صفحات سورية

نظرة إلى العالم والنفس من خلال حدث يوميّ

null


نقلت صحيفة”الحياة” الصادرة في لندن الخبر التالي نصّه:

تحوّلت حفلة زفاف فاطمة مشعل، كريمة رئيس المكتب السياسيّ لـ “حماس” خالد مشعل، والشاب السوريّ – الفلسطينيّ طارق أرشيد “مهرجاناً خطابيّاً”، اختصر فيه مشعل رسالته السياسيّة بالقول إن هذا الزواج يعني أن “لا تنازل عن حق العودة إلى أراضي العام 1948”. وأعرب عن الأمل بأن ينجب العروسان “جيل تحرير فلسطين”، محذّراً الإسرائيليّين من أن “آلة الإنجاب الفلسطينيّة شغّالة 24 ساعة“.

ويضيف الخبر إيّاه:

وقد خيّمت الطقوس السياسيّة على “حفلة الزفاف”، فتقدّمت كلمة فلسطين في الخطابات وتراجعت الكلمات العاطفيّة ذات العلاقة بطقوس الزواج، بدءاً بكلمة الشكر التي وجّهها شقيق العريس إلى المدعوّين و”على رأسهم” (وزير الخارجيّة السوريّ، وليد) المعلّم، وصولاً الى كلمة شيخ المقرئين الذي تمنّى على القادة العرب ان “يوحّدوا كلمتهم كي ينتصروا على العدوّ” الإسرائيليّ.

الخبر أعلاه يثير الألم والحزن والشفقة مرّة واحدة، لكنّه أيضاً يبعث على الذعر.

عروسان شابّان تحوّل يوم عرسهما، وهو ما درج سكّان بلداننا على تسميته بيوم “الفرح”، الى مناسبة سياسيّة قصوى تُعلن فيها المواقف وتُحدّد فيها المواقع تحالفات وعداوات. وهذا حتّى لو حصل برغبة العروسين، بموجب وعي صنعه لهما التسييس الحزبيّ، يبقى انتهاكاً لمناسبة يُفترض أنها خاصّة جدّاً في حياتهما وحياة كلّ فرد رجلاً كان أم امرأة.

لكنّ المبالغة في تسييس حدث شخصيّ جدّاً(بحضور الوزير وليد المعلّم وزعيم “الجهاد الاسلاميّ” رمضان عبدالله شلح ومسؤول الخارج في “الجبهة الشعبيّة” ماهر الطاهر، إضافة الى سفراء وديبلوماسيّين في عدادهم السفير الإيرانيّ أحمد الموسوي)…، هذه المبالغة تشي بمرض يستفحل في مجتمعاتنا على أيدي القوى الأكثر راديكاليّة لدينا. والمقصود هنا إرجاع كلّ نشاط اجتماعيّ، وكلّ مناسبة طقسيّة أو فولكلوريّة، الى السياسة في أضيق معانيها الحزبيّة. وهو بمثابة إفقار للمجتمعات التي طويلاً ما تباهت بثراء تقاليدها وعاداتها وغنى ألوانها وأشكال تعبيرها عن الفرح والسعادة بعرس أو ولادة أو عودة من سفر أو غير ذلك.

والحال أن التوتاليتاريّة، في أحد أهمّ تعريفاتها، هي بالضبط تسييس جميع مستويات الوجود الاجتماعيّ وضغطها حصريّاً في المستوى السياسيّ. فـ”لم يعد هناك شيء شخصيّ بعد اليوم”، كما قال الضابط البلشفيّ للشاعر المتّهم بـ”النزعة الشخصيّة” في رواية بوريس باسترناك “الدكتور جيفاغو“.

لكن المسألة لا تقف عند هذا الحدّ. فرئيس المكتب السياسيّ لحركة “حماس” يكلّف العائلة الناشئة ما لا طاقة لأيّة عائلة عليه، إذ يربط بين القران وبين “عدم التنازل عن حقّ العودة عن أراضي الـ48“.

إلاّ أنه، فوق هذا، يكلّف العروسين، ولو في صيغة التمنّي والأمل، ما هو أكثر بكثير: بأن ينجبا “جيل تحرير فلسطين“!

وهذا مقروناً بوعي تناسليّ صريح يعبّر عنه مشعل حيث إن “آلة الإنجاب الفلسطينيّة شغّالة 24 ساعة”. والحقّ أن التفوّق السكّانيّ لجوار إسرائيل العربيّ قياساً باليهود الإسرائيليّين كان دائماً محسوماً، ودائماً كنا نقول في أوقات الهزائم:”مليون يهوديّ هزموا مائة مليون عربيّ”، ثم في الهزيمة التي تلي:”مليون ونصف مليون إسرائيليّ هزموا مائتي مليون عربيّ”، وهكذا دواليك. ففوارق العدد لم تساعد سابقاً لأن الفوارق في العلم والتقنيّة والاقتصاد والتنظيم الاجتماعيّ كانت تحبطها وتبطل مفعولها، بل تحوّلها عبئاً علينا، نحن الذين يُفترض أن نكون المستفيدين منها، فنضيف الهزيمة الى العدد المفقر والأمّي.

وليس أسوأ من تكليف المرء أسرةً صغيرة يحبّها بما لا قبل لها عليه، إلاّ تكليف شعبه أن يبقى عدداً محضاً وأن ينتشي بكونه كذلك. ذاك أن تصوّراً كهذا يفترض البشر مجرّد جثث بلا مضمون، والجثث لا تفعل، في آخر المطاف، سوى أن تقاتل وتقتل وتُقتل، غير هيّابة بالموت وغير مكترثة بالحياة. فما هم إلاّ “قنابل بشريّة” تنفجر بذاتها وبنا، متوّهمةً أنها تقضي على الأعداء الفعليّين منهم والمتخيّلين. وهو، في آخر المطاف، مصدر الذعر الذي يصيبنا من كلام مشعل.

حازم صاغيّة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى