صفحات سورية

تقرير امريكي : العراق وجيرانه وسياسة اوباما

null
اصدر معهد الولايات المتحدة للسلام دراسة بعنوان (العراق وجيرانه وسياسة اوباما)، وخصته عن علاقات العراق بدولتين مجاورتين هما سورية والمملكة العربية السعودية. وتنحصر الدراسة في التحري في التعاون الاقليمي الكبير حول العراق وكيفية ادراك السياسات الاميركية في المنطقة وتقييم التوقعات الاقليمية للحكومة العراقية وسياسات اوباما الجديدة، وهذا النقاش ينطوي بالضرورة على دائرة الموضوعات الاقليمية الاخرى المتصلة والمتداخلة مع العراق – وايران ولبنان وبشكل خاص النزاع الاسرائيلي – الفلسطيني والحرب في غزة.
وتقر الدراسة بان السنتين الماضيتين، قد شهدتا تحسنا دراماتيكيا في الامن في العراق، وتحسنت قدرة وعدد قوات الامن العراقية، وتبدو الحكومة العراقية، بانها تحوز درجة كبيرة من السيادة تجلت من خلال توقيع اتفاقية وضع القوات (صوفا) مع الولايات المتحدة، والتي تحولت بموجبها قيادة المهمات الاساسية حول المواضيع الامنية الى الحكومة العراقية، كما اشترطت الاتفاقية المذكورة استكمال انسحاب جميع القوات الاميركية من العراق بنهاية سنة 2011. ويبدي الكثيرون في الولايات المتحدة، الامل، بان هذه المرحلة المتطورة باتجاه اقامة العراق المستقر الذي يتعاون مع الجهود الدولية لمحاربة الارهاب، وبالتالي تستطيع الولايات المتحدة، بشكل اساسي تخفيض وجودها في العراق من دون تفجير الاستقرار الاقليمي وانهيار الدولة. وبالرغم من استمرار الانقسامات السياسية العميقة في العراق واحتمالات ارتداده الى العنف، او الى البديل الاخر وهو ظهور الحكومة الاستبدادية الشيعية الضيقة الاسس، تبدو واقعية اكثر. ومع تحول الطائفة السنية العراقية ضد القاعدة الى المشاركة السياسية، فان الحكومة العراقية كانت الى حد بعيد تجريبية ومترددة بضم الطائفة السنية في مؤسسات الدولة. والانتخابات المحلية والبرلمانية في هذه السنة – والتحول اللاحق للسلطة، ستعني الكثير عن مدى جدية السلطة الحاكمة في بغداد في اقامة نظام حكم سياسي شامل. وفضلا عن ذلك، فان التوتر بين العرب والاكراد يستمر في التصاعد، واحتمال انفجار العنف بين الطرفين هو كبير جدا.
وفي هذه اللحظة التي تنطوي في الوقت نفسه على كثرة الاحتمالات والمخاطر الكبيرة، حيث بدأت الولايات المتحدة بسحب قواتها وبدأت الحكومة العراقية بالتقدم الى امام، فان جيران العراق، سيلعبون دورا حاسما. وكل جيران العراق لديهم رهانات حيوية في ما سيؤول اليه العراق الذي سيظهر من جديد. والجيران العرب على سبيل التحديد، لديهم المصلحة ليشهدوا حكومة شاملة لن تكون مرتهنة لايران. ولايريدون رؤية العراق وهو يفلت خارج السيطرة ويتحول الى مصادر للمتشددين والطائفية كما هو عليه خلال السنوات العديدة الماضية، وهم لايستطيعون مساندة تدفق اللاجئين الذي يمكن ان يتصاعد من خلال المزيد من النزاعات. وكل جيران العراق لديهم مصلحة في عراق يستطيع ان يكون شريكا في الامن والدبلوماسية الاقليمية، والنمو الاقتصادي. وسوف يتقرر مصير العراق بالاعتماد بشكل كبير على فيما اذا كان قادرا على الانخراط سلميا وايجابيا مع جيرانه، ومدى تفاعل الجيران ايجابيا معه.
العراق وجيرانه منذ سنة 2003
خلال السنوات الثلاث الاولى للحرب، كانوا متكافئين في افضل الحالات، وكانوا يبدون العداء لاي تطور في العراق، من الاحتلال الاميركي والى العنف وعدم الاستقرار والى مضمون حكم الاغلبية الشيعة. وقد حذر جيران العراق العرب ضد الحرب وشعروا بانهم ابعدوا من عملية اتخاذ قرار اسقاط صدام. وبمجرد ان اصبح الضلوع الاميركي في العراق غير مرحب به من الجيران، بالرغم من ان ايران اصبحت ضالعة بشكل فوري، فان جيران العراق من العرب، بقوا غالبا منعزلين وحذرين، ويشعرون بانهم قد طردوا منه. وبالرغم من ذلك، ومع بداية سنة 2007، فان المزاج بدا بالتحول. فقد بدأ العراق وجيرانه بالتعامل المشترك الاكثر ضمن الحال الاقرب الى العادية كدولة مع دولة في العلاقات بينهما. واعطت ادارة بوش دعمها الحذر لظهور عملية السلام الاقليمي هذه. وهناك الان اجتماعات وزارية دورية بشكل عادي، مع مجموعات عمل تجتمع دوريا للتعامل مع موضوعات مثل الامن ومواضيع اللاجئين والطاقة والاقتصاد. وقد تحسن وضع العراق ووقوفه بشكل عام داخل الميدان السياسي العربي الكبير بشكل متواضع، وكما حصل الامر في ما يتعلق بتمثيله الدبلوماسي مع معظم جيرانه، وشهدت اعمال اعادة الاعمار والاستثمارات الاقليمية والخارجية زيادة ملحوظة او متواضعة، كما هو الامر بالنسبة لانتاج النفط. وقد حلت الحكومة العراقية معظم مشكلات ديونها الخارجية المتعلقة بحقبة صدام، برغم ان التطور كان محدودا مع دول الخليج العربية مثل السعودية كما كان الامر مع قوى خارجية مثل روسيا. وبالرغم من التعقيدات المضافة للعلاقات المجهدة مع الولايات المتحدة، كما في العلاقات مع سورية وايران، فقد تدبرت الدولة العراقية للمضي قدما واعادة تجديد صلاتها مع سورية، وعقدت اتفاقية صوفا (وضع القوات) مع الولايات المتحدة، من دون تقاطع علاقاتها الوثيقة مع ايران.
سورية والعراق.. مجمل العلاقات
من خلال التشاور المكثف مع القادة السوريين واللقاءات مع خبراء السياسة الخارجية والدبلوماسيين ورجال الاعمال، فقد كان من الواضح ان العراق بحد ذاته ليس القلق الرئيس. ويتجه السوريون لان يروا العراق كأحد العناصر في اطار نظرة شمولية موحدة للمنطقة برمتها، ومن ضمنها المشكلات الاخرى (وبشكل رئيس اسرائيل وفلسطين ولبنان) وعلاقاتهم مع اللاعبين الاقليميين الاخرين (ولاسيما الولايات المتحدة). وقد غطت النقاشات حول العراق بشكل حتمي تلك الموضوعات الاخرى، ولاسيما ما تعلق بالحرب في غزة التي كانت في ذروتها في اثناء اعداد هذه الدراسة، وبالاحتفاظ بوجهة النظر الموحدة، فان السوريين مازالوا ينحون لمناقشة الموضوعات العراقية في اطار حال العلاقات الاميركية – السورية. وحتى المواضيع المحددة حول الحكومة العراقية تنحو لان تستنبط ردودا حول الولايات المتحدة.
ومازال السوريون يرون ان واشنطن هي اللاعب المهيمن في السياسة العراقية، ويبدو انهم لم يستوعبوا مضامين الالتزام الاميركي بالانسحاب والحكومة العراقية الممنوحة السلطة حديثا. وفي الوقت الذي يتشاطر العديد من الاميركيين والعراقيين وجهة نظر بان مكاسب السنتين الماضيتين واتفاقية صوفا، قد غيرت المعادلة في العراق، فان العديد من السوريين، يعتقدون بانه لم يتغير الكثير في العراق منذ سنة 2006. وهذا قد يشير الى انهم يشكون بدرجة ايا من الامور المتحسنة في العراق خلال السنتين الماضيتين قابلة للاستمرار، وحول مدى التزام الولايات المتحدة بالانسحاب من العراق. وقد اوضح الرئيس الاسد دعمه لانسحاب القوات الاميركية المتدرج الذي يصاحبه عقد مؤتمر لكل المكونات السياسية (باستثناء القاعدة) من اجل وضع دستور جديد.
والعديد من السوريين من المجموعات المواجهة، يبدون غير ملمين حول التطورات الاخيرة المؤكدة في السياسة العراقية. ويصفون العراق بانه منقطع وحتى غامض بالنسبة للخارج، وغير مندمج شكل جيد مع دول المنطقة. وبالرغم من ذلك، فقد بدأت سورية بالضلوع في العراق. ولسورية سفير في بغداد وهناك زيارات على مستوى عال تمت بين البلدين. ويقدم احد المحللين السوريين هذه التحركات كأشارة الى العراقيين السنة – ولاسيما المقاومة – بان الحكومةالعراقية هي شرعية، وبأن عليهم ان يشاركوا في العملية السياسية. وبشكل عام، فان لسوريا نفوذا محدودا نسبيا في العراق، وتقريبا من دون قدرة لتقديم نفسها كقوة ونفوذ في الشؤون السياسية والاقتصادية والامنية العراقية، ولا سيما حين تقارن بجيران العراق الاقوياء، تركيا والعربية السعودية وايران – وهي دول لها الامكانات والقدرات لتكون اكثر ضلوعا على الارض. وطالما بقيت سورية من دون وسائل، فهي غير مهمة. وهي تمارس النفوذ بطرق غير مباشرة واقل كلفة، في الوقت الحاضر من خلال لعب دور الاستضافة لرموز المعارضة العراقية من جميع طبقات الطوائف في اللاجئين العراقيين. ويؤكد الرئيس الاسد بان المبدأ السوري في ما يتعلق بالاهتمام المباشر بالعراق هو الحفاظ على العراق موحدا. وهذا يتضمن الحفاظ على العراق كدولة فعالة بوجود حكومة مركزية قوية والحفاظ على الهوية (الوطنية) بدلا من الهوية (الطائفية). وفي لقاءات اخرى، اظهر الرئيس الاسد حذره من مشهد السياسة العراقية من ان تتبع في خطواتها نموذج التشقق الطائفي اللبناني. ويعتقد السوريون بانهم قاموا بالجزء المتعلق بهم لتحسين الامن على الحدود مع العراق، وبان العراقيين والاميركيين يستطيعون ويجب ان يفعلوا المزيد من جانبهم. وهم يصفون العلاقات مع ايران بانها تقوم اكثر على المصالح المشتركة، كما تم توضيحها حاليا، بدلا من ان تقوم على الايديولوجيا او التصور المشترك للاقليم. وقد ابدت المجموعة السورية التي قوبلت من قبل كتاب الدراسة فضولا شديدا حول الرئيس اوباما والرغبة القوية لتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة حتى في ظل احداث غزة. وكان هناك ايضا مباحثات كثيرة (وامل) بان سورية والولايات المتحدة يمكن ان يقلبا صفحة جديدة مع الادارة الاميركية الجديدة، وبعودة السفير الاميركي، وابطاء العقوبات. وبالرغم من المصلحة القوية في تحسين العلاقات، فقد تركت المجموعة انطباعات متميزة بان السوريين هم في انتظار الادارة الاميركية الجديدة للبدء بالخطوة الاولى، وبان دمشق تبقى حذرة ومترقبة. وفي النقاش حول العراق، فقد اوضحت المجموعة السورية بان دمشق وطهران، لاينظران اليه بالعين نفسها. وبالرغم من عدم توضيح ذلك، فان المجموعة السورية كشفت عن تيار (سفلي) تحت الماء من تكافؤ علاقات الطرفين السوري – الايراني، والتي تبقى قائمة على اساس المصالح والبراغماتية – العملية – بدلا من وجهة النظر المشتركة بالنسبة للاقليم.
المواضيع المحددة
القلق الاساسي الذي تم التعبير عنه حول العراق هو الهوية العرقية والطائفية الاكيدة والمتشددين الاسلاميين، وكون ان تلك العوامل يمكن ان تنتشر خارجا من العراق. وقد كان السوريون متسرعين في القاء اللوم على الولايات المتحدة لاطلاق هذه التيارات في العراق، وكانوا متشددين في وصف كيف ان هذه التوجهات قد عملت على المصالح الاميركية والسورية المشتركة. وطالب المسؤولون السوريون بالتعامل: (مع العراقيين كعراقيين) في الوقت الذي تروج القوى الاخرى في الاقليم (والتي لم يسمها ولكن حسب الافتراض فهم يعنون السعودية وايران) مصالح السنة والشيعة، وبالتالي يؤججون الطائفية في العراق وفي الاقليم. وخلافا لذلك فقد امتدح السوريون الجهود التركية بالتعامل مع (المجاهدين) الاكراد. ووصف العديد من المحللين الذين تم اللقاء معهم، جهود البلدين حول الموضوع الكردي بانها متزامنة. ويعتقد النظام بان كركوك ووضعها المتنازع عليه يتضمن امكانات اشعال النزاع الاقليمي وهي مدرجة بين اكثر الاهتمامات السورية في ما يتعلق بالعراق. وهذا القلق بالنسبة لسريان الهوية السياسية العرقية والطائفية هو من النوع الذي يمكن فهمه بصورة مفترضة تبعا للخواص المتغيرة لسورية ولصلات النخبة الحاكمة فيها بالطائفة الاقلية العلوية. واشار السوريون الى ان سورية بقيت مستقرة وموحدة بالرغم من تنوعها العرقي والديني، وقد جرت الاشارة الى ذلك بشكل متشدد ومتكرر، وذلك لعرض الاضطراب الحقيقي للاتجاهات المتعاكسة الحالية على حدودهم في العراق ولبنان معا. ويبدو ان حركة مرور المقاتلين الجهاديين عبر الحدود السورية – العراقية، قد انخفضت ولكنها لم تتوقف تماما. ومن المحتمل ان القضية التي اعقبت حقبة صدام حسين، فان النشاط السوري سهل حركة المقاتلين الجهاديين للدخول الى العراق، ومن المحتمل ان الحسابات السورية هي بانها ستبقي القوات الاميركية مربوطة وضالعة في حرب مكلفة. ولكن ترويج عدم الاستقرار في العراق واذكاء شعلة الجهاد الاسلامي والطائفية كانتا دوما ضد المصالح السورية طويلة الامد بسبب الخطر من الارتداد العكسي لها. وبالرغم من ان النظام قد حسب بان هذه المصالح تستحق التضحية في وجه الحكومة الاميركية المعادية التي يعتقد بانها كانت تنوي تغيير النظام في سورية. وبالنسبة لحركة الجهاديين الاجانب المستمرة، فان المسؤولين والمحللين السورين، يصفون الامن على الحدود العراقية بالمواصفات الامنية السورية بدلا من العراقية. وتواجه سورية التهديد المتعلق بها داخليا من الجهاديين الاسلاميين. ومنع هذه المجموعات من ايذاء النظام وزعزعة الاستقرار الداخلي، تأخذ الاسبقية من منع المقاتلين بعدم دخول العراق. وكما قالت المجموعة السورية: (انتم تعتقدون بان هذا موضوع امني كبير، ولكن بالنسبة لنا نعتقده موضوعا يتعلق بامن مدينة)”. وبعبارة اخرى، فمن السهل رؤية، لماذا قد تسمح سورية لبعض الناشطين بعبور الحدود : اما لابقاء هؤلاء الجهاديين خارج سورية، وللحفاظ على الاختراق الاستخباري لشبكات الجهاديين، او لتجنب اثارة رد عنيف بمنع عبورهم. وبالرغم من الرد العلني الغاضب للنظام السوري بعد العملية العسكرية في الاراضي السورية في تشرين الاول 2008، فان الموضوع نادرا ما اثير في اثناء اللقاءات. وقد سمعت مجموعة الدراسة تذمرات، بان الولايات المتحدة لم تعامل سورية كشريك في القتال ضد الجهاديين الاسلاميين – وهي مصلحة مشتركة بكل وضوح بين الولايات المتحدة وسورية – استنادا لبعض المقابلات – ولكنها – اميركا – بدلا من ذلك ترى في سورية مجرد (الولد الشقي) “. ومن خلال التركيز الصحفي لاحتمالات التنسيق السوري – العراقي الكبير حول الحدود، فقد جادل الرئيس الاسد واخرون، بانه تبقى هناك مشكلات واسعة جدية على الجانب العراقي.
اللاجئون العراقيون
ان مأزق الكثير من اللاجئين العراقيين في سورية ينذر بالشؤم، ويفتقد العديد منهم للخدمات الاساسية ويعيشون في ظروف غير صحية ومزدحمة، ويعانون من من المشكلات الصحية ومن ضمنها الصدمة النفسية القاسية. وفضلا عن ذلك، فان العديد من العوائل تعتاش من مدخراتها او من بيع املاكها واثاثها في العراق (وغالبا باقل من اسعار السوق) – وهي اصول انحسرت الان بسبب ان العديد منهم الان في سورية لسنتين او اكثر. ووجود اللاجئين العراقيين يرهق البنى التحتية السورية والخدمات العامة، ولاسيما في مجال التعليم والرعاية الصحية. وعلى المدى الطويل، فان اللاجئين العراقيين يمكن ان يتحولوا الى مصدر للتطرف وعدم الاستقرار في سورية وفي الاقليم. وعبر الرئيس الاسد عن القلق بان افتقاد التعليم المناسب والعمل، يمكن ان يحول اللاجئين الى (قنبلة) حينما يعودون الى العراق. وبالرغم من هذه المشكلات يبدو السوريون واثقين بانهم يديرون موضوع اللاجئين. وهم بالتأكيد سيرغبون بالمزيد من المساعدات المالية المباشرة لمعالجة وضع اللاجئين وتقديمها الى الحكومة بدلا من تقديمها من خلال الامم المتحدة والمنظمات الدولية الاخرى. وبشكل خاص الشكوى من ان العراق ودول الخليج الموسرة لم تقم بما مطلوب من جانبها بشكل عام. وبالرغم من ذلك، فان السوريين لم يعلنوا حال الطوارىء حول هذه الموضوعات كما يمكن ان نتوقعه، ومارسوا توجهاتهم بترحيبهم باللاجئين العراقيين كبادرة للتضامن مع العراقيين وكجزء من التقاليد السورية لسياسة (الباب المفتوح) باتجاه العرب. وتوجههم هذا قد يكون قناعا للقلق العميق، وقد يكون بنية اثبات السيطرة السورية المحكمة. ولا يبدو ان السوريين يتوقعون اية عودة مبكرة للاجئين او حصولهم على حق اللجوء السياسي في دول وراء الشرق الاوسط، ومع احترام المسيحيين، الذين يصورون بين العراقيين ويحسب حسابهم ايضا لبعض القضايا، فقد بدا انهم من المحتمل سوف يصبحون سكانا دائمين في سورية. واللقاءات التي اجريت مع المنظمات الدولية الانسانية غير الحكومية، اشارت الى الاحباط في التعامل مع السلطات السورية، التي يرون انها تصعب الجهود لتقديم المساعدات للعراقيين. وقد سمعت مجموعة البحث حتى قصص عن محاولات رسمية لضمان ان الاموال تقسم لتفيد السوريين كما العراقيين الى درجة ان المنظمات الدولية غير الحكومية، وجدت ان البرامج التي خططوا لها لم تعد تفيد المستهدفين بها. وذلك يعني بان الحكومة السورية تعمل بشكل وثيق مع الامم المتحدة والمجتمع الدولي ويجب ان تمتدح لفتح سورية للاجئين ولوكالات المساعدة. وبالرغم من المشكلات المستمرة لتسليم المساعدات ولاسيما في ما يتعلق بالمنظمات الدولية غير الحكومية، فمن الصعب تجنب حقيقة بان بلدا مغلقا نسبيا مثل سورية قد ارخى نسبيا تقاليده بالامتناع عن اعطاء اطراف ثالثة حتى مساحة ضيقة للعمل داخل حدوده. ولم يكن احد قادرا على تقديم احصاءات دقيقة حول الحجم الكلي لمجتمع اللاجئين العراقيين. وقال المراقبون المطلعون ان تقديرات سابقة باكثر من مليون التي استشهدت بها الحكومة السورية هي كبيرة جدا، ويقول معظم الخبراء المستقلين بان العدد الحقيقي هو اقل بكثير، وربما يتطابق مع الرقم المسجل من قبل المفوضية السامية للاجئين التابعة للامم المتحدة. ولم يبق رقم اللاجئين العراقيين في سوريا ثابتا، والذي يجعل التقدير الصحيح امرا صعب التحقق منه كثيرا. وفي العقود العديدة الماضية لعبت سورية دورا مضيفا للاحزاب والافراد المعارضين لنظام بغداد، وهي تستمر بلعب هذا الدور اليوم. ويبدو ان الاسلوب السوري رجعيا بشكل كبير ولم يقترن بجهود لممارسة النفوذ على المسرح السياسي العراقي سواء مع ضيوفه السابقين او الحاليين. ومثل سياستها حيال اللاجئين العراقيين وحتى بالنسبة للمقاتلين الاجانب الى درجة معينة، فان تضييف المعارضة هي جزء من المفهوم الذاتي السوري بابقاء ابوابها مفتوحة للعرب ومحاولة البقاء على علاقة ونفوذ اكبر باقل الكلف نسبيا.. وعلى سبيل المثال، فان سورية تسمح للبعث العراقي ومجموعات اخرى للعيش والوجود على اراضيها، ولكنها لاترعاهم بالطريقة التي رعت ايران مجموعات المعارضة الاسلامية الشيعية في عهد صدام حسين. وهذا الوجود المعارض للعراقيين قد يشكل بصورة غير مباشرة التصورات السورية للسياسة داخل العراق في الوقت الحاضر.
وتستطيع سورية ان تكسب كثيرا من النمو الاقتصادي من خلال الشراكة الاقتصادية مع العراق، ولاسيما اذا استمرت المكاسب السياسية وعاش العراق استنادا الى الامكانات المحتملة للوفرة في الثروات والمصادر البشرية. ويمكن ان يكون العراق سوقا للصادرات السورية ولاسيما الزراعية والاغذية المصنعة، وقد عبر بعض رجال الاعمال السوريين الذين تم اللقاء معهم، بالامل بان سورية يمكن ان تخدم في الوقت الحاضر كبوابة الى اوروبا، ووصف اخرون الاستثمار الاخير من قبل النظام السوري لتوسيع ميناء اللاذقية وخطط الارتباط بالطرق مع العراق، من اجل تقديم الخدمات كوسيط (متوسطي) للصادرات والواردات العراقية. ويتطلع السوريون لرؤية اصلاح خطوط انابيب النفط مع العراق واعادة تشغيلها، ومازال هناك بعض الامل المتبقي للحصول على تراخيص استيراد النفط. وحتى من دون الحصول على واردات مالية، فان لسورية مصلحة حقيقية قوية في الحصول الفعلي على احتياطات النفط العراقي والغاز الطبيعي، ولاسيما مع تضاؤل المصادر السورية. وفي الوقت الحاضر، بالرغم من كل شيء، فان الضلوع السوري الاقتصادي في العراق هو محدود جدا، والسبب الاساسي الذي يقدمه رجال الاعمال السوريون هو ان الاقتصاد السوري ضعيف جدا وصغير لكي يكون لاعبا في العراق. فرؤوس الاموال المصرفية صغيرة ومعظم اعمال اعادة البناء العراقية كبيرة جدا بالنسبة للشركات السورية لكي تستطيع الالتزام بها. وتسير سورية حاليا في اتجاه الاصلاحات الليبرالية التي كان لها نتائج ايجابية ولكن مازال هناك طريق طويل لسلوكه. وفضلا عن ذلك فان العقوبات الاميركية على سورية تعيق الجهود السورية بشكل كبير من القيام بالاعمال في جارتها العراق – ربما اقل من القانون المفروض (لان الولايات المتحدة لاتستطيع منع التجارة العراقية – السورية الثنائية)، ويريد السوريون من الولايات المتحدة الايماء الى شركائها العراقيين بانهم يجب ان لا يقلقوا من القيام بالاعمال مع السوريين. والقلق في سورية يتركز في ان المشكلات السياسية بين واشنطن ودمشق تعرض القليل من الحوافز للعراقيين للعمل مع السوريين بالرغم من التماثل الطبيعي للغة والجوار والطلب في العراق على البضاعة الاستهلاكية والواردات الزراعية الاقل كلفة.
العربية السعودية والعراق
وكما في السورية، فان مستشارينا في العربية السعودية، يفتقدون حس المواضيع الملحة حول العراق، كما لو انهم قرروا الثبات في امر واقع غير مريح حيث يبقى الوضع في العراق يثير قلقا كبيرا، ولكن من دون التحسس بالخطر الذي يصف سواء الغزو الاميركي او انفجار العنف في سنة 2006 الى اعلى مستوياته.وكونها الشريك الوثيق للولايات المتحدة تبقى السعودية مصدومة وممتعضة بان واشنطن اما انها تتجاهل نصيحتها حول العراق، او بشكل اكثر تقولبا، اخفقت في التشاور مع المملكة العربية حول المواضيع الحساسة المتصلة بالعراق. وكانت ادارة بوش تظهر بانها ميالة الى الاملاء وغير راغبة في اقامة اي نوع من الشراكة حول مواضيع حيوية مثل العراق. واكد العديد من السعوديين الذين تمت مناقشتهم ايضا ارتباط وتداخل الاحداث في العراق مع المشكلات الاخرى في الاقليم. وتذمروا من ان واشنطن تتعامل غالبا مع المواضيع من الفراغ. ويعتقد السعوديون ان ادارة بوش اغلقت بشكل مدبر الضلوع السعودي في مرحلة ما بعد صدام، حتى و في اطار الفرص الاقتصادية والتجارية وبشكل كامل بالنسبة للاغراض السياسية – وهو امر لم تستاء منه العربية السعودية فحسب بل تراه كونه امرا احمق، مع افتراض ما تراه السعودية بانه الاهمال والدعوة غير المقصودة لايران لتوسيع نفوذها في العراق ولاسيما في جنوبيه. وحول مناقشة التطورات الاخيرة في العراق، تبدو السعودية بشكل ما خارج الاهتمام – وليس بخلاف السوريين – والتي تسلم من دون دهشة كيف ان قلة من السعوديين يسافرون الى العراق وغياب الملاك الدبلوماسي الكامل، وصغر عدد العراقيين النسبي في السعودية وبالسؤال عن الطريق نحو المصالحة السياسية والاستقرار في العراق، قلة فقط يملكون بعض الافكار الجديدة. وتتعلق النقاشات بشمل مستمر بالافكار التي طالب السعوديون بوضعها موضع الاهتمام في الماضي، وتذمروا من سوء ادارة الولايات المتحدة في المراحل الاولى. وقد تم الاشارة الى اسم السفير بول بريمر اكثر من الاشارة الى السفير كروكر او الجنرال بيتريوس، وتبدو السعودية متلهفة في المساهمة في استقرار العراق وتوسيع الصلات الاقتصادية ولكنها لاتبدو متموضعة بشكل جيد لتخدم كوسيط سياسي قوي او وسيط اقليمي. والنفوذ الايراني في العراق هو القلق والخطر الكبير، كما هي صورة ايران الرئيسة خلال الاقليم. وخمن احد المتحدثين بان الولايات المتحدة والعراق قد ذهبا الى الحرب، وبان ايران كانت المنتصر. وكانت السعودية متفائلة بانتخاب باراك اوباما، بالرغم من انهم لايتوقعون تحولات مهمة في السياسة الاميركية في الاقليم. وتبقى السعودية قلقة من احتمالات انسحاب اميركي بسرعة كبيرة من العراق. وتعتقد العديد من المجموعات السعودية بان دولتهم لامشكلة لديها في التعامل مع النخبة السياسية في ما بعد صدام،طالما ان الحكومة العراقية شاملة ولا تحتجز العناصر الاساسية في المجتمع. وقال احد الرموز السعودية:” العربية السعودية لااعتراض لها على حكم الشيعة في العراق، طالما انه يأخذ بنظر الاعتبار حاجات كل العراقيين”. ولا تزال السعودية تنظر الى المزيد من الاشارات بان الطائفة السنية سيكون لها مقاعد دائمة على المائدة، وتعبر عن الشك بان المالكي مقتنع بصدق بان للعشائر دورا شرعيا يجب ان تلعبه. وحينما تم حشره، يعترف البعض بانه سار على تلك التوجهات ولكن مازال هناك الكثير مما يجب حدوثه. وحتى قبل الغزو الاميركي، فان المملكة السعودية روجت لكي تعمل على تضمين العشائر (كما هي الحال مع المنظمات مثل نقابات العمال والنقابات المهنية) كأعمدة اساسية للنظام السياسي لمرحلة ما بعد صدام، وهو اقتراح اهمل من الولايات المتحدة وبريطانيا، وقد جادلوا بان استعمال مثل هذه المنظمات الاجتماعية التي تتجاوز الانقسامات السنية – الشيعية، كان يمكن ان تتجنب العديد من المخاطر الطائفية التي جاء بها مجلس الحكم العراقي في وقت مبكر بالتأكيد على الانتساب العرقي والطائفي في تقسيم المناصب الرسمية. وتشير السعودية الى ان الامن هو السبب الوحيد الذي يقف وراء ان المملكة لاسفير لها الان في بغداد. وقال احد الرموز الاساسيين بان هناك الان خططا لارسال موظفين دبلوماسيين لفترات قصيرة محدودة، وهو تدبير يمكن معه توفير الامن عكس الوقت الطويل لمهمة دبلوماسية كاملة. والقلق الاساسي للمملكة السعودية هو منع انتشار النزاع العراقي، وهذا هو السبب الذي دفع السعودية الى الاستثمار الكبير جدا في البنى التحتية الامنية الكبيرة والواسعة على طول الحدود مع العراق. ومع ظهور القاعدة في العراق التي تداخلت مع ازدياد الهجمات الارهابية للقاعدة في العربية السعودية قبل عدة سنوات، كان للسعودية مصلحة واضحة وحيوية في منع انتشار العنف والجهاد في العراق عبر الحدود. وهو ايضا السبب الذي يقف وراء الاستثمار الكبير للسعودية في جهود اعادة التعليم والتماسك مع الجهاد داخل المملكة. وبشكل مماثل بالنسبة للسوريين، فان السعودية قلقة بالنسبة لوحدة الاراضي الاقليمية للعراق، مع المشكلة الكردية التي تلوح بشكل دائم في في عقولهم. وقد اقترحت ان يتبنى مجلس الامن الدولي قرارا جديدا على وفق الفصل السابع من الميثاق يؤكد حرمة الاراضي العراقية ويسمح باحلال قوات دولية في شمالي العراق لمنع تشظي البلد. ورفع الطموحات الكردية من فوق المنضدة، كما يقول السعوديون هو امر جوهري لابقاء الجيران بعيدين.
ويتحدث السعوديون مطولا عن العزلة طويلة الامد للعراق، في الاول في عهد صدام، والاكثر مؤخرا كنتيجة للعنف والفوضى اللذين اعقبا الغزو الاميركي. وبالنتيجة فانهم يؤكدون بان السعودية والعراق نادرا ما واجه احدهما الاخر، ولاسيما في المستويات القيادية. وهذه العزلة خلال المشاورات مع السعوديين، حيث بدا العديد منهم غير مطلع جيدا على التطورات السياسية الاخيرة في العراق، حتى داخل الطائفة السنية. في حين ذكر احد المراقبين السعوديين المطلعين بشكل جيد على اهمية العراق القوي من اجل السلام والاستقرار الاقليمي في المدى الطويل، وعلى العراق ان يتصالح مع نفسه قبل ان يتصالح مع الاخرين.
وقد اتضح ان هناك املا محدودا بين السعوديين لتوسيع صفقات العمل مع العراق، بالرغم من بقاء المصالح المهنية عالية، ويقول السعوديون بانهم كانوا يتلهفون لفتح صلات جديدة مع العراق بعد الغزو الاميركي، وحتى الاستثمار بشكل كبير في البنى التحتية الحدودية للنقل، ولكن ادارة بوش ومجلس الحكم العراقي اجهضا كل ذلك. وحول الغاء ديون العراق اعترف السعوديون بانهم كانوا يتوقعون ان يتم الغاء تلك الديون في اطار توصيات نادي باريس، ولكن برودة العلاقات والمشكلات التي ظهرت بسبب سياسات المالكي هي التي حالت من دون تحقيق ذلك وبقيت هناك عقبات كبيرة امام الرياض حول الموضوع. وقد تبدو السعودية رجعية، ولكنها بالتأكيد ليست غير مبالية، وقد ابدت العديد من اشارات الخطر حول زيادة الضعف الاميركي في الاقليم، والظهور العام للمتشددين والجهاد الاسلامي.
ومن بين اسباب القلق الرئيسة كانت مدى دعم ايران للازمات الاقليمية من اجل مصلحتها، والاخفاق الاميركي في الاستيعاب الملائم والتعامل مع هذه الظاهرة. وتتركز وجهات النظر السعودية بانه من دون الجهود القوية الملحوظة من قبل الادارة الاميركية الجديدة لاحتواء وحل الازمات الاقليمية ولاسيما في فلسطين، فان واشنطن وحلفاءها سيستمرون في المعاناة من تضاؤل نفوذهم. وتفهم السعودية النقاش المتغير في الولايات المتحدة حول خطب ود ايران، وقال احد الرموز السعودية: (خطب الود نعم ولكن الزواج لا) مرددا الاصداء حول القلق السعودي بان الولايات المتحدة يجب في البدء ان تقوم بعمل لتخفيض الفعالية الايرانية في الاقليم قبل المباشرة بمهمة تختلف دراماتيكيا مع طهران. وهم يشيرون بشكل خاص الى حاجة ان تجدد الادارة الاميركية عملية السلام الاسرائيلية – الفلسطينية – والتي بغيابها، يتم فقط تغذية الحملة الايرانية من اجل الهيمنة الاقليمية. وتشير السعودية ايضا الى الانتخابات الايرانية المقبلة في شهر حزيران وحذرت الولايات المتحدة من اي تحركات دراماتيكية قبل هذه الانتخابات لانها ستتسبب برد فعل وتوفر المزيد من الدعم للتشدد الايراني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى