صفحات الناسفلورنس غزلان

الأم مدرسة أم مكنسة؟!(بمناسبة عيد المرأة العالمي)

null
فلورنس غزلان
رحم الله حافظ إبراهيم حينما قال: الأم مدرسة إذا أعددتها، أعددت شعباً طيب الأعراقِ
مشكلتنا ليست مع الشاعر العظيم، بل نعلم رغم أنه ولد في جيل وعصر سابق، أنه كان متفوقا بفكرته عما يطرح الكثير من مثقفينا وسياسيينا ومقرري مصيرنا، قالها كشاعر وتركنا حتى اللحظة نتغنى بقوله ونردده في أعياد الأم ونهلل للأم ونحن نغرقها في الجهل وفي التهميش ونضعها في قوالب للتعليب والحفظ باعتبارها هشة وسريعة العطب!، لكن أي خطيب من خطباء تقديس الأم لم يتحفنا بحل أو ببرنامج تربوي كيف نجعل من هذه الأم ( مدرسة ) بالمعنى الفعلي والحقيقي للكلمة كي يتخرج على يديها بالتالي جيل ناضج واعي يعرف كيف يبني ويصنع وينشيء دولا وينهض أوطاناً ويساهم فكرا في حضارة بلده والبشرية جمعاء. وإن لم نفلح في مسيرتنا بجعل المرأة مدرسة فهذا يعني أن المجتمع الذي يتناصف بين امرأة ورجل فاشل ينزلق نحو هاوية التخلف ويُسَّجل في دفاتر مجتمعات العالم الثالث والعاشر وهذه حالنا.
وإن قلت في عنوان المقال أنها يمكن أن تتحول بفعل التربية الخاطئة إلى مكنسة، فإني اعني فعلا ما أقول …لأنها تصبح أماً غير صالحة لتنشئة أجيال واعية وأن تنهض بأسرة متوازنة وتنجب أجيالا تعمر ولا تهدم ..إذن أين الخطأ؟
وكيف نجعل من الأم مدرسة فعلاً؟ المعضلة تكمن في هذا السؤال..وكيف لا ندعها تتحول لمكنسة تكنس  الجمال والخير  والحب في قلب وعقل الطفل وتلوث تربيته..بكل تأكيد لاذنب لها فيما ستفعل لأنها بحد ذاتها ضحية تربية جعلت كنستها هي الأخرى وبالتالي فالرحى تعود للدوران..لهذا فسوف تعيد ترتيب البيت والعقل الإنساني بطريقة تكنيس وتخليص الفكر من كل نور وتدخله إلى عالم الظلام والجهل، فلو انتقلنا لبيت من بيوتنا العربية ولحي من أحيائنا الشعبية، حيث تضع المرأة مولوداً جديدا كل عام، لتكثر من النسل وتزيد من الغلة ” كي يتباهى بنا الإسلام ونصبح الأكثر عدداً وعدة فيما نحمل في رؤوسنا وعقولنا من نور الإيمان ودحض الشيطان القادم من بلاد الكفر والجان!..فلو كان المولود ذكراً وهو ماتحلم به الأم ومَن حولها…لنفشت ريشها وهرع الجميع لإرضائها وخدمتها لأنها( أم الصبيان ومنجبة الذكور والولدان)!…وستُكَّرم في كل خطوة و سيكون لها في الدار حُظوة، أما لو أنجبت بنتاً، فسيقال لها تطييبا لخاطرها: الحمد لله على سلامتك والمهم خلاصك…ويتهامسن فيما بينهن قائلات:” مسكينة حظها قليل لا تنجب إلا البنات” ربنا يكون بعونها…وحين تدرج هذه البنت على أرض الدار وحتى لو منحوها اسماً  ، لكنها ستحمل مئات من أسماء التشبيه والاستعارة والنداء لما يصفها ويوظف مقامها ودورها في الحياة المستقبلية..فتصبح :” المفعوصة، المنحوسة، الملعونة، طويلة اللسان، مقصوفة العمر، عين تطرقك انشاءالله، يوه الله لا يكبرك بعدك ماطلعتي من البيضة وبتعملي مثل الكبار؟إ يه كان يوم أغبر يومن لي خلفتك…الخ الموال والمعزوفة اليومية التي تعاد وتتكرر على مسامع البنت المسكينة، وبالطبع هذه الألقاب لا تصدر عن الأم فقط  ، التي نسيت هي الأخرى أنها أنثى، لكنها تكرر على مسامع البنت ماكانت تسمعه وهي صغيرة، وكذلك يفعل كل أهل البيت، وما أن ترتدي ثياب  التاسعة أو العاشرة …حتى يُبدأ بإعدادها للطاعة والخضوع وقواعد تلبية الأوامر والتعرض للضرب والشتم واللكم والتأنيب والتقريع واللوم على الصغيرة والكبيرة، ناهيك عن المنع والتحجيب وعدم اللعب مع الصبيان وعدم الخروج إلا للمدرسة ــ هذا إن ذهبت للمدرسة ويمكنها أن تذهب لفك الحرف أي لتعلم مباديء القراءة والكتابة ليس أكثر ــ وكي لا يقال عنا أننا نغالط الحقيقة أو نبالغ، لأنه لم يعد إلا القليل من البنات دون مدارس وتعليم …لكني أسأل كم نسبة النساء حاملات الشهادات العليا في بلادنا؟ وكم هي نسبة النساء الحاصلات على مؤهلات ووظائف كبيرة في دوائرنا؟ وماهي نسبة النساء في أحزابنا السياسية ، معارضة أو موالاة؟…حين تكون النسبة تتجاوز الربع في كل هذه المجالات سأستسلم وأعلن أن مجتمعاتنا بخير ومستقبلها يبشر بالنور ويكفي معرفة نسبة الأمية في بلادنا العربية للحصول على الجواب ــ” حسب آخر إحصائية عن اليونيسكو70 مليون أمي” ــ ..هذا دون أن ننسى أن الكثير من المتعلمات وصاحبات الشهادات ربما فيهن من الجهل مايفوق النساء الريفيات البسيطات ، اللواتي تعلمن الحياة بالسليقة وفهمنها من خلال تجاربهن الشخصية وتجاوزن العسف وبحنانهن حاولن ويحاولن حماية أطفالهن مما مررن به.. القضية إذن في الموقف من المرأة منذ ترى النور…فبعد أن ترتدي ثياب طفلة وتستطيع بيديها النحيلتين أن تؤدي بعض الأعمال الصغيرة ،  وبدلا من تسخير يديها للعب وكتابة واجباتها المدرسية ، تبدأ الأسرة بإعدادها لتكون زوجة مستورة ومطيعة تنفذ الأوامر دون تردد أو احتجاج أو رفض ..فالرفض يعني أنها عنيدة ورأسها يابسة وتحتاج لترويض كالحيوان! والترويض لن يكون إلا بالنهر والزجر وغالبا بالضرب والقهر وشد الشعر وسماع آلاف العبارات الجارحة، فتصبح خادمة البيت وعليها أن تطيع أخاها حتى لو يصغرها بعام أو عامين، لأنه الذكر الفحل يُعد ليصبح سيداً ورجلا…هذا إن أفلح ..فيطلب منها على سبيل المثال:” قومي وليه مفعوصة..حضري لأخيك الشاي والغداء تعبان حبيب أمه وعيونها…أما هذه الصغيرة فهي حبيبة الشيطان!، وعليها بعد هذا وذاك ألا تكفر وتسير مع صاحب أول عبارات لطيفة وحنونة تسمعها من صياد وأفاق! عليها أن تصون عرضها وشرفها، والذي يعني شرف الأسرة التي تكيل لها كل أنواع التعذيب والتطفيش، وتعطى كل يوم دروساً في العفة،  والعفة هنا ليست ممارسة الأخلاق وفهمها على حقيقتها من خلال معاملة الأسرة ، بل من خلال دروس وعظات تحمل التهديد والوعيد وعذاب القبر وعذاب الحياة…تفهم الطفلة أنها لم تخلق لتكون سيدة نفسها ولا علاقة لها بملكية نفسها…إنها خلقت من أجل الآخر كل الآخر جسدياً ونفسياً وعقلياً..الأسرة منذ ولادتها والزوج والأولاد فيما بعد..والأسرة هنا لا تعني الأب والأم فقط ، بل العم والخال والجد والجدة، ويصل الأمر حتى للجار والجارة إن كانوا من نفس العشيرة، ولكل تعليماته وتقريعاته وعليها أن تحفظها وتسمعها وتطيعها وتنفذها دون اعتراض..هل يضع أحدهم نفسه مكان طفلة تمارس عليها مثل هذه الطقوس؟ ربما سيقول البعض أن هذا غير موجود إلا نادرا وفي الأرياف البعيدة…لكن القسم الأكبر من شعوبنا يعيش في الأرياف أو أحزمة المدن الفقيرة حاملين معهم كل تراثهم الثقافي والعشائري،  والدليل على هذا النسبة المرتفعة لجرائم الشرف، في سوريا والأردن وفلسطين والعراق…والنسبة المرتفعة لتسرب البنات من المدرسة وخروجهن الباكر لسوق العمل في الحقول والمعامل أو على بسطات الشوارع وتعرضهن اليومي للإذلال والاستغلال الجنسي…
إزاء هذا الوضع، ماذا تفعل حكوماتنا الميمونة( الممانعة أو المعتدلة) لتلافي آلام النساء والتخفيف من الظلم الواقع عليهن؟..هل تغيرت برامجنا التعليمية؟ هل اهتمت الأنظمة بتأهيل وتربية المعلم المربي كي ينشيء جيلا سوياً؟…كم من المشاكل اليومية والتي تشيب لها النواصي تخرج من أفواه المعلم نفسه حين يستخدم سلطته لتجيير عقل التلميذ ويجعل منه مشروع بعثي كما يحصل في دروس الطلائع الثورية والشبيبة وعسكرة المجتمع في سورية وسابقا في العراق!..هذا عدا عن أسلمة الأطفال فلا تكاد تمر أمام مدرسة ابتدائية وليست إعدادية أو ثانوية، إلا وتجد الطفلة وقد غطت رأسها بقطعة من القماش تميل يسارا ويمينا فتحرمها من حقها في الرؤيا الصحيحة وتمضي الوقت في محاولة إصلاحها، أو في تنورة تلف جسدها حتى القدمين فتمنعها عن الحركة والجري واللعب كبقية الأطفال، فتغدو مرتبكة وغير واثقة من نفسها وتميل للعزلة..كيف ستكبر  فتاة كهذه وهي تتلفع بكيس يقال لها أنه يحفظها من الخطف والموت والنار؟ لأن جسدها محط دنس ورجس وعورة وإغراء لعيون الرجال الجائعة والذئاب البشرية، بالتأكيد فإن مجتمعات كهذه ستجعل من الرجال ذئابا بشرية، ويكفي ما نقرأه من أخبار يندى لها الجبين عن اغتصاب للأطفال وسفاح القربى ، هذا النذر اليسير الذي يتم فضحه والكشف عنه ويصل للصحف وهناك الكثير مما يطمر ويدفن دون أن تصله العين والأذن، وعلى الدوام العاقبة والخاطئة والضحية هي المرأة!! ـــ  أعلم أنه على الفور ستتم المقارنة بأن العالم الحر الغربي يحوي الكثير من الجرائم المرتكبة بحق الأطفال، هذا صحيح فالمرض النفسي والإنساني لا علاقة له في كثير من الأحيان بالتربية والقوانين، لكن قوانينهم صارمة وتعالج المرتكب وتعاقب بشدة، بينما يخرج مجرمنا بعد ستة أشهر هي الحق العام..لأنه يسجل إما كقاصر أو كمدافع عن شرفه النبيل المتموضع بين فخذي زوجته أو أخته أو ابنته… وإن كان من أقاربها أو قريتها فيحق تزويجها من مغتصبها!! رامين عرض الحائط بوضعها النفسي…لأنها لا تعامل ولا ينظر لها  لا من خلال القانون ولا المجتمع كإنسان!.
حتى اليوم تناضل على سبيل المثال: المرأة السورية لتحصل على حقها في منح الجنسية على الأقل لأبنائها ــ  فزوجها مازال في عرف حكومتنا( العلمانية البعثية الممانعة) خارج الحسبة ــ  ..حتى أبناءها قال فيهم النظام مايلي:” بما أن معظم الزيجات التي تتم بين المرأة السورية ورجال غير سوريين هي مع فلسطينيين ، فهذا يعني أنه لو منح الأولاد الجنسية السورية لحرمناهم من حقهم في العودة لفلسطين..لأن النظام السوري حريص على عودتهم لأرضهم أرض أجدادهم التي لم يرها حتى آباءهم ولن يروها !…على من تنطلي الحيل والتدليس واستخدام القضية الفلسطينية كبردعة وحيلة لحرمان المرأة من حقها؟
للعلم فقط..عدد الفلسطينيين المقيمين على الأرض السورية حوالي نصف مليون نسمة ولو تصورنا أن ربعهم متزوج من سوريات وليس أكثر فهذا لن يتعدى ال 150 ألف وهل يعني منح الفلسطيني جنسية سورية حرمانه من حق العودة لو عادت فلسطين؟ ومن يقرر هذا أليس الفلسطيني نفسه ، ألا يحق للإنسان أن يختار موطنه ومكان إقامته؟ لماذا يحق للسوري المتزوج من أجنبية مهما كان فصلها وجنسها أن يمنحها جنسيته؟ ولأولادها أيضا..لكن المرأة تظل الحجر العثرة والدرجة الأدنى ويبدو أنها من يقرر وطنية وانتماء السوري والفلسطيني ..الحق عليها لو أحبت وتزوجت من خارج الوطن!!…وكيف يقال أنها نصف البشرية ونصف المجتمع السوري؟ ..
هناك نظام للكوتا في البرلمان السوري يسمح للمرأة بنسبة لا بأس بها في تشكيل البرلمان…لكن ماذا فعلت هؤلاء النسوة للمرأة السورية نفسها؟ لا يفقهن إلا رفع الأيدي والتصويت للقائد والقيادة الرشيدة والخطاب باسمها والصراخ والزعيق : بالروح والدم نفديك يا رئيس!…والختم والبصم على كل ما يصدر من تشريعات تظلمهن كنساء لأن القرار خارج أيديهن ودورهن للديكور فقط،  وكي يقال للعالم أننا دولة تقدمية ووضع المرأة عندنا  لا تشوبه شائبة ويليق بدولة متحضرة علمانية بعثية اشتراكية قومية عربية!
وماذا تفعل وزيراتنا في الحكومة؟ هناك نائبة رئيس أيضاً!..لقد سبق وكتبت في أكثر من مناسبة ماقالته وتفعله بين فترة وأخرى وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل وكيف تُضَّيق يومياً على الجمعيات الأهلية التي تساعد فقيرات الأرض وذوات الاحتياجات، وكيف تغلق  منتديات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان..باعتقادي هذا كافٍ ليعطي صورة عن كوتا النساء على النهج السوري…لأن الكوتا يجب أن تكون ضمن قانون ديمقراطي وانتخابات حرة ونزيهة ودولة قانون وحق ونظام وحرية أحزاب وتداول سلطة وتعددية سياسية…وهذا كله مجرد حلم يسعى إليه المواطن العربي والسوري بشكل خاص.. في مثل هذه الظروف يمر عيد المرأة العالمي على سوريا ،لكنه يطمس من أجل عيون عيد الثورة في استلام البعث السوري السلطة وتأهيل قانون الطواريء ليصبح سيد القضاء منذ الثامن من آذار عام 1963 حتى اليوم…فكل عام وأنتم بألف خير!
أي عيد وأي مواعيد  في ظل طواريء وحزب قائد؟ وأي حرية وقوانين تحمي المرأة وتصونها دون تمييز،  حتى قانون يجرم مرتكبي جرائم الشرف ويحد منها مازال حلما هو وقانون الجنسية!،  ادعوا معي أن يتحقق لأن المراة السورية تناضل بحدة منذ أعوام طويلة ليصبح حقيقة أسوة بأختها المرأة المصرية والمغربية والتونسية ،  وسيتم التصويت عليه هذا الشهر في مجلس الشعب…نأمل …وندعو ..وسيكون أول الغيث قطرة على درب إصلاح وضع المرأة وإعدادها لتكون مدرسة..يبدأ بقانون يحميها وإصلاح في العملية التربوية، والعقلية الثقافية المجتمعية، وبما أنها أصعب وأعقد الأمور حيث يختلط الديني بالتقليدي والعرفي، فعلينا تغيير القوانين التي تحميها من التمييز ، وتغيير المناهج التعليمية التي تعد الأجيال..وهذا أمره مازال بأيدِ أنظمة تجيش شعوبها وتقيد حرياتهم واختياراتهم رجالاً ونساء..لأنهم ملكها وطوع أمرها..وهذا بالتالي يتعلق بتغيير للأنظمة وإصلاح ونقد الخطاب الديني، وكلها من واجبات المثقف والسياسي.
ــ باريس 02/02/2009
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى