صفحات سوريةفلورنس غزلان

على المعارضة السورية أن تعيد النظر بسياستها

null
فلورنس غزلان
تنقلب الموازين ويتغير المشهد السياسي في المنطقة يوماً بعد يوم، وكله يصب في صالح أنظمة الاستبداد( وأنظمة الثبات والاستقرار) حسب المنطق الغربي الداعم على الدوام لمثل هذه الأنظمة  ومن خلال سبر معمق للأحداث الساخنة التي مرت بها الساحة العربية وتحديدا بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان والحرب على الإرهاب وما تلاه من حرب على غزة، نستنتج أن فشل السياسة الأمريكية والأوربية كذلك في المنطقة أدى لضعف كل المعارضات وسحقها نتيجة لصمت   ــ المنظمات الانسانية ومؤسسات المجتمع المدني في دول تدعي الديمقراطية وتطالب بانتشارها ــ على عمليات القمع والاضطهاد التي مورست بحق مناضلين ومناضلات ومازالت تمارس بحق شعوب عاشت الظلم والعسف لعقود طويلة وكيف يمكننا ألا نعتبر أن سياسة بوش بالذات كانت سببا جوهرياً وخراباً إنسانياً لكل تطور وتحديث ولكل نمو اقتصادي وتقدم سياسي باتجاه الحق الانساني وحرية البشر، وقد غدت الديمقراطية  التي سعى بوش نفسه لنشرها من خلال القوة وحرمان الشعوب من الحرية علكة تمضغها أنظمة الاستبداد وبعبعاً يخيف الشعوب كي لا تقع ضحية الاحتلال والاستغلال وتؤثر أن تبقى أسيرة أنظمة ديكتاتورية من جلدتها على أن تعود لعصور خلت من خلال التفتيت والتشرذم والغرق بحروب أهلية وطائفية غذتها الأنظمة القائمة وتغذيها لتجعل من أنفسها المنقذ والموحد والجامع لما هو ” وطني”ً!. حسب المفهوم المتداول وإن لم ينطبق على الواقع.
ــ هل تعني المعارضة أن نعارض النظام في كل مايطرح وكل مايقول ويمارس؟ أم أنها محاولة مستمرة ودؤوبة لتصويب الخطأ المرتكب من جانب النظام كما من جانبها هي بالذات؟ وأن عليها أن تقيس وتزن حجمها ومقدار تأثيرها ومايمكنها أن تكسب وأن تخسر في أي موقع وأي مجال مطروح للبحث وخاصة في القضايا الساخنة داخليا بشكل رئيس ومناطقيا عربيا بشكل ثانٍ، ومن ثم على صعيد العلاقات العالمية والمصالح المتبادلة بين الدول والحكومات، والتي يتم على الغالب فيها تجاوز قضايا المعارضات وتجاوز قضايا الحريات وحقوق الإنسان وتمرير العلاقات الثنائية على حساب المباديء والقواعد الأخلاقية والإنسانية، لأن الثابت في تجارب الشعوب،  أن السياسة غالبا ماتفتقر للخلق ويتم التعاطي مع المصالح بمعزل عن الأخلاق والضمير لحساب التجارة والمكاسب والاستقرار في بؤر يخشى من اشتعالها ويخشى من تردي حالها حتى لو خدم هذا التردي مصالح الشعوب لتنهض من كبوات طويلة وللخلاص من ديكتاتوريات عششت وثبتت أقدامها من خلال  التحاور وتبادل المنافع . لهذا تقف على الغالب هذه الدول وتنظر إلى حركات النهوض من ثقب إبرة صغير دون أن تلقي لها بالاً وتغمض على الغالب عيونها( الديمقراطية)! وتصاب بالعمى من أجل تمرير صفقة أو منفعة للدولة الأقوى ويصبح مصير شعوب الدول الفقيرة والمضطهدة أمراً ثانوياً ومؤجلاً في حسابات وقوائم  مشاريعها الأهم لضمان مستقبل ونهضة أممها الأكبر والمتحكمة بسوق الدنيا وسوق السياسة.
ــ ثم أن المعارضة ذات العمق الداخلي وهو الأهم والمرجع عليها أن تحسم أمرها وتدرس مواقعها وتموضعها وتحالفاتها وتأثيرها فيما يمكن إنجازه والوصول إليه من خلال تواصلها مع الإنسان المواطن باعتباره المركز والمحور في الاستقطاب والحركة والهم الحاضر والمستقبل. وهل خطابها السياسي يصب فعلا في الممكن؟ أم أن سيفها أطول من قامتها؟ هل تبحث في الممكن أم عن المستحيل؟
وهل تحرص على تجنيب كوادرها الهامة والفاعلة وحمايتهم من الوقوع في أخطاء أو ارتكاب مواقف غير مدروسة يمكن أن تكون فيها أكثر حذراً ومرونة وتقديرا للعواقب لتضمن التواصل بينهم وبين المواطن وتحملهم مسؤولية نقل هموم هذا المواطن إلى النور والعلانية وتبني قضاياه الاقتصادية والسياسية،  والتركيز على معاشه اليومي من خلال الاهتمام بطيفه الأوسع طيف الشباب والمرأة ، وإن كان هذا الفعل أقل مردوداً من المأمول لكنه باعتقادي،  يمكن أن يكون أكثر ضمانا للنتائج وإن جاء بخطوات أصغر ونسبة أقل، لكنه أليس أفضل من الانحسار الكامل واستمرار القمع وتواصله لكل كوادر المعارضة ولكل نشطائها؟.
ــ المعارضة بكل أطيافها ( قومية، يسارية، ليبرالية، إسلامية) يجب أن تعمل وبجد ــ  إن كانت فعلا تريد البقاء وتسعى للتأثير وايجاد دور لها في تقرير مصير الوطن ونقله نحو آفاق الحرية والديمقراطية والتعددية السياسية  ــ عليها أن  تعيد النظر في خطابها،  أن تصلح ذاتها، برامجها، فقد أثبتت هزالة فعلها وهشاشة قوتها ، لا أنكر ما تعرضت له وعبر عقود من قمع وتنكيل وتشتت وتناحر فيما بينها وفيما بينها وبين النظام، لكنها اليوم أحوج ليس للملمة شتاتها فقط ، فهذه اللملمة على مرض لا تنوي أن تعود لتظهر وتطفو فوق سطحها الكثير من الطفيليات والكثير من الأخطاء وربما تستفحل بشكل لن يسمح بعد لأخطاء جديدة ، لأن الزمن والتاريخ ليس لصالحها ولا لصالح التطور والحداثة، إصلاح البيت بأساساته وبنائه وطريقة هندسته وجيرانه ” تحالفاته” والأهم ما يحويه بداخله من مواد أساسية للعيش بكرامة، كل هذا تحتاجه كل الأحزاب وكل الأطياف السياسية على الساحة السورية خاصة..دون تمييز لأحد ودون تمَيُز أحدها عن الآخر، فكلها تحتاج لترميم.
فقد استوطن الخوف إنسانها أي المواطن السوري الخائف والمرعوب والمجوع والمقصى عن الفعل واللاهث وراء اللقمة ــ دون أن يدركها ــ  والناسي أو المتناسي لحريته ، فهل أفلحت المعارضة في فهمه؟
هل فهم خطابها مايريد؟ هل استوعب خطابها المرحلة وقرأ الداخل الوطني بتمعن؟
ــ حاولت المعارضة مد يدها للنظام أكثر من مرة، لكنه أنكر عليها حتى وجودها، كما ينكر وجود أي مواطن يتحدث بالسياسة، لكن رغم كل شيء لابد من وجود وسائل تواصل، ربما تكون واهنة وضعيفة ، لكن المرحلة الآن تتغير بسرعة وتنقلب موازينها بشكل مذهل ومخيف…والمعارضة غارقة في التنظير، وفي همومها الخاصة، ولن تقف عجلة الحدث لتنتطرها حتى تنهض وتلحق بركب حياة الانسان ، الإنسان السوري ومصلحته أولا وأخيراً.. يجب أن يتصالح المواطن السوري مع نفسه معارضاً أم غير معارض، أن ينفتح على جاره وصديقه في الهم الوطني…لا اعتقد على الإطلاق أن سورية تحوي بين جنباتها من يخون الوطن، ربما اتهَم النظام وكال الكثير لكل معارضيه، لكنه يعلم يقيناً أن معارضيه هم أشرف وأنبل بني البشر، وليس بينهم من يريد أن يغير من الخارج وعلى يد الخارج…يريد للوطن والمواطن حياة أفضل وأرحب وكرامة مصانة داخل حدود وطن لا يستباح ولا يستهان به.
هل سيدرك النظام  يوماً حجم وهول ما يرتكبه بحق أبنائه؟وهل سيدرك المعارض كيف يبدأ ؟ ومن أين يبدأ؟ فأن يأتي متأخراً خير من أن لا يأتي أبداً.
باريس 23/4/200
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى