صفحات العالم

حول الفقاعات والنجومية في المال والسياسة والعصبيات

حسن شامي
خلال العقود الثلاثة الأخيرة ازدهرت عبارات اصطلاحية زعم بعضها الاقتصار على وظيفته التقنية والفنّية فيما أوغل بعضها الآخر في الأدلجة وما تقتضيه دعوياً وتبشيرياً من ضخ صور وتمثيلات لقولبة المخيلات الاجتماعية والثقافية. من بين هذه العبارات المقتصرة على التعريف الاصطلاحي، إن لم يكن في مقدمها، نجد «الفقّاعة المالية»، أو «الفقاعات المالية»، إذا شئنا الجمع السالم والمؤنث، أو «الفقاقيع» إذا شئنا اعتماد صيغة منتهى الجموع للتدليل على كثرتها.
على أي حال، نشأت العبارة، لدى خبراء الاقتصاد المحض وخبراء الهندسة المالية، للتدليل على تشكل أجسام كروية أو شبه كروية خفيفة جداً، وبالتالي رشيقة جداً بحيث تستطيع أن تستقل بنفسها أو أن تعيش بموازاة المادة التي تولدت منها وصولاً الى القدرة على التحليق أعلى منها وفوقها. بعبارة أخرى، انها أشبه بدوائر خفيفة الوزن ومتفلتة من جاذبية مادتها كما أن حدود اتصالها ببعضها البعض تبدو واهية بسب شدة تماوجها وحراكها المتطاول والمتشوق الى الانفصال عن حضيض المادة أو الجسم اللذين انبثقت منهما. وهذا بالضبط ما عزز تلف صورتها، في الإدراك العام وتمثيلاته، على مثال فقاقيع الصابون المتطايرة حلقاتٍ حلقاتٍ لدى احتكاك المادة المزيتة بالماء، على أن الفقاقيع لا تكفي لغسل اليدين، ناهيك عن الاغتسال. لا أحد يكتفي بالفقاقيع للاغتسال، إلا إذا اقتصرت حصته من الصابون، كرهاً أو تقشفاً أو اضطراراً، عليها.
فلنقل ان العقيدة النيوليبرالية الناشطة منذ مطلع ثمانينات القرن الفائت، نجحت عموماً في تسويق وترسيخ الاعتقاد أن تشكل الفقاعات المالية وتضخمها من طبيعة الأشياء المترتبة على حرية السوق وضرورة تحريرها وتذليل ضوابطها ورفع الحواجز أمامها كي تنمو النمو الطبيعي المحسوب لها. ولم تكتف العقيدة الصاعدة هذه بالاستفادة من انهيار الاشتراكية كنظام حكم أثبت فشله، بل عملت حثيثاً على الإجهاز عليها، هي ومشتقاتها ومصادرها، كثقافة قيمية في حد ذاتها لعبت دوراً كبيراً، بعد الحرب العالمية الثانية، في ردع جموح الرأسمالية الى الربح المحض ولجم جنوحها الى التخفف من أعباء الاستقرار والتوازن الاجتماعيين. في هذا المعنى، نجحت العقيدة النيوليبرالية في استبدال الشعار الليبرالي «دعه يعمل، دعه يمر» بشعار «دعه يضارب، دعه يربح بسرعة». وقد احتاج ذلك الى تسويق سلوكات واعتقادات قائمة على الخلاص الفردي والشطارة والمهارة في اقتناص الفرص وانتهازها، مما يمكن تلخيصه بعبارة شائعة في المجتمعات الصناعية المتطورة وهي «خلّص نفسك بنفسك». وليس الشعار الشائع في مجتمعات عربية عدة استشرى فيها الفساد والمحسوبية، أي شعار «دبّر حالك» إلا ترجمة رديئة للعبارة الغربية ومعها «الشاطر بشطارته».
ويأتي الاستخدام المفرط لكلمة الحرية باعتبارها الشرط «الطبيعي» للنجاح والخلاص الحديثين لتعزيز المنحى النيوليبرالي في تقسيم البشر بين ناجحين وفاشلين، بين مهتدين وبين مارقين وضالين (يكفي إلقاء النظر على أي خطاب من الخطابات المركزية لجورج بوش والإدارة الأميركية السابقة لملاحظة «الحرية» فيما تكاد تغيب كلمة مثل «العدالة»). وكلما ازداد انتشار الحرية كمرجعية قيمية ازدادت الحاجة الى الأمن لحماية هذه الحرية بالذات من مخاطر تحولها الى فوضى وفلتان داخل المجتمع الواحد أو في العلاقة بين بلدين.
لقد كشفت الأزمة المالية الأخيرة عن مدى التجويف الذي عرفته الحركات والهيئات الاجتماعية (وفي مقدمها النقابات) بحيث بدت منهكة وعاجزة عن فرض شروط توازنات اجتماعية جديدة علماً بأن الأزمة ومسلسلها الفضائحي (احتيالات وتعويضات فلكية لرؤساء ومدراء الشركات المالية ومضاربيها) أحدثت بعض اليقظة في ما يشبه الصحوة العابرة. وتبين لكثيرين ان دوائر المضاربات المالية أشبه بمناطيد محلقة ومشدودة بحبال شديدة التجريد والتعقيد الى المادة الجسمانية التي خرجت منها هذه الدوائر، أي العمل الاجتماعي والاقتصاد الفعلي بالموازنة مع ما يسمى بالاقتصاد الافتراضي. على أن الظاهرة الأكثر دلالة وبروزاً، من الناحية السوسيولوجية في الأقل، على طغيان النيوليبرالية، هي بالتأكيد ظاهرة النجومية التي لم تعد تقتصر على الفن والتمثيل وكرة القدم، بل أصبحت مثالاً تقاس عليه درجة نجاح أو فشل الأفراد والجماعات والبلدان.
ينبغي التذكير ربما بأن الشهرة وذيوع الصيت والصورة هما غير النجومية، وإن بدا لنا ان الفارق بينهما في الدرجة. الليبرالية عرفت ربما كيف تصنع مشاهير في صورة أبطال جهدوا للانتصار على ذاتهم وأوضاعهم مما يسمح ببعض الاعتراف بواقعية هذه الأوضاع وبشرعية الاحتجاج عليها. أما النجومية المزدهرة، صناعة وتسويقاً ورواجاً، خصوصاً مع تعاظم النيوليبرالية وسطوتها الدعوية، فهي تقريباً بلا بطولة، انها تعبير عن أقدارٍ لامعة ومزخرفة. انها طريقة في صناعة أيقونات حيّة تصلح للعبادة. ولا يعود مستغرباً في هذه الحال أن تتضاءل فرص المقاربة العقلانية للانقسامات الاجتماعية وشروط تكونها واعادة إنتاجها. إذ نحن أقرب الى الاعتقاد الديني.
ينبغي ألا تغيب هذه الاعتبارات عن بالنا لدى مقاربتنا الأزمة المالية العالمية ومجيء إدارة أميركية جديدة برئاسة باراك أوباما لترميم اخفاق الإدارة السابقة في مغامرة نقل القوة الأميركية من الشهرة والبطولة الى النجومية القدرية. فهذه الاعتبارات قابلة أيضاً، في مستوى معين من مستويات القراءة، للاستخدام لمقاربة أزمات المنطقة والاقتصاد السياسي لسلطاتها وعصبياتها. لا مبالغة في القول ان الدولة العبرية ودعاتها الناشطين سعوا، خصوصاً في الغرب، الى صناعة نجومية قدرية لمشروعهم يتعدى بكثير صورة الدولة البطلة الواقعية. وقد نجحوا الى حد بعيد في ذلك. وسيسيل حبر كثير حول تجميد الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية، وتحديداً حول «النمو الطبيعي» للمستوطنات لأنه من طينة «النمو الطبيعي» للأسواق الحرة وللفقاعات المالية. وإذا كانت ظاهرة القاعدة وتفجيراتها الانتحارية نوعاً من النجومية السلبية أو النقيض، فإن «النمو الطبيعي» للعصبيات ونزاعاتها في غير بلد عربي واسلامي سيواصل ازدهاره في الأمد المنظور.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى