صفحات مختارة

في رثاء النيوليبرالية العربية.. الرثّة!

مطاع صفدي
إذا طرح المرء على ذاته سؤال: ما هو النظام الاقتصادي العربي اليوم، فالجواب السريع قد يبدأ بوصفه أنه لا نظام، لم يكن جماعياً إبان حقبة التأميم تحت عناوين الاشتراكيات، ولم يتطور إلى الرأسمالية، ولو في حدود أية مرحلة من مراحلها التاريخية. ولكنه مع ذلك ستكون فوضاه أقرب إلى فوضى النيوليبرالية المقنعة تحت شعار الحرية المطلقة للسوق. فالتشابه بين صفتي الفوضى هذه سطحي. ذلك لأنه ليس ثمة سوق حر في أية دولة عربية بمعنى أنه يتبع قوانينه التلقائية في العرض والطلب. فالإدارات الحكومية دائمة التدخل في كل ما يباع ويشترى منذ قيام الدولة المستقلة. وهذا التدخل اعتباطي لا ينجم عن تخطيط علمي أو أية سياسة تنموية مسيطرة. على مستوى الاقتصاد الوطني الشامل، بقدر ما هو لصالح الحكام وزبائنهم.
إن فوضوية التدخل الحكومي قد لاقت لها ثمة اصطلاحاً تداولياً عالمياً تحشر نفسها تحت دلالاته، وهو مصطلح الليبرالية؛ هكذا بدون أي تخصيص. فبعد الانتهاء من سطوة النماذج الاشتراكية العالمية طيلة النصف الثاني من القرن الماضي، وجدت أنظمة العالم الثالث نفسها في العراء الأيديولوجي. اختفى الصراع اللفظوي والسياسوي بين خيار الاتباعية لأحد المعسكرين. لم يتبق إلا النظام الغربي الذي اعتبر مجرد اختفاء القطب الاشتراكي المناقض، هو بمثابة الصحة والصلاحة الكاملتين لنموذجه الدولاني الاجتماعي. بقاء الغرب بعد زوال أكبر خطر واجهه في تاريخه، متمثلاً في التهديد السوفييتي النووي، منح ثقافته مجدداً، حدَّها الأعلى من الثقة المطلقة بأفضلية مبادئها ومفاهيمها واختياراتها العامة، ومع ذلك لم ينته نقاش النخبويين حول أقنوم الأفضلية هذه. فقد انتقل من هم التهديد بالبدائل الخارجية المضادة، إلى حلبة الحوار المعمق حول كينونة الأقنوم الأفضلي، عن أصوله، وآليات ظواهره، وآفاق تطوراته. فكان تمحور الجدل، فلسفياً على الأقل، حول إن كان (الغرب) مديناً بنجاحه ذاك لاقتصاده الرأسمالي وحده، أم أن الرأسمالية نفسها ليست سوى أحد التمارين الأخصب لشخصيته المفهومية في ميدان التنافس الحضاري مع إنجازات ذاته عينها، وإزاء الآخر في وقت واحد. لكن عندما تُصاب الرأسمالية بأشد أمراضها القاتلة، كما هو حالها اليوم مع زعزعة هرمها المادي، وانفقاد الثقة بأخلاقية الصيرفة، عمودها الفقري، قد يُصار إلى إعادة طرح لشخصية الغرب المفهومية، من قبل مفكريه الكبار، في موضع التساؤل الكلي فيما إذا كانت الرأسمالية تختزل جوهر حضارته، أم أنها تظل واحداً من أهم أعراضها، القابلة للتصحيح والتعديل.
من نافل القول انتظار أجوبة نهائية على استفهام يرقى إلى سوية ميتافيزيقا كونية. فالغرب عانى دائماً من أمثال هذا الاستفهام إثر كل كارثة بنيوية تهز صورته في عين ذاته. لكنه كان يكتشف في ذاته تلك قدرة على تجاوز المحن، سرعان ما تعيد إليه إيمانه بامتيازاته التقليدية إلى حد ضخّ دماء جديدة في تمثاله القديم ورأب صدوعه الطارئة، كما لو لم تكن قد أصابته أصلاً. من هنا يرى الغربُ نفسه أنه هو القيم الأول على الرأسمالية. إنه صانعها التاريخي كما أنه هو صنيعتها. حتى وإن أصبح العالم كله رأسمالياً، فالغرب إنما يحكم العالم بنظامه ذاك، برأسماليته عينها. ما يعني أن كل متغير يطرأ على مسيرتها سلباً أو إيجاباً، سيكون هو المسؤول الأول عن تدارك سيئاته، أو المتمتع بحق الأفضلية في جني مواسمه الإيجابية. فالرأسماليات المتوزعة خارج جغرافية الغرب تطل كالدوائر المنداحة حول المركز، مهما تعاظمت إمكانياتها التقنية والمالية. غير أنها قد تدفع حصصاً غالية غالباً مرتفعة من كل أزمة تصيب الرأس المدبر في دول المركز، في حين يمكن لهذا المركز تغطية عثرات أسواقه، ومؤسسات الصيرفة عنده، بما تمتلك حكوماته من فائض ثرواتها المالية المتراكمة؛ فإن معظم رأسماليات المحيط لا يمكنها أن تستنجد بخزائن دولها، الحديثة العهد ببعض الغنى الطارئ. ولذلك يتوقع خبراء الكوارث الاقتصادية أن تخرج هذه الدول بأكبر الخسارات، فيما يمكن للغرب، وجناحه الأوروبي الغربي خاصة، أن ينجو من الأزمة العالمية بالأقل من هذه الخسارات، فيما لو وجدت هذه الأزمة ثمة منفذاً من النفق المظلم الذي يحاصر العالم كله، ولكن بدون عدالة توزيع لمصائبه ما بين أقطاره.
وأما السؤال عن النصيب الأوفى الذي سيتلقاه اقتصاد عالمنا العربي، فلا يبدو أن نعامة الصحراء تريد أن تسحب رأسها من تحت الرمال لترى ما يجري حولها حقاً، حتى الآن. لا تزال النيوليبرالية تجتاح عقول الوسطين المالي والإعلامي معاً، بأسوأ عللها، الناجمة في معظمها عن حاكمية الرغبة في خداع الآخرين كطريقة لخداع الذات. فالاقتصاد العربي، غنيه وفقيره معاً، ترامى في أحضان ليبرالية مستوردة، كانت مفروشة بالزهور والرياحين الصناعية؛ ثم عندما تناثرت أوراقها، الميتة أصلاً، مع بوادر العاصفة العالمية، انكشفت تحتها أرض الأشواك والأفاعي. ومع ذلك فالجرحى، وما أكثرهم، ينزفون دماءهم، وهم يتمرغون على بساط الشوك تحت أجسادهم وجيوبهم. المال العربي هو الضحية الأولى المفضلة، ممنوع عليها الصراخ، لأنه ممنوع عليها العلاج، حتى من قبل أصحابها.
النيوليبرالية المستوردة، المنتهية إلى النوعية الرثة المحتومة، لم تنتظر الأزمة المالية العالمية لتفعل أفعالها السمومية في بنية المجتمع العربي وليس في اقتصاده الرضيع الوضيع وحده. فقد تسلمت زمام قيادته السياسية والتخطيطية قبل أن تستولي على مؤسساته التنموية، وأسواقه: لنتذكر قليلاً أن استيراد النيوليبرالية كان محمولاً على رذاذ موجة عالية من دعوات الإصلاح وإلزام النظام العربي باعتناق الديمقراطية نظراً وممارسة. كان اصطلاح تخصيص المؤسسات الإنتاجية المؤممة، يبني ثمة إيديولوجيا انتقالية، لها وظيفة محددة: طرد أدلجات المراحل الثورية وأشباهها السابقة. لكن طيلة العقدين السابقين من تسلط الإعلام النيوليبرالي، وانتشار القاموس الديمقراطي، كان ثمة متغيران (إصلاحيان) يتفشيان معاً في الهرم التقليدي للدولة العربية: اشتداد التحجر السلطوي للأنظمة الحاكمة، وإفراز بطانة للسلطة تحتها، من اقتصاد الفساد الزبوني، بحيث تستطيع هذه البطانة تشكيل شريحة من هرمية طبقية موازية لهرمية المجتمع التقليدي، مكونة من فئة الأغنياء الكبار الجدد، وتلحق بهم مجاميع من طبقة وسطى، مؤلفة من موظفي ومستخدمي مؤسسات النخبة الغنية وشركاتهم المستحدثة. هذه الهرمية الثانية الموازية، قد تُمنح مظاهر حريات طافية على سطح المجتمع الأصلي المتمادي في ركوده وعاهاته التقليدية. كما أن الدولة قد تبني كذلك لذاتها أجهزة إدارة بملامح تحديثية، وتقع على مسافة من الأجهزة القديمة المتروكة لبلاياها المتأصلة.
ثمة عملية خداع بصر وبصيرة شاملة تلف كياني الدولة والمجتمع معاً، تستمد (ثقافتها) ونماذج حراكها من حقبة ليبرالية مستعارة، أتقنت فنون المرآوية العالية التقنيات في عواصم ولادتها وتنشئتها التاريخانية من صيرورة الغرب نفسه. لكن في الاستعارة العربية لهذه المرآوية تغدو مرآوية مضاعفة. يزدوج الفساد المحلي الوطني بالفساد الأجنبي، مقنعاً بأدلجات الإصلاح الديمقراطي المشروط بالانفتاح الاقتصادي حسب توجيهات البنك الدولي؛كما لو أن (ازدهار) الطبقة حديثة الغنى سوف يعوض عن أية متغيرات ديمقراطية، حين تتغطى طبقة الفئات الحاكمة بزبائنها المتمولين الجدد، دونما أن تضطر إلى أية تنازلات عن سلطاتها المطلقة المعتادة، هذا مع السماح بدخول قطاعات صاعدة من أبناء الطبقة الوسطى، المؤهلين ببعض تقنيات المعلوماتية الإدارية، الوافدة خاصة مع الجامعات الأهلية الجديدة. هنالك إذن نوع من الحراك الاقتصادي الذي أصبح يعوم على سطح المجتمعات العربية، وتستوعبه تحديداً شركات التجارة والسمسرة،مع ما أصبح يسمى باقتصاد الخدمات والسياحة، وما يصاحبها من انفلات وسائل الترفيه، واجتذاب قطعان الشبيبة الشاردة إلى مقاصف اللهو والانحلال، من أبناء الموسرين الصاعدين وأشباههم. ما يوحي للمراقب والزائر أن ثمة عصراً جديداً تعرفه بعض عواصم العرب، من مظاهر الحيوية والترف والحداثة المدينية الغربية. لكن تتحول الأبصار عادة عن التعرف إلى أحوال الغالبيات العظمى من عوائل الجماعات المقهورة السادرة في أشكال الحرمان الموروثة والمستجدة.بينما معظم (سكان) المجتمع الأصليون متروكون لهوامش مجتمعهم الكبير بالذات. ما يحدث على السطح من كل شيء مجرد أورام سرطانية، خادعة بقشورها البراقة وألوانها الساطعة. إنه نموذج العوالم الكاذبة التي تستعيرها مجتمعات الفقر والتخلف لتعيش في أكذوبة واقع اللاواقع، بديلاً عن التنبه إلى قضاياها الحيوية في مختلف شؤونها العامة الممعنة في تعقدها وانهيارها، دونما أية رقابة جادة حكومية أو أهلية مهتمة بقشع أوهام الظهيرة والشروع في مصارحة الذات.
النيوليبرالية شكلت أحدث اختراع ابتدعته رأسمالية الغرب الهرمة لتجديد شبابها، والالتفاف على اكتساحات رأسماليات الشرق الصاعدة بحيوية لن تُقهر مستقبلاً إذا ما تُركت لإمكانياتها المتفجرة بفعل قوانينها الذاتية. ما يجعلها تنفك تدريجياً عن آخر أواصر التبعية البنيوية لاقتصاديات الغرب. فكانت العولمة هي الكفيلة بفرض صيغة السوق العالمي المفتوح بما يتمتع من القوى الاقتصادية الهائلة الممسوكة أصلاً باحتكارات الشركات متعددة الجنسيات. وكان أهم بضاعة مسيطرة يتبادلها السوق العالمي هذا هو المال نفسه؛ تسليع المال يلغي اقتصاد السلعة الإنتاجية الحقيقية،حين يخضعها إلى سلطة الأرقام الضوئية في شاشات الصيرفات العالمية. فالمال يصير بضاعة إنتاجاته الرقمية والورقية، يُشترى ويُباع، وتتبادله زوايا الكون الأربع على أجنحة الضوء فقط. هكذا تمكن السيطرة مجدداً على اقتصاديات الشرق الصاعدة، المعتمدة أساساً على النموذج الإنتاجي لبضائع السوق التقليدية.
لكن انفجار اللعبة النيوليبرالية في عاصمة المال، نيويورك ومركزها (وول ستريت) وما تحيط بها من الشركات الاستثمارية والبنوك العملاقة، أصاب الرأسمالية الأمريكية، ووراءها أوروبا والعالم كله، بإفلاس أيديولوجيتها التوهيمية كرديف لإفلاس ألعابها النيوليبرالية المخادعة. فلم تعد الكارثة مقتصرة على النطاق الاقتصادي. هنالك أنظمة من المفاهيم والقيم ومناهج التفكير وأنماط السلوك الفردي والجماعي أمست جميعها محل إعادة النظر باعتبارها كانت تؤلف ذخيرة الثقافة النيوليبرالية الداعمة والمروّجة لمبادئها، والتي كادت تجرف ذخائر الحضارات المعاصرة، وتقضي على معالم شخصياتها المفهومية في عين ذاتها؛ تحيلها إلى أركيولوجيا متحفية بالية منسية من قبل أصحابها إياهم. وأما الحصة العربية من قصة صعود هذه النيوليبرالية وانهيارها، فإنه يكفي أن تُعاد قراءة مجمل الحاضر العربي، ليس كاقتصاد فحسب بل كسياسة وإعلام وثقافة وأخلاق، كإنسانية معذبة تائهة، ضائعة ومضيعة، تخسر ثرواتها البشرية قبل المادية، ليس بفعل أزماتها النهضوية المستعصية وحدها، وإنما بما تتلقاه من شظايا الأزمات العالمية كذلك، إذ يكون لها دور الذيل والتابع دائماً، ودافع الضريبة المجانية عن أخطاء الآخرين وجرائمهم المصيرية، فكان مثلاً لعرب النفط أن يتشبثوا بألعاب المال كبضاعة من الأرقام وأوراق السندات والأسهم ومشتقاتها. كانوا هم من الرواد الأوائل، دون أن يدروا بما يفعلون كالعادة، لموجة الاقتصاد الافتراضي. لم تمر بلادهم بمرحلة الإقتصاد الإنتاجي، فما أن التمع نجم السوق المالية حتى كانوا من أول زبائنها وسريعاً، من أكبر ضحاياها.
أما النيوليبرالية العربية الأخرى التي استوردتها على عجل أنظمةُ الرئاسات الملكية كبدائل عن مفاهيمها التنموية العامة الفاشلة في تجاربها دون تمييز، فقد سوّقتها لدى مجتمعاتها تحت عناوين الإصلاحات الديمقراطية التي سرعان ما تناساها دعاتها اليساريون، ليصيروا من المحافظين الجدد، الباحثين لأنفسهم عن أدوار توزعها السلطات وراء أدلجة (الوطنيات) ومعاييرها القطرية المقنعة.
إنها تلك النيوليبرالية العربية البائسة، بأغنيائها وفقرائها معاً، وقد استحقت وصفها بالليبرالية الرثّة، التي لا تعرف كيف وأين تدفن حطامها اليوم، بعد أن يتخلى عنها أصحابها الأصليون الكبار في قمة الرأسمالية العالمية المتداعية.

‘ مفكر عربي مقيم في باريس
m.m.safadi@hotmail.c
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى