفن الغربي ومدارسه مع محاولة من الاساتذة لتسييق الفن الجديد في اطاره المحلي. والحقيقة ان الجزء الاخير من المعرض هو من اجمل الاقسام لانه يقدم بانورما للفن العربي الحديث من ايتل عدنان وشاكر سعيد وعبدالحافظ فرغلي ولؤي كيالي ونجا المهداوي وادم حنين وهذا القسم تقدمه شركة فيليبس دي بيري اند غاليري. يحتل المعرض مساحات واسعة وما يميز مجموعة ساتشي الجديدة ان اللوحات كبيرة ولانها تعبر عن فن معاصر فالزائر لديه الفرصة للتفاعل معها عن قرب بدون ان يكون خائفا من عيون حرس الاعمال الفنية الكلاسيكية. وقد احتلت الاعمال 13 غرفة في الغاليري. تطرح الاعمال او الفن الجديد جملة من الاسئلة عن موضوعاتها، فهي صادمة وتمثل مدارس جديدة في الفن العالمي مما جعل البعض يقول ان االفنانين هم ‘مثلنا’ اي من وجهة نظر الفن الغربي. الفنانون معظمهم يعيش ويعمل في خارج بلاده، لكن ما فاجأ النقاد هو الفن القادم من ايران من فنانين يعيشون في ايران واخرين يعملون في الخارج، فهناك جرأة وفن صادم في تناول الموضوعات وسوريالية تطبع اعمال اخرين، غضب، حقد وخطورة في اعمال اخرى.
وجوه المرأة المتعددة
وهنا نأتي للمجموعة الثانية التي اثارت النقاش حول الاعمال التي عرضت في المجموعة، وهي مجموعة من اعمال شادي غاديريان، التي تستخدم الصورة لتظليل حياة المرأة في المجتمع الايراني فـ ‘مثل كل يوم’ تمثل صورا لنساء بلا وجوه ومغميات بالشادور وبدلا من الوجه استعاضت الفنانة هنا بمكنسة، او بشارة ومكواة وصحن ومفرمة ومصفاة وما الى ذلك من الادوات المنزلية التي تشكل حياة المرأة الايرانية. وهذه السلسلة التي جذبت الانتباه تضاف اليها سلسلة الصور القاجارية من العهد القاجاري في القرن التاسع عشر وهو العهد الذي انفتحت فيه ايران على الحداثة وتمثل صور السلسلة نساء يقفن او يجلسن امام خلفية تعيد تشكيل ذلك العهد ولكن التناقض في الصورة هي ان كل واحدة تحمل او تقف وراء اداة معاصرة تكنولوجية، مكنسة كهربائية، راديو وتلفون. وقد تفسر هذه المجموعة على انها اشارة للتوتر بين الحداثة والتقليد والتقدم.
يحمل المعرض الكثير من ادوات التجريب من السريالية للواقعية والرمزية، وترحل الاعمال في تواريخ الفنانين الشخصية، واول ما تقابل الزائر صورة بيروت او نموذجها المعمول من الكاوتشوك من عمل مروان رشماي وتبدو بيروت كقطعة سوداء من مادة الكاوتشوك المحروق لم يبق منها سوى ملامحها الجغرافية من الشوارع والاحياء المقسمة على 60 حيا ويطرح النموذج عددا من الاسئلة على الزائر حول هوية المدينة الاكثر اشكالية في العالم واثر مشاكل وجروح الحرب عليها وكيف تشكل الظروف، الحرب والانقسام، شكل اليومي والعادي في المدينة الاجمل ومدينة المشاكل.
من بيروت ‘يعقوبيان لـ ‘قلنديا -2067’
ثم يحاول رشماوي اختصار الحياة في بيروت من خلال نموذج من الاسمنت والشقق، عمارة هي نموذج مشابه لعمارة رشماوي السابقة وقد اطلق عليها ‘عمارة يعقوبيان، بيروت’ وهي عمل منجز في الفترة ما بين عامي 2006 -2008. ويتميز النموذج بالحرص على تسجيل التفاصيل العادية والبسيطة التي ترسم شكل المشهد السياسي والاقتصادي والحياة الاجتماعية وتحولاتها في عمارة هي رمز للمدينة بيروت. النماذج هذه التي تحاول استعادة ورسم الحياة في بيروت الى مشاهد لبشر في اوضاع ثابتة ومسمرة في وقوفها حكايات عن المعاناة والالم والاحلام وهي عمل لاحمد مورشيدلو رجال ونساء بالعباءة السوداء وفي نظرتها توق وانتهاك. ‘بلا عنوان’ فيها حكايات من ايران المعاصرة. في اعمال هيف كهرمان من العراق نلاحظ الدقة في اختيار اللون وحركة الفرشاة واختيار الاشكال وهنا تراوح بين التاريخ/ الماضي و الاسطورة، حكاية الذبح التي تتردد في عدد من اللوحات ‘سلخ الحمل’ و ‘ذبح مشترك’. وهناك تأثيرات من الفن الصيني وفن المنمنمات الايراني. وما دام الماضي والاسطوري حاضراً في اعمال كهرمان فهو مباشر وواضح في اعمال روكني حائرزاده التي تأخذ من كتاب الملوك وتستعيد مشاهد اجتماعية تبدو من البعد وكأنها احتفالات سوريالية وحدث رمزي كما في رسمها للحياة العادية والجنازة الايرانية التقليدية والزفاف في ايران والاهتمام بابراز التفاصيل، الشراشف المنمقة بالكلام والطاولات والراقصون. وفي لوحة ‘شومالي’ شاطئ على بحر قزوين، تبدو الصورة وكأنها اقرب للحياة الطبيعية في بدائيتها ولكنها تستخدم المشهد من اجل تظليل فكرة التمييز ضد المرأة وغياب المساواة بين الجنسين، رجال اقرب للعري ونساء بعباءات ونقاب. حليم الكريم يحاول بناء عبر الصور رؤية عن المعادلة الصوفية وعلاقتها بين الظاهر والباطن وبناء انسجام بينهما ويعكس الكريم تجربته التي عاشها في الصحراء وينهل في صوره من تراث العراق القديم كوسيلة للتحايل على تجربة القمع والسجن في ابو غريب. وتبدو تجربة الحرب حاضرة في اعمال احمد السوداني، فهي تظهر في بغداد -2 التي تصور مشهدا يوميا من العمليات الانتحارية وسيارة تصدم جدارا قرب المنطقة الخضراء. وتظهر في اعماله اثار اعمال فناني الحرب المعروفين مثل غويا واثار اشعار منها ويحاول من خلال استخدامه الاكليرك تقديم تفاعل بينه وبين المشاهد ويظهر هذا في لوحته ‘بغداد-1’ التي تستعيد تدمير صدام حسين في ساحة الفردوس. في اعمال طالا مداني يظهر التجريد في حالاته، وتظهر طالا قدرة على استخدام الخطوط الهندسية ‘برج التأمل’ و ‘زهري مرن’. وتقارن اعمالها باعمال الفنان الفرنسي ماتيس، ولكن اعمالها لا تخلو من سخرية كما في محاولتها تجريد الانتحاريين من رؤيتهم وعالمهم. لا تخلو الاعمال من لوحات تقوم على الكولاج كما في لوحات لالي خوراميان ‘عدن- جيل اول’ التي تبدو بمساحتها البيضاء كزمن متآكل. جعفر خالدي، وان كان لا يعتبر نفسه فنانا سياسيا الا ان لوحته ‘ متجمد’ تمزج بين الواقع القاسي والمشاهد المتخيلة والحنين للازمنة القديمة. رامين حائرزاده يستعيد في سلسلة ‘رجال الله’ تقاليد مسرح التعزية الذي عرف في الفترة القاجارية ويؤطر الفكرة لبحث فكرة الانوثة والرجولة، وصوره تقوم على تعامل ذكي مع تكنولوجيا الانترنت. ربما كانت لعب شيرين فخيم، الساخرة والغامضة لمعالجة الفتيات العاملات في المواخير، والبحث عن الجذور الاجتماعية التي تدفع الفتيات للكار من مثل العنف البيتي والفقر والقوانين المتشددة للجمهورية الاسلامية. الفنانة التونسية نادية عياري تنشغل بالاسرار التي تختفي خلف المقدس وتحاول ترجمة المقدس الى معرفة حقيقية بكتابته او البحث خلف ما يجري خلف الحجاب، العين الكبيرة هي ما تظهر السر الذي تشاركه امرأتان محجبتان. تخدم العين في لوحاتها كحارس للاسرار في المبغى او خلف السياج او كبوابة لسيدي بو سعيد. وفي لوحتها بيروت التي انجزت اثناء حرب تموز عام 2006 تظهر قبة الصخرة محروسة باصابع بملابس بيضاء وخناجر كتعويذة تحرس المقدس.
على الرغم من التحفظات التي قد يراها البعض على المجموعات المعروضة الا ان الزائر يزوره من اجل الدخول في قلب التجربة الفلسطينية وعمل وفا حوراني ‘قلنديا -2067’ اي مئة عام بعد حرب الايام الستة استعادة مثيرة للحياة الفلسطينية المسيجة بمطارات اف- 16 والدبابات المختفية وراء الجدران الاسمنتيتة والمستوطنات العالية التي تظلل الحياة الفلسطينية. لكن الاهم ان وفا حوراني بمواد بسيطة استطاع تقديم حس عن روح الحصار التي يعانيها مخيم قلنديا، البيوت، الشعارات والفصائل وكتاباتها الجدرانيةـ الاصوات والموسيقى وانتينات التلفزيون التي يستخدمها الفلسطينيون لمشاهدة العالم ويستخدمها الجيش الاسرائيلي لمراقبتهم، ويستخدم حوراني اشرطة من الافلام، افلام الفيديو كي يقدم رؤية ان افلام الخيال العلمي هي حكاية يومية فلسطينية. مشكلة نموذج حوراني انه ضاع في دوامة الاعمال الاخرى ويبدو في اضاءته ومكانه هامشيا وبعيدا عن الاهتمام مع انه لو تمت العناية بالاضاءة والقوائم الساندة لبدا العمل مؤثرا ومثيرا. يقدم المعرض أعمالاً ونماذج وتصاميم لديانا حديد ولوحات لعلي بني صدر. المعرض بانوراما حول ما يجري من تحولات فنية لدى فنانين من العالم العربي وايران مع ان معظمهم يعمل ويرسم ويصمم خارج حدود بلاده ومن هنا هل يمكن اعتبار ما يقدم من اعمال فنا اصيلا. وملاحظة اخيرة تتعلق بالكاتالوج الذي بدا جزؤه العربي كارثة من ناحية الترجمة وتقديم التواريخ، فالمترجم لا يعرف الا الترجمة الحرفية التي لا تقدم صورة عن روح الاعمال، اضافة الى اخطاء مطبعية كثيرة.
كاتب من اسرة ‘القدس العربي’

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى