صفحات مختارة

من كتابات نظرية ما بعد الاستعمار

مكانٌ صغير
جامايكا كينسايدا
إنَّ الأنتيجوا التي عرفتُها، الأنتيجوا التي ترعرعتُ فيها، ليست الأنتيجوا التي تراها، أيُّها السائح، الآن. تلك الأنتيجوا لم تعدْ موجودة. لم تعد تلك الأنتيجوا موجودة من جانب أول للسبب الاعتيادي المتمثل بمرور الزمن، وفي مقلب آخر لأنَّ ذوي العقول الشريرة الذين درجوا على حكمها، أي الإنكليز، ما عادوا يقومون بذلك. لكنَّ الإنكليز أصبحوا أولئك القوم الباعثين على الشفقة هذه الأيام، والذين بالكاد لديهم فكرة عما يفعلون بأنفسهم في الوقت الحاضر باعتبار أنَّهم لم يعودوا مستحوذين على ربع سكان المعمورة الذين ينحنون ويتشاجرون أمامهم. لا يبدو أنّهم يعلمون بأن المشروع المتعلّق بالإمبراطورية كان في منتهى الخطأ، وأنَّ عليهم- على الأقل- ارتداء ملابس مصنوعة من الخيش والرماد في كفّارةٍ رمزية عن الخطايا المقترفة، وعن استحالة غفران أعمالهم القذرة، إذ من غير الممكن تصوُّرُ كارثةٍ طبيعية تعادل هذا الأذى الذي ألحقوه. فربما كان الموت الفعليُّ أفضل، وهكذا دائماً ما يوصلني كلُّ هذا الرغو حول الإمبراطورية – ما الخطأ الذي حصل هنا، وما الخطأ الذي حصل هناك- وقاد إلى الجنون، باعتبار أنَّ بمقدوري أن أخبرهم ما الخطأ الذي حصل: كان عليهم ألاّ يغادروا وطنهم، إنكلترا الغالية الخاصة بهم، المكان الذي أحبّوه إلى حدٍّ بعيد، والمكان الذي ما كان عليهم مغادرته لكن دون أن يكون بمقدورهم نسيانه. وهكذا فقد حوّلوا كلَّ مكان ذهبوا إليه إلى إنكلترا؛ وحوّلوا كلَّ شخصٍ صادفوه إلى شخصٍ إنكليزي. لكن ما من مكانٍ من الممكن أن يكون إنكلترا حقاً، وما من أحدٍ لم يكن يشبههم تماماً من الممكن أن يكون إنكليزياً، وهكذا بمقدوركَ أنْ تتصوَّرَ دمار الناس والأرض الذي نجمَ عن ذلك. فالإنكليز يكرهونَ بعضَهم بعضاً ويكرهون إنكلترا، والسبب الذي يكمنُ خلف بؤسهم الآن هو عدم وجود مكانٍ يذهبون إليه، أو شخصٍ آخر يشعرون بالتفوّق عليه. لكنْ دعني أطلعَكَ على الأنتيجوا التي كنتُ أعرفها.
في الأنتيجوا التي عرفتها، كنا نقطن في شارعٍ سُمِّيَ تيمُّناً بمجرمٍ إنكليزيٍّ بحار، يدعى هوراشيو نيلسون، كما أنَّ كلَّ الشوارع الأخرى حولنا سُمِّيَتْ تيمُّناً ببعض المجرمين الإنكليز الملاّحين. كان هنالك شارع رودني، وشارع هود، وشارع هاوكينز، وشارع دريك. كان هنالك أشجارٌ مموّجةٌ، وأشجارُ ماهو جاني تحفُّ بالشارع على الجانبين. لقد كان مبنى دار الحكومة، المكان الذي قطنهُ الحاكم، والذي يمثِّلُ الملكة، واقعاً في شارع إيست، ومبنى دار الحكومة محاطاً بسورٍ عالٍ – ولإظهار كم كنّا مروّعين، ما من أحدٍ كتب أشياء غير لائقة عليه أبداً؛ لقد بقي نظيفاً وأبيض وعالياً. (وقفت ذات مرَّةٍ في الشمس الحارقة لعدة ساعاتٍ بحيث أستطيع مشاهدة أميرةٍ من إنكلترا ذات وجه كالمعجون تختفي خلف هذه الأسوار. كنت في السابعة من عمري آنذاك، وفكّرت، أنَّ لديها وجها رماديٌّا مصفرّاً). كانت المكتبة في شارع هاي ستريت الأدنى، فوق دائرة الخزينة وفي ذلك الجزء من هاي ستريت كانت تجري كلُّ أعمال الحكومة. ففي ذلك المكان، كان بمقدوركَ أنْ تصرف شيكاَ في دائرة الخزينة، وتقرأَ كتاباً في المكتبة، وترسلَ رسالةً من مكتب البريد، وتمثُلَ أمام قاضي المحكمة. وطالما أننا تحتَ حكم الإنكليز، كانت قوانينهم لدينا. فهنالك قانونٌ يحظِّر استخدام اللغة البذيئة. هل بمقدوركَ أنْ تتصوَّرَ قانوناً كهذا بين أناسٍ يشكِّلُ لديهم تحويل المرء نفسه إلى فرجة من خلال الكلام الدنيا برمتها عندما ذهب الهنود الغربيون إلى إنكلترا، كان على الشرطة هناك الحصول على قائمة تتضمّن الكلمات الهندية الغربية البذيئة بحيث بات بمقدورهم فهم إن كان ما يسمعوه لغةً بذيئةً أم لا. وفي ذلك الجزء نفسه من هاي ستريت، كان بمقدورك الحصول على جواز سفر في مكتب حكومي آخر. وفي وسط هاي ستريت، كان يقع مصرف باركليز. والأخوة باركلي، الذين أنشؤوا مصرفَ باركليز، كانوا تجاراً للرقيق. بتلك الوسيلة كوّنوا ثروتهم. وعندما قام الإنكليز بحظر تجارة الرقيق، انتقل الأخوة باركلي إلى العمل المصرفي. لقد جعلهم أكثر ثراءً. فمن المحتمل أنَّهم عندما رأوا كم زاد العمل المصرفيّ في ثرائهم، قاموا بضربِ أنفسِهم علقةً كبيرةً لمعارضة إنهاء تجارة الرقيق (إذ من المؤكد أنهم عارضوا ذلك) لكن من جديد بعدئذٍ، ربما كانوا من أصحاب الرؤيا وقاموا بأعمال شغبٍ لإنهاء الرقيق، ولكَ أن تتأمّلَ كيف أصبحوا أثرياءَ بواسطة مصارفهم التي تقترض (من خلال مدّخراتهم) من سليلي الرقيق ومن ثمَّ يعيدون إقراضها لهم. إلاّ أنَّ من يكبرونني قليلاً في السنِّ من الممكن أن يردِّدوا اسم أول أسود تمَّ توظيفه محاسباً في مصرف باركليز ذاته في أنتيجوا واليوم الذي تمَّ فيه ذلك. هلْ تسغربُ لِمَ يُقدمُ بعض الناس على تفجير أنفسهم؟ يمكنني تصوُّرُ ذلك إذا اتخذت حياتي منحىً معيّناً، سيكون هنالك مصرف باركليز، وسأكون هناك، ونحن الاثنان معاً في الرماد. هلاّ حاولتَ البتّة أن تفهمَ لِمَ لا يستطيعُ أناسٌ مثلي تجاوز الماضي، ولا يستطيعون الغفران ولا النسيان؟ يوجد مصرف باركليز. الأخوة باركلي في عداد الموتى. بني البشر الذين تاجروا بهم، وبني البشر الذين كانوا بالنسبة لهم مجرَّد متاع، موتى. ما كان يجب أنْ تؤولَ الأمور بهم إلى المآلِ نفسه، إذْ أنَّ الجنة ليست مكافأةً كافية لأحد منهم، وجهنّمُ ليست عقوبةً كافيةً للآخر!!
لقد تمَّ تعليمنا أسماء ملوك إنكلترا. في أنتيجوا، كان الرابع والعشرين من شهر أيار عطلةً – عيد ميلاد الملكة فيكتوريا الرسمي. لمْ نقلْ لأنفسنا، أليست هذه الشخصية غير المحبّبة ميتة منذ عهود طويلة؟…
لا أستطيع إخبارك كم يغضبني سماع أناس من أميركا الشمالية، وهم يعبِّرون عن حبِّهم الجمّ لإنكلترا، وكم إنكلترا جميلة بتقاليدها! كلُّ ما يرونه هو شخص محافظ متكوّر يعبر المكان ملوّحاً للحشد. لكن ما أراه هو ملايين الناس الذين تيتّموا، وأنا مجرّد فردٍ منهم: ما من وطنٍ أم، وما من وطنٍ للأسلاف، لا آلهة، لا تلال من التراب للأرض المقدسة، لا جموحَ في الحب قد يؤدي إلى أشياء يأتي جموحُ الحبِّ بها في بعض الأحيان، والأسوأ والأكثر إيلاماً من ذلك كلِّه، لا لغة. إذ أليسَ من الغرابة أنَّ اللغة الوحيدة المتوفرة التي يمكن أن أتحدث بها عن هذه الجريمة هي لغة المجرم الذي اقترف الجريمة؟ وما الذي يمكن أن يعنيه ذلك حقاً؟ حيث أنَّ لغة المجرم يمكن أن تتضمَّنَ فحسب طيبة أفعال المجرم…
هل أعطيتك الانطباع بأنَّ الأنتيجوا التي ترعرعت فيها تتمحور تقريباً بوجه كاملٍ حول إنكلترا؟ حسناً الأمر على هذه الشاكلة. لقد قابلتُ العالم من خلال إنكلترا، وإذا ما أراد العالم ملاقاتي فعليه أن يفعلَ ذلك من خلال إنكلترا…
إنَّ إدراكنا لهذه الأنتيجوا – والفهم الموجود لدينا حول هذا المكان المحكوم من قِبل أصحاب العقول الشريرة أولئك – ليس إدراكاً سياسياً. فلقد كان الإنكليز سيّئي السلوك، لا عنصريّين؛ وكانت مديرة المدرسة سيّئة السلوك على وجه الخصوص، لا عنصرية؛ وكان الطبيب مجنوناً – حتى أنّه لم يتكلّم الإنكليزية بالأسلوب المناسب، وقدِمَ من مكانٍ اسمه غريبٌ، وبدوره لم يكن عنصريّاً؛ وكان الناس في “ميل ريف كلبّ” يبعثون على الحيرة (لمَ الذهاب والعيش في مكانٍ يقطنه أناسٌ لا تطيقهم)، وليسوا عنصريين…
كنتَ تحبُّ المعرفة، وحيثما ذهبت أكدتَ على بناء مدرسة، ومكتبة (نعم، وفي هذين المكانين شوَّهْتَ تاريخي ومحوْتَه ومجّدْتَ تاريخك الخاص). لكن من جديدٍ إذن، ربما تلاحظ النكبة التي أعيشها حالياً، والدمار التام الذي يلفُّ حياتي، ربما تتذكّر بأنَّ أناساً على شاكلتي لا يستطيعون تسيير الأمور، وبأنَّ أناساً على شاكلتي لن يلتقطوا فكرة الناتج القومي الإجمالي، وأناساً على شاكلتي لن يكونوا قادرين أن يسيطروا على أمرٍ يتمكن منه الأكثر بلاهةً بينكم، وأناساً على شاكلتي لن يفهموا فكرة الحلم بواسطة القانون، وأناساً على شاكلتي لا يستطيعون في حقيقة الأمر التفكير في المجردات، وأناساً على شاكلتي لا يستطيعون أن يكونوا موضوعيين، فنحن نجعلُ كلَّ شئٍ شخصياً. سوف تنسى دورك في المشروع، وتلك البيروقراطية واحدةٌ من اختراعاتك، والناتج القومي الإجمالي واحدٌ من اختراعاتك، وكلّ القوانين التي تعرفها معرفة غامضة تفضِّلك…
أما بشانِ كيف كنّا قبل اللقاء بك، لم يعد الأمر يعنيني. ما من فتراتٍ زمنية كان القياد فيها لأسلافي، ولا توثيق للحضارات المعقدة يجلب أيَّ ارتياح. وحتى إذا ما كنت تحدّرتُ فعلياً من أناسٍ كانوا يعيشون أشبه بالقرود في أعالي الأشجار، كان البقاء على تلك الشاكلة أفضل بكثير مما حدث لي، ومما أصبحت عليه بعد لقائي بك.

ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار
سيمون ديورنج2
نستطيع، بوحشيّةٍ بالأحرى، أنْ نسِمَ الفكر ما بعد الحداثي (العبارة مفيدة أكثر منها سارّة) بأنّه ذاك الفكر الذي يرفض تحويل الآخر إلى مطابق للذات. وبهذا الشكل يقدمُ فضاءً نظريّاً لما تنكره مرحلة ما بعد الحداثة: الغيرية. ويلاحظ الفكر الحداثيُّ أيضاً، من جانب آخر، بأنَّ الآخر لا يستطيع أن يتحدَّث بالأصالة عن نفسه على أنّه الآخر. على المرء أن يتردد في تسمية خطابٍ يتمحور حول هذه المواضع إما مع أو ضد مرحلة ما بعد الحداثة، لكنّه بالتأكيد ليسَ ببساطةٍ متناغماً معها.
وتسمحُ لي هذه الافتراضات التي ليست بكلّيتها إما أصيلة أو غير خلافية، وسوف يتمّ تفصيلها أدناه جميعاً بطرح فرضيّتي المحورية. وتفيدُ أنَّ مفهوم ما بعد الحداثة قد تمّت صياغته بمصطلحات تمحو عن قصدٍ إلى هذا الحد أو ذاك إمكانية وجود هوية ما بعد الاستعمار. في حقيقة الأمر، وإذا ما تمّتْ تنحيةُ القصد، فإنَّ الإزالة المفاهيمية للشرط ما بعد الاستعماري من الناحية الفعلية ضرورية لأيّة مناقشة تحاول إظهار “أننا” نعيش في مرحلة ما بعد الحداثة. بالنسبة لي ـ ربما بشكلٍ غريب الأطوارـ تُعتَبرُ نزعة ما بعد الاستعمار حاجةً في الأمم والجماعات التي كانت ضحيّةً للإمبريالية، بغرض إنجاز هوية غير مشوبة بالمفاهيم والصور الكونية والمركزية الأوروبية. وتصبح المناقشة هنا معقدة، طالما أنَّ نزعة ما بعد الاستعمار تُشكِّلُ واحدة من أُطرٍ سواها تستنبطُ أملاً وشرعية في العنصر الأول لفكر ما بعد الحداثة، ورفضه في تحويل الآخر إلى مطابق للذات. وعلى هذه الشاكلة فهي مهددة باللحظة الثانية في فكر ما بعد الحداثة.
إنَّ رغبة ما بعد الاستعمار هي رغبة الجماعات المتخلصة من الاستعمار بهوية… من الواضح أنَّها مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالقومية، فتلك الجماعات بالغالب، وليس دائماً، هي أمم. في كلٍّ من الأدب والسياسة تتركز نزعة ما بعد الاستعمار نحو الهوية حول اللغة، بشكلٍ جزئي لأنَّ هوية ما بعد الحداثة بالكاد متوفرة في مكان آخر. ففي وضع مواطن ما بعد الاستعمار لا يعدو قيامه بالتحدث أو الكتابة بلغاتٍ إمبريالية عن كونه مصدراً لمشكلة في الهوية، وسقوطاً في المحاكاة التهكمية والتأرجح. إنَّ مسألة اللغة لما بعد الاستعمار سياسية وثقافية وأدبية، ليس بالمعنى الشفاف بحيث أنَّ عبارة مغاير تمكِّن السياسة، لكن بالمعنى المادي بحيث أنَّ اختبار اللغة هو اختيارٌ للهوية.
للصلة بين ما بعد الاستعمار واللغة تاريخ. ففي كتابه الجديد، جماعات بشرية متخيلة، ناقش بينيدكت أندرسون بأنَّ القومية كانت دائماً متجذِّرة في بابل. مما يعني أنَّ القومية نتاجٌ لما يسمّيه “الرأسمالية المطبوعة”. حيث يكتب: إنَّ تداخل الرأسمالية والثقافة المطبوعة على التنوع القاتل للغات الإنسانية قد خلق إمكانية صيغة جديدة من الجماعة المتخيلة التي في حالتها الصوتية الأساسية أعدت المنصة للأمة الحديثة، (أندرسون 1983: 49): فلا يتوجّبُ على المرء أن يقبل السمة السايكولوجية المتخفية في عبارة “جماعة إنسانية متخيلة” لتناول المسألة. وتبرز القومية عندما تدخل اللغات إلى المطبعة، ويتم نشرها من خلال الكتب، بحيث يُسمَحُ للأعضاء بتحديد أنفسهم كأعضاء جماعة القراء المتضمن في هذه الكتب.
لنتوسّع إلى مدىً أبعد في تاريخ أندرسون. فمن بين كلّ الأعمال التي أوجدت اللغات الجديدة المطبوعة، ما من كتاب يتمتّع بالسلطة مثل الكتب المقدسة. إنَّ نفحة من الهرطقة تتصل بالقصة (المسألة) عند هذه النقطة. فالكتب المقدسة، كأدوات لنقلِ كلام الله، لا يمكن ترجمتها. ومما لا شكَّ فيه بأنَّ الله عندما يفصح عن نفسه بلغةٍ طبيعية، فإنَّ تحوّلاً ما يكون قد حدث للتوّ لكن اللغة الإنسانية تغدو مقدسة من خلال صوت الله نفسه ، وأثر يده. إنَّ تسليم (الكتاب المقدس) أو (القرآن) إلى أية لغةٍ ديموطيقية لا يسمح فحسب للقومية بالتغلب على الكنيسة القديمة، لكن بالنسبة للمعنى أن يسبق الشكل، والتواصل أن يسبق الوحي – إنه بمثابة إقرار، في حقيقة الأمر، باعتباطية الإشارة.

د. محمد علي حرفوش

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى