صفحات سورية

الأسد يدعو اللبنانيين إلى بلورة مشروعهم للدولة: أخطأنا بالتعامل مع طائفيين … وندعم «حزب الله» لأنه مقاومة

null
أكد الرئيس السوري بشار الأسد، أمس، في لقاء مع عدد من المفكرين والباحثين اللبنانيين والسوريين المشاركين في «مؤتمر العلاقات السورية اللبنانية» في دمشق، أن الاعتراف بأخطاء في العلاقات اللبنانية السورية هدفه رفض هذه الأخطاء وتصحيحها، معتبرا أن تعامل القيادة السورية مع قوى طائفية في الماضي افقدها جزءا من اللبنانيين جراء المصالح الطائفية. ودعا اللبنانيين إلى تغيير نظامهم الطائفي، موضحا أن «من يسيطر على اللعبة السياسية هم الطائفيون، وهذه مسؤوليتكم، فعندما يبلور المجتمع المدني مشروعه للدولة عندئذ تاتي المساعدة الخارجية مكملة، لذلك فان الأمر هو مسؤوليتكم في لبنان وعليكم أن تتفقوا على نظامكم السياسي ومشروعكم للدولة». وشدد على أن دعم دمشق لـ «حزب الله» ليس لأنه فصيل سياسي لبناني، وانما لأن سوريا «تدعم المقاومة بشكل عام».
وأشار الأسد، إلى أن «المصالحة العربية هي في طور التهدئة والمراجعة في السياسات العربية، لكنها لم تبلغ حد التوافق، ومن هنا أهمية أن تتبلور الإرادة السياسية العربية». وشدد على انه «ليس في الأفق حروب كبيرة»، نافيا أن تكون دمشق تخلت عن فكرة وحدة المسارات في التفاوض مع إسرائيل.
وافتتح الأسد اللقاء الذي دام ساعة ونصف الساعة بالإشارة إلى «أهمية الربط بين الممارسة والفكر، وضرورة التركيز على التاريخ والجوانب التربوية والفكرية والثقافية والاقتصادية للنهوض بعلاقات البلدين». وشدد الأسد على «أهمية مثل هذه المؤتمرات في وضع أسس لتقييم المشكلات والعقبات التي تعترض تعزيز العلاقات بين سوريا ولبنان ووضع الحلول من أجل إلغائها بشكل كامل»، مؤكدا أن «سوريا لم ولن تدخر أي جهد يسهم في توطيد العلاقات ويخدم مصالح الشعبين الشقيقين في جميع المجالات».
وركز الأسد في اللقاء على المصالح الفئوية السياسية والمادية التي طبعت بعض العلاقة بين لبنان وسوريا. وقال «من بين الأخطاء التي ارتكبناها في لبنان هي علاقتنا مع فئة من دون أخرى، لكن هذه المسؤولية لا تقع علينا، لان لبنان كان قد خرج من الحرب والقوى الطائفية والميليشياوية المتقاتلة هي التي ستعقد السلم». وأضاف «لم يتعامل اللبنانيون مع موضوع الطائف بوضوح، سواء بصفته وقفا لإطلاق النار والحرب أو مشروعا لبناء الدولة، وقد كانت هذه مسؤولية اللبنانيين أن يتفقوا على تطبيق الطائف وإعادة بناء نظامهم السياسي».
وأشار الأسد إلى أهمية المؤتمر. وأضاف «صحيح أن مواضيع المؤتمر تركز على البعد التاريخي في العلاقات بين البلدين لان الأخطاء لا يمكن أن تكون قد بدأت منذ وقت قريب، فهناك تراكمات ربما تعود إلى سايكس ـ بيكو، وعلى أي حال نحن في موضوع لبنان، هناك محطات من الصراع اذكر منها معركة الاستقلال ومعركة 1958، ولا أريد أن ادخل في ادوار القوى الدولية آنذاك».
وردا على سؤال، قال الأسد «نحن في موضوع ترسيم الحدود، فان اللجنة قائمة وعاملة، لكن نحن لا نريد أن نسهل مشكلة إسرائيل في موضوع شبعا لأنها ارض عربية محتلة، وقلت للامين العام للأمم المتحدة بان كي مون لا علاقة لكم بالموضوع، وقد وافقني على ذلك».
وعن الاختفاء القسري لبعض اللبنانيين، قال الأسد «أجرينا تحقيقات في الموضوع، واللائحة التي قدمت لنا وتضم حوالى 800 اسم ليس لدينا منها سوى 15 موقوفا بأحكام قضائية بتهمة التعامل مع إسرائيل». وأضاف «نحن في سوريا نتحمل العبء، والبعض يستخدمه سياسيا، لكن الحقيقة أن الزعماء السياسيين المسؤولين عن تلك الحرب الأهلية والمقابر الجماعية لا يريدون أن يقفلوا هذا الملف ويصارحوا اللبنانيين بالحقيقة. صحيح أن الجيش السوري قتل أناسا خلال معارك لكنه لا يوثق هذا الأمر، ونحن لا نعرف من كنا نواجه، ولكنني أؤكد أن عليكم أن تسألوا مؤسساتكم عن الموضوع، فلديها الخبر اليقين».
وعن عدم مساعدة سوريا للبنانيين في بناء دولتهم مع اعتراف اللبنانيين بالبنية الطائفية المعقدة، أوضح الأسد «مشكلتنا في لبنان أنكم تطلبون أن ندعم هذا المشروع، وأنا على استعداد للمساعدة في كل شيء، ولكن من يسيطر على اللعبة السياسية هم الطائفيون، وهذه مسؤوليتكم، فعندما يبلور المجتمع المدني مشروعه للدولة عندئذ تاتي المساعدة الخارجية مكملة، لذلك فان الأمر هو مسؤوليتكم في لبنان وعليكم أن تتفقوا على نظامكم السياسي ومشروعكم للدولة».
وتابع «عندما تكون العلاقات أمنية وسياسية كما كانت في الماضي فسترتكب الكثير من الأخطاء، لان العلاقة الأمنية عندما لا تخضع للمراقبة والتوجيه، فهي تحتمل الكثير من الأخطاء». وأشار إلى أهمية موضوع العلاقات الشعبية بين البلدين والتي تساعد على تصحيح الصورة. ودعا إلى مشاركة المثقفين في البلدين في بلورة رؤية لنظام تربوي وتعليمي.
واقر الأسد أن مستوى العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والاستثمارات بين البلدين ضعيف. واعتبر أن «المجلس الأعلى اللبناني السوري هو لمصلحة لبنان لأننا الأقوى». وكرر انفتاحه على أفكار اقتصادية تؤدي إلى تفاعل بين البلدين. وشدد على أن لا عودة للجيش السوري إلى لبنان.
عربيا
وقال الأسد إن «المصالحة العربية هي في طور التهدئة والمراجعة في السياسات العربية، لكنها لم تبلغ حد التوافق، ومن هنا أهمية أن تتبلور الإرادة السياسية العربية». وأضاف «نحن لم نغير خطابنا، وكل ما يجري من تحولات يتجه لقبول أفكارنا لان ما نقوله ينطلق من المصالح القومية والوطنية ومن الحقوق العربية».
وعن المفاوضات مع إسرائيل، قال الأسد «أتحفظ على كلمة تفاوض، لان التفاوض يجري بين فريقين وجها لوجه، لكننا كنا في رحلة استكشاف النوايا واستطلاع الاحتمالات، وبدلا من أن تتم الأمور كما حصل في التسعينيات في الحوار المكوكي الذي قام به جيمس بيكر، كنا نجتمع في تركيا في فندقين منفصلين، وكان الوسيط التركي يتنقل بيننا وينقل الأفكار. هذا ليس تفاوضا بعد، وانتم تعرفون الآن أن الحكومة الإسرائيلية تعكس أجواء ومزاج الجمهور الإسرائيلي من تطرف لتطرف. ولا بد أن أقول في هذا الإطار إن حوارنا، وكذلك حوار الإيرانيين، مع أميركا لم يبدأ مع (الرئيس باراك) اوباما، بل بدأ في عهد (الرئيس السابق جورج) بوش، وعلى الأقل قبل سنة ونصف السنة. صحيح انه كان يأخذ أحيانا أشكالا مواربة، ولكن العروض كانت واضحة. وعلى أي حال عندما أتى الأوروبيون لم يكن ذلك بمعزل عن القرار الأميركي. الأميركيون اكتشفوا أزمتهم في العراق وهم يريدون الخروج بطريقة لائقة، وليــس لديــنا مانع من ذلك، لان مصلحتنا تلتقي عند هذه النقطة، وهو إعلان الجدول الزمني للخروج من العراق».
وأضاف الأسد «أما في الموضوع الإسرائيلي فما زلنا في مرحلة استكشاف النوايا، وليس لديهم حتى الآن أي تصور أو أفكار يطرحونها علينا. لكن أقول انه ليس في الأفق حروب كبيرة، وهذا الأمر بدا واضحا مع إيران منذ زمن، وعلينا في هذه المرحلة أن نبلور توجهاتنا ومطالبنا. فنحن منذ البداية قلنا أن الخيار هو دعم عناصر القوة، وفي طليعتها المقاومة. ونحن في هذا الموضوع لا نعتبر المقاومة في لبنان فريقا سياسيا ندعمه بل ندعم المقاومة بشكل عام».
وردا على سؤال حول لماذا تخلت دمشق عن شعار وحدة المسارات في التفاوض مع إسرائيل، قال الأسد «على العكس من ذلك، فنحن قبل وجود رئيس الجمهورية لم يكن في لبنان من نتحدث معه في هذا الموضوع، لكنني أبلغت الرئيس (ميشال سليمان ) بكافة التطورات على هذا الصعيد، ونحن في سوريا نعتقد أن تلازم المسارات السورية – اللبنانية – الفلسطينية قوة لسوريا وليس العكس. ولم نتخل عن فكرة وحدة المسارات».
وحول رؤيته المستقبلية للمنطقة، أوضح الأسد «نحن نقيم علاقات جيدة جدا مع إيران وتركيا، ونعول كثيرا على هذه العلاقات كأساس لوضع تصور لمصالح المنطقة. وهناك وحدة في الرؤية مع تركيا ونقاط مشتركة ، مثل الأنهار والتاريخ والحدود».
وردا على سؤال عن المشروع الإصلاحي في سوريا، قال الأسد «نحن طرحنا أفكارا إصلاحية، ثم داهمتنا أزمة العام 2005، وهنا أؤكد أنني عندما جئت إلى السلطة كان أكثر من نصف الجيش السوري قد انسحب من لبنان، وكنت قبل ذلك من مؤيدي هذا التوجه. وقد تلقيت عروضا عربية وغربية كثيرة قبل صدور القرار 1559، وهناك معلومات وتفاصيل كثيرة، لكننا لم نستجب للعروض والضغوط، وبالفعل اتخذت قرار الانسحاب قبل تظاهرات الذين يتحدثون عن السيادة. وعلى كل حال، السيادة هي استقلال قرارك السياسي وإرادتك، ونعرف أن البعض في لبنان نسج علاقات ضد هذا المفهوم. لا أريد العودة إلى هذا الموضوع، أريد التطلع إلى المستقبل، ونعتبر مؤتمركم احدى المبادرات التمهيدية التي سنبني عليها».
وأشار إلى أن سوريا بصدد تطوير التشريعات، و»اقرينا حتى الآن مبدأ إنشاء مجلس شورى، لأنه قد لا يتاح للنخب الوصول إلى البرلمان، ولكن هناك تفاصيل تشريعية، والأمر يأخذ وقتا». وتابع «كما نسعى إلى تطوير قوانين وسائل الإعلام». وأوضح انه تم إعداد أوراق سياسية من اجل تجديد حزب البعث لعرضها على مؤتمره المقبل.

السفير
الأسد: مستعدّ لإلغاء المجلس الأعلى إذا طلب لبنان
ترسيم الحدود في شبعا بعد زوال الاحتلال، ولا دور للأمم المتّحدة
ندعم «حزب اللّه» لأنه يقاوم إسرائيل، وعلاقتنا بإيران استراتيجيّة
ليس لدينا موقوفون لبنانيّون، بل محكومون بتهم التعامل مع إسرائيل
رأى الرئيس السوري بشار الأسد أن الحوار بين دول المنطقة وشعوبها يجب ألا يقتصر على الحكومات. وقال إنه يجب أن «يتعداها إلى الشعوب ونخبها التي تستطيع بدورها التعبير عن مصالحها. فلا يُكتفى بمعالجة المشكلات بين الأنظمة، لأنه من دون مضمون فكري لا قيمة لأي عمل أو هدف نخوضه»
دمشق ـــ نقولا ناصيف
بحرارة استقبل الرئيس السوري المشاركين اللبنانيين، في حضور نائبة الرئيس للشؤون الثقافية الدكتورة نجاح العطار. وفي التفاتة خاصة إلى المشاركين اللبنانيين، رغب في حصر طرح الأسئلة بهم رغبة منه في الاستماع إلى ما استخلصوه من مناقشات المؤتمر. فإذا بمواقف الأسد أتت إجابات عما أثاره المتحاورون، وتتويجاً لرعايته المؤتمر، مبدياً الموافقة المسبقة على دعم عقد مؤتمر مماثل في بيروت. ولم يتردد في الإجابة المسهبة عن تفاصيل العلاقات السورية ـــــ اللبنانية. إلا أنه حرص في بداية الحوار على وضع إطار عام له، ولسبل إرساء علاقات ثنائية سليمة، بقوله إن من الضروري أن «لا يقتصر الحوار على الدول، وأن يتعداها إلى الشعوب ونخبها التي تستطيع بدورها التعبير عن مصالحها. فلا يكتفى بمعالجة المشكلات بين الأنظمة والدول. هنا الدور الفكري أساسي، وهو الطابع الفعلي للمؤتمر الذي تعقدونه. من دون مضمون فكري لا قيمة لأي عمل أو هدف نخوضه. حتى في أبسط الأعمال والنشاطات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية، لا يسع الوصول إلى نتائج جدّية بلا مضمون فكري، فكيف بالنسبة إلى العلاقات بين الدول وبين الشعوب؟ تحدثنا عن أخطاء ارتكبت منذ عام 1976 وعن أخطاء ارتكبت بعد اتفاق الطائف، إلا أن الخطأ لا يأتي إلا بعد خطأ. لذا يتعيّن التشديد على دمج الفكر بالممارسة، بل أرى أنه لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. اليوم في نظرتنا إلى العلاقات السورية ـــــ اللبنانية، هناك فكر وممارسة، وهما اللذان سيوصلاننا إلى مستقبل صحيح لعلاقات البلدين».
سألته «الأخبار» عن موقفه من الاعتراف المتبادل بين البلدين بارتكاب أخطاء في العلاقات السورية ـــــ اللبنانية، فأجاب: «إذا لم تكن هناك أخطاء فلا حياة بشرية. عندما قلنا إن هناك أخطاءً ارتكبت فهو من باب رفض هذا الخطأ والعمل على تصحيحه، لا من باب الشعور بالذنب. قلنا هذا الأمر مراراً منذ عام 2005 من أجل السعي إلى تطوير العلاقات. من الطبيعي التحدث عن أخطاء. وقد تكون ناجمة عن مرحلة سياسية معينة. لكنّ الخلاف والخطأ يمكن أن يقعا داخل العائلة الواحدة، لا بين بلدين فقط. يقع بين الإخوة وبين الزوجين. أي علاقة بين اثنين تفسح في المجال أمام ارتكاب أخطاء. أما ألا تقع أخطاء، فهو إشارة إلى علاقة جافة. لذلك نرى أن انعقاد هذا المؤتمر بداية لمعالجة الأخطاء. الأمر لا يقتصر على الجانب السياسي فحسب، بل أيضاً على الجانب الاقتصادي الذي شهد بدوره أخطاءً عندما تراجع التكامل الاقتصادي بين البلدين. ويصحّ ذلك أيضاً على النطاق الثقافي. وأنا أعتقد أن الأمر ليس مجرّد اعتراف بالخطأ، بل هناك تبادل للمسؤولية، ومسؤولية مشتركة حيال ما حصل، والذي يشكل إحدى وسائل تجاوز الأخطاء تلك وصولاً إلى تطوير العلاقات. في مثل مؤتمركم، من الضروري الخوض في كل القطاعات المعنية بعلاقات البلدين، كالشؤون الاقتصادية والتربوية والاجتماعية».
ورداً على سؤال لأحد المشاركين، قال الأسد: «عندما نقول هناك أخطاء، فهذا يعني أننا نجري مراجعة، وإلا لما كنا اكتشفنا الخطأ. لم نتحدث في تفاصيل الأخطاء، لكنّ الأمر البديهي أن اتفاق الطائف الذي وضع لإنهاء الحرب في لبنان، أوجد مرحلة انتقالية مكّنت أصحاب المصالح الطائفية والسياسية من الاضطلاع بدور سلبي. ولأن المرحلة الانتقالية طالت، فقد وقعت الأخطاء، وكنا مضطرين إلى التعامل مع بعض أصحاب هذه المصالح من أجل وضع حدّ للحرب وإعادة الاستقرار إلى لبنان، وكانا أولوية لا مفر منها. لكن لبنان لم ينتقل إلى المرحلة التالية، ولا النظام السياسي في لبنان الذي سبّب اضطرابات وحروباً تطور. وهذا شأن لبناني. إلا أن دورنا يقتصر على المساعدة. طبعاً هناك جانبان في الموضوع: أحدهما يعبّر عن سوء نيّة، كالفساد والإهمال، والآخر عن حسن نيّة هو اضطرارنا إلى التعامل مع أمر واقع لبناني ليس لنا أن ننقلب عليه أو نكون ضده. لذا كانت المرحلة انتقالية فوقعت الأخطاء. عندما تعاملنا مع قوى طائفية، خسرنا جزءاً من اللبنانيين من جرّاء المصالح الطائفية، ولم ننجح في مغادرة المرحلة الانتقالية. وهذا أحد أخطائنا».
وسأل الأسد: «مَن يمتلك الرغبة في التغيير في لبنان، الطبقة السياسية أم الشعب؟ لدى بعض الدول النخب هي التي تجري التغيير. لكن دور سوريا حيال لبنان هو أن تساعد مَن يريد أن يقف على قدميه لتحقيق هذا الهدف، لا أن تقف هي نيابة عنه. نحن لا نستطيع أن نحل محل اللبنانيين. لذلك يتوقف دورنا على مدى مساعدتنا مَن يريد العمل لا أكثر. ليس لدى القيادات الميليشياوية والطائفية رغبة في التغيير. ولا يمكن تحقيق تغيير من دون آلية. نحن على احتكاك مباشر بالمجتمع اللبناني كما هي حال احتكاك المجتمع اللبناني بالمجتمع السوري. وهذا من دروس الماضي».
ولاحظ أن «أي موقف لبناني بات يحتاج إلى إجماع، الأمر الذي لا يسهل تحقيقه، لذا تتوقف مساعدتنا على ما يطلبه منا الموقف اللبناني. إذاً يتوقف الموضوع على اللبنانيين وعلى مثقفيهم ونخبهم. وأنا أسأل: هل هناك آلية للتغيير في لبنان كي نساعد؟».
وأوضح الأسد أن انسحاب الجيش السوري من لبنان على مراحل كان أحد القرارات التي عمل عليها في نهاية التسعينات، وخصوصاً مع انتخاب العماد إميل لحود رئيساً للجمهورية، و«كنت قد أخذت في الاعتبار أنه أصبح للبنان جيش قوي يستطيع تسلم مسؤولياته الأمنية والعسكرية. لذلك قررت مذّاك تحديد خطوات للانسحاب من لبنان. سوريا خارج لبنان أقوى منها فيه. وسوريا خارج لبنان تتيح علاقات بين البلدين، مع الدولة اللبنانية ومع اللبنانيين، أفضل بكثير من وجودها داخله. وكنت أعلنت مراراً أن لا عودة للقوات السورية إلى لبنان. لا أحد يسعه القول إن العلاقات الأمنية والعسكرية هي التي تقدّم أفضل إطار للعلاقات السياسية. حصلت مساومات كثيرة معنا حيال الموقف من لبنان، وفي كل مرة كررنا الجواب عليهم، وهم يعرفون الآن تماماً موقف سوريا. سوريا تكون قوية مع لبنان قوي، ولنا مصلحة أكيدة بوجود لبنان قوي. نحن لا ندعم حزب الله لأنه فصيل لبناني، بل لكونه مقاومة في وجه إسرائيل».
ورداً على سؤال، قال: «السياسة تجارة ولكنها بأخلاق. نحن مارسنا السياسة على هذا النحو. حسمنا خياراتنا في العلاقة مع المقاومة ومع إيران التي نعتبر علاقتنا بها استراتيجية». ولاحظ أن «الحالة الطائفية هي ثمرة عقل مسطّح. ومن أجل أن نحمي أنفسنا من حال كهذه، ينبغي تعقيل العقل كي يكون قادراً على التفكير. لذا لا بد من وجود فلسفة تكون قادرة على مقاومة الأفكار الخطيرة التي تواجهنا كالتطرّف مثلاً. كأن يكون هناك واعظ جاهل، ولا أريد أن أحدد انتماءه، يعمل على استباحة عقول الناس، لا بد من مواجهته. عندما تكون لدينا فلسفة في السياسة نواجه هذا الخطر. وعندما كنا نعجز عن مواجهة هذه الأخطار، عزونا ذلك إلى تخلّفنا. وأنا أعتقد أن المعالجة الجديّة هي بالتربية والثقافة، بالمدرسة والإعلام. هنا يأتي دور المثقف كي يشرح الأمر للناس».
وتحدث الأسد عن مؤتمر العلاقات السورية ـــــ اللبنانية، داعياً إلى إرساء قاعدة قطاعات مشتركة يجري البحث فيها، وقال: «هناك ميزة مشتركة بين سوريا ولبنان هي أن مغتربينا كثر في الخارج، وأحوالهم حيث هم أفضل من أحوالهم في بلادهم. والبلدان متميّزان على مستوى الكفايات. لذا يمكن طرح محور التعاون على مستوى المغتربين»، وشدد على ضرورة إجراء حوار بين قطاعات البلدين.
ورداً على سؤال، قال الرئيس السوري: «البعض في لبنان يتحدث عن المجلس الأعلى السوري ـــــ اللبناني كأنه صورة للوصاية، وهذا ليس صحيحاً على الإطلاق. أنتم تعلمون أن المجلس لا يعمل كثيراً، ويمكننا إشراكه في الحوارات التي أدعو إليها. وكذلك يمكننا إشراك السفارتين. لكن ينبغي أن يعرف بعض اللبنانيين، خلافاً لما يشيعونه، أننا لا نتمسك ببقاء المجلس الأعلى. كنت قد طرحت مع الرئيس نجيب ميقاتي والرئيس فؤاد السنيورة موضوع المجلس الأعلى والاتفاقات بين البلدين، وأبديت الاستعداد لتعديلها وإلغاء ما يمكن إلغاؤه. لم يطل الرئيس ميقاتي في الحكومة، ولم يجب الرئيس السنيورة ومؤيّدوه. رفضوا ما عرضته. قلت إنني مستعد لمناقشة كاملة للاتفاقات، ولكنهم غير جادين في البحث في الأمر وتجاهلوه. أنا مستعد للاستغناء عن المجلس الأعلى إذا طالب اللبنانيون بذلك. بحثت مع الرئيس ميشال سليمان منذ التقينا للمرة الأولى في باريس (14 تموز 2008) في مناقشة الاتفاقات. وكذلك وزراؤنا مع بعض الوزراء اللبنانيين. مع هؤلاء فقط هناك قنوات اتصال حول هذا الموضوع. أما الفريق الآخر فلا علاقة لنا معه. عندما يتحدثون في لبنان عن أن القرارات تحتاج إلى إجماع، فهل هناك إجماع او اتفاق لبناني على إلغاء المجلس الأعلى؟ ليقولوا لنا لا يريدونه فنلغيه، وليقولوا لنا إنهم لا يريدون الاتفاقات فنلغيها، أو يريدون تعديلها فنعدّلها. كان قد طُرح الأمر في مجلس الشعب على أثر الأحداث الأخيرة مع لبنان، وطالب مجلس الشعب كرد فعل بإلغاء الاتفاقات. لم أستجب لأنني لا أتصرّف وفق رد الفعل، ولا أريد أن أتصرّف منفرداً. ليعلم الآخرون أن مصالحنا تستمر في العمل إذا ألغي المجلس الأعلى والاتفاقات، فهي لا تتوقف عليهما. إذا كان اللبنانيون يريدون ذلك، فأنا جاهز».
ورداً على سؤال عن ترسيم الحدود اللبنانية ـــــ السورية، قال الأسد: «هناك محاضر ترسيم للحدود وأعمال بدأت، كما يجري ترسيم الحدود مع الأردن. لكن الموضوع المطروح الآن ليس ترسيم الحدود بل تسييس المزارع. نحن مستعدون لترسيم الحدود كلها باستثناء مزارع شبعا، لأن اسرائيل لا تزال تحتلها. طرح هذا الموضوع يصبّ في خدمة إسرائيل. فاتحني الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون مراراً في الموضوع، وقلت له إنه لا شأن للأمم المتحدة في ترسيم الحدود، وليس لها إلا أن تتبلّغ الترسيم لاحقاً بعد أن يحصل بين البلدين. الترسيم يجري بين البلدين المعنيين، ثم يرسل بلاغ بذلك إلى الأمم المتحدة لأخذ العلم. هناك حل واحد للترسيم من مراحل ثلاث: انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا، ترسيم لبنان وسوريا حدودهما في مزارع شبعا، إعلام الأمم المتحدة بالأمر. إذاً يجب أن يزول الاحتلال أولاً».
وقال: «إرسال ورقة إلى الأمم المتحدة بالترسيم قبل زوال الاحتلال لا يحرج إسرائيل أبداً حيال الغرب، لكونها تلعب على تناقضات اللبنانيين وتحاول استغلالها في ما بينهم، وضد سوريا. هي تحتل لبنان بورقة ترسيم ومن دونها».
وسئل عن المفاوضات غير المباشرة السورية ـــــ الإسرائيلية، فقال: «ما حصل ليس مفاوضات غير مباشرة، بل هو مشابه لما قام به وزير الخارجية الأميركي جايمس بايكر في مطلع التسعينات في جولات مكوكية بين سوريا وإسرائيل من أجل وضع أرضية مشتركة لمفاوضات بين البلدين. وهذا ما يحصل من خلال تركيا التي تؤدي الدور نفسه. ليست مفاوضات إذاً».
وأكد أنه أطلع الرئيس اللبناني على نتائج تلك الجهود، قائلاً: «طبعا هناك تنسيق مع الرئيس سليمان وتحدثت معه في هذا الموضوع. لم يكن هذا التنسيق حاصلاً قبلاً لأنه لم يكن لدينا حوار مع لبنان والاتصالات مقطوعة. بعد انتخاب الرئيس سليمان تغيّر الأمر. لنا كسوريا مصلحة في أن لا نكون مستقلين عن لبنان وعن الموقف العربي من التفاوض، لأن ذلك يضعفنا».
ورداً على سؤال عن مصير المفقودين اللبنانيين لدى سوريا، قال الأسد: «بعيد انتخابي رئيساً، أفرجت عن 40 موقوفاً لبنانياً من دون طلب من أحد وبمبادرة شخصية. أما الموقوفون حالياً في سوريا فهم بجرم التعامل مع إسرائيل والتجسّس على سوريا، ويخضعون للقوانين السورية، وليس في الإمكان إطلاقهم لأنهم ينفذون أحكاماً قضائية. لكن الموضوع كما يطرحه البعض ويتحدث عن لائحة من 800 مفقود في لبنان يسير في اتجاه معاكس بالادعاء أنهم في سوريا. ماذا أفعل بهم هنا؟ هل أقايض بهم؟ طرح الموضوع غير منطقي. هناك أعداد كبيرة ممّن يقال إنهم في سوريا كانوا قد قتلوا في لبنان. وهم إما في مقابر جماعية في لبنان وإما لم يدخلوا سوريا أبداً. تكلموا عن الموقوفين الـ15 بحكم قضائي في سوريا، وهذا صحيح، وهذه شهادة لسوريا لا ضدها. لكن هل ينبغي أن يُنسى أن الحرب الأهلية نشبت في لبنان لا في سوريا. لذلك يتعيّن التثبّت أولاً من مصيرهم ومكان وجودهم في لبنان قبل اتهام سوريا التي ليس لديها أي معتقل أو موقوف لبناني خارج الأحكام القضائية».
وأضاف: «إن القول إنهم اختفوا في سوريا لا يوصل إلى الحل ما دام الموضوع يطرح سياسياً ولغايات استغلاله. لذا أقول لبعض اللبنانيين أن يُخرجوا من ذواتهم الشياطين حتى نتوصل إلى حل لهذه المشكلة. إذا كان هؤلاء يريدون اللجوء إلى الأمم المتحدة، فإن لدينا نحن ملفاً مقابلاً هو اختفاء 1200 سوري في لبنان. أين هم؟ أنا أدعو إلى حل عقلاني وبحث الموضوع بشفافية داخل لبنان أولاً للتحقق من كيفية اختفاء هؤلاء أو مقتلهم. عندما دخل الجيش السوري إلى المناطق الشرقية مطلع التسعينات جوبه بإطلاق نار ومدافع وردّ عليها، فهل مَن قتل في هذه المعارك مفقود لدى سوريا؟».
الأسد: الإصلاح وفق اقتناعاتنا وحاجاتنا… ولا نصغي إلى ما يطلبه الخارج
ردّ الرئيس السوري بشّار الأسد بانفتاح على سؤالَين وجّههما إليه لدى استقباله الخميس مشاركون في مؤتمر العلاقات السورية ـــــ اللبنانية، الذي يختتم اليوم أعماله في دمشق. أحدهما عن الإصلاح في سوريا، والآخر عن المعارضين السوريين المعتقلين. لم يُربكه السؤالان، وقد اعتاد زوّار أجانب، وأخصهم أوروبيون يجتمعون به، طرحهما عليه. كان يبرّر الأول، ويحجم عن الردّ على الآخر لأنه «شأن داخلي غير قابل للنقاش» مع غير المعنيّين به.
في لقائه المشاركين اللبنانيين والسوريين في المؤتمر، بدا أكثر مرونةًَ وانفتاحاً من عدد من هؤلاء كانوا قد أدلوا بدلوهم في الجلسات. كان بينهم سوريون يتحدثون بلغة أربعينات القرن الماضي وخمسيناته، ويختبئون وراء التاريخ كي يقولوا إنهم لا يرون لبنان كياناً مستقلاً، أو يفيضون في تعداد أخطاء قيامه. وبينهم لبنانيون يرفضون الاعتراف بالحدود اللبنانية ـــــ السورية ويجدونها وهمية، ولا يتردّدون في نعتها بصنيعة الاستعمار كي يعودوا بالبلدين إلى ما قبل الكيانين. مع ذلك لم يخلُ المؤتمر من إيجابيتَي انعقاده في دمشق، والخوض في أدق مظاهر خلاف البلدين، ومناقشتها جدّياً والرغبة في التوصل إلى حلول.
على طرف نقيض من هؤلاء، تحدّث الأسد عن دولتين مستقلتين، وعن علاقات وثيقة يأمل تصحيح أخطائها من أجل مستقبل أفضل، والتوسّع في تعاونهما ضمن صيغة عمل يتفقان عليها. قال أيضاً: «استقلال لبنان ليس حالاً قطرية منغلقة. صحيح أن هناك أنواعاً من الاستقلال. لدينا هنا عيد الجلاء وهو عيد الاستقلال (أمس). لكن الاستقلال أيضاً هو استقلال القرار السياسي بعد خروج المستعمر. هذا هو مفهومنا للاستقلال الذي يعني أيضاً عدم التبعية لدولة غربية. في لبنان ثمة من يجعل الاستقلال شعاراً كي ينعزل به. نحن مع استقلال لبنان ونريده داعماً لسوريا».
سئل عن معارضين سوريين، وبينهم مثقفون، في السجون يأمل نظراؤهم اللبنانيون استعادتهم حريتهم، وأنهم وقّعوا عرائض بذلك. ردّ الرئيس السوري أنه أصدر عفواً منذ انتخابه رئيساً عن مئات منهم، وهو مستعد للعفو عن أولئك الذين يتراجعون عن خطئهم بعد الاعتراف به، لأنه لا يستطيع اتخاذ موقف يتناقض وأحكام القضاء.
قيل له إن بعض مَن أُعفي عنه سجن مجدّداً، ردّ الرئيس: «عندما يُطلق المعفى عنه ويخرج مرة أخرى على القانون ويدخل السجن، فذلك لا علاقة له بالتهمة السابقة والعفو، بل لأن هذا الشخص أراد التمادي في مخالفة القانون السوري».
غير أنّ الأسد استفاض في الكلام على مسار الإصلاح في سوريا. قيل له إنه تعهّد في خطاب أدائه اليمين الدستورية (17 تموز 2000) إجراء إصلاح سياسي في بنية النظام، وإن المآخذ الغربية على سوريا أضحت تتركّز على كونها قد تخلّت عن هذا الهدف.
كان ردّه: «في خطاب القَسَم وضعت مبادئ معيّنة للإصلاح، لكننا أعلنّا الخطوات الإجرائية في المؤتمر القطري العاشر للحزب عام 2005، وكان المسار يشق الطريق لتحقيق هذه الخطوات عندما حصلت تطورات إقليمية وضعتنا في قلب المعركة. بدأت نتائج الاحتلال الأميركي للعراق تتفاعل، كذلك التهديدات التي كنا نتعرّض لها، وبدأت محاولات ضرب الاستقرار في سوريا عبر الإرهاب والتطرّف، الأمر الذي قلب الأولويات وصرنا في صلب المواجهة. طرحنا في المؤتمر آلية الخطوات الإصلاحية دون الخوض في برمجتها، لكن أولوية الاستقرار ومواجهة التهديدات تتقدّم سواها. تأكدنا من أن سوريا مستهدفة، وكذلك بدأ الإرهاب يتحرك على نحو لا يعلن دائماً عن نفسه. عندئذ أصبحنا في حال حرب معه. طبعاً لم تتوقف خطوات الإصلاح، إلا أننا اخترنا المضيّ في الإصلاح الأسرع والأقل تعقيداً. خطونا نحو تأليف مجلس للشورى لتعزيز المشاركة الشعبية في السلطة، وهي الخطوة الرئيسية التي نعمل عليها. ويجري حالياً درس صلاحيات المجلس وتعيينه ودوره. كذلك أقرّ مؤتمر الحزب قانوناً للأحزاب وقانوناً لانتخابات مجلس الشعب والانتخابات المحلية وقانوناً جديداً للإعلام وإعادة النظر في قانون المطبوعات. ويجري بحثها الآن في لجان خاصة».
أضاف الأسد لسائله عن مبرّرات تباطؤ الإصلاح: «ينبغي أن لا نغفل، إلى جانب الظروف التي أشرت إليها، أن البيروقراطية السورية وتراكمات عشرات السنين في إدارة الدولة تُضاعف أسباب تأخر الإصلاح. بالتأكيد لا يمكننا القفز به في الظلام، ولا نقبل بما يمكن أن يسوّقه الخارج للإصلاح في بلادنا. لدينا رؤية واضحة له ونسير بحذر فيها، وهي إيجابية كبيرة لأننا نأخذ في الاعتبار الاستقرار الداخلي، ونعمل على أن نوازن بين ما نريده وما يمكن تنفيذه تدريجاً. لم يضغط عليّ أحد في خطاب القسم عندما طرحت مبادئ عامة للإصلاح، ولا ضغط أحد على مؤتمر الحزب الذي أقر خطوات جديدة ومهمة. نحن نعمل بتؤدة ووفق اقتناعاتنا دون الاهتمام بما يمكن أن يُقال عنا في الخارج، لأن هدفنا هو استقرار سوريا وتقدّمها تبعاً للظروف والحاجات. لا أُخفي أن هناك حواراً سورياً ــــــ سورياً وطنياً حيال هذا الأمر. ولكن بالتأكيد ليس صحيحاً ما يقال إننا لم نقم بشيء لإصلاح نظامنا. نحن لا نصغي إلى الخارج عندما يطلب منا، وليس له أن يطلب، بل نصغي إلى اقتناعاتنا وحاجاتنا».
وقال: «أستطيع أن أؤكد أننا نسير إلى الأمام بخطوات ثابتة. قد لا تكون سريعة، لكننا سنذكرها إن شاء الله، وبعضها سنعلنه هذه السنة».
دمشق ـ نقولا ناصيف
الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى