صفحات مختارة

كيل النعوت أسهل من فهم و تنظيف العلاقات

علي ديوب
كانت عبارة “ينظف المراحيض” معادلا قيميا تهمكيا لعبارة “يتاجر بالبراز”، نهزأ بهما ممن يعيشون في الغرب( موطن الاستغلال و التفاوت و التفكك و انعدام الكرامة..)؛ و كنا نظن أن أقصر طريق للحط من قدرهم- بدافع غيرة مستترة، أو ترفعا و رضى كاذبا عن النفس- يكون بأن نلبسهم عملا منحطاً. كأننا نلبسهم تهمة. إلى أن كشفت لي سخرية عزيز نسين، الكاتب التركي الشهير، وجها آخر للحكاية، يتسرب من تحت جلاميد السخرية الراسخة بعذوبتها و صلابتها و رهجها الخادع للبصر، تحت غلالة شفافة لمياه نبعه العميقة؛ و ذلك إثر قراءتي لقصة تاجر السماد. و هي قصة تحمل مفارقة، أو جملة مفارقات، تتخذ من مناظرة عالمين شديدي التفاوت( أمريكا و تركيا) حيال قيمة العمل و من خلال الكيفية التي يتم النظر بها لطبيعة العمل. فيرسم، لتجسيد المفارقة الحادة، مسارا لشخص تركي مهمش، و ينتمي لوسط مهمش لا يملك ما يفاخر به غير القيم المتوارثة، يهرب إلى أمريكا بحثا عن لقمة عيش. و هناك لم يكن صاحبنا ليجيد أو يجد ما يحميه من مزيد من الشظف غير فعلة دنيئة، تتصادم مع تربيته و ثقافته و كل القيم التي تربى عليها، لكنه فعلها لحسن الحظ، قبل سنين من عودته إلى أهله و أقربائه الذين أحاطوا به، و راحوا يباركون له بهذا العزّ الذي بلغه؛ فمن طلب العلا سهر الليالي؛ و يسألونه: بربك أخبرنا ما عملت حتى رفعك الله و أيدك و أغناك؟ فما كان منه إلا أن يجيب لا صدقا و لا كذبا، لكي يتخلص من إلحاح لا يطيقه، قال: بالخرى!. و لكنه وجد نفسه يغوص أكثر في خضم فضولهم المتعرش عليه حتى ليكاد يخنقه، خاصة و أنهم شلوا قدراته و قيدوه ببالغ التقدير و الحياء و الانبهار.
لا أذكر نهاية القصة النيسينية التي ربما تغيا الكاتب منها تهكما أشد من القيم الأمريكية التي تنبهر بالغريب و الشاذ و اللامتوقع؛ و هو ما تمكن قراءته في النقلة التي أحرزها بطل القصة، الذي تحول إلى واحد من الأسماء المعدودة عالميا، في أعقاب قفزة مفاجئة من شبه متشرد إلى (ملك السماد)، بعد أن أسس شركة للسماد، انتشرت على مساحة أمريكا، ثم صار لها فروع حتى خارج الولايات المتحدة الأمريكية. أما الغريب و الشاذ و اللامتوقع فقد تمثل هنا في حركة شبه جنونية، كان قد قام بها البطل في لحظة من عمر كانت هي الأسوأ على الإطلاق، حين كان يتشرد في موقع شهد مهرجاناً مفتوحاً، على مساحة شاسعة، ضم الآلاف من الزبائن و الفضوليين و المتسكعين.. يتوفر فيها ما لا يحصى من مختلف المنتوجات و أنواع المهارات و الألعاب.. الخ، فقام، و هو الذي لم يكن ليملك شيئا، بالتبرّز في مكانه. ثم غطى برازه بما تيسر، و اندفع ينادي على بضاعته: قرب الفرجة بدولار. فكان أن استقطب أغلب الزوار، نظرا لما كان يصيب السابقين من صدمة توقعهم في نوبة من الضحك الصاخب، تتحول إلى خير دعاية للرجل في تقاطر لاحقين، سرعان ما يتحولون بدورهم إلى عامل استقطاب يغوي سواهم في أن يحظوا بفرجة تمنحهم كل هذه المتعة. و تكر الحكاية: يوظف الرجل غلة يومه بتطوير مبادرته، فما أن يشتري خيمة بطبال للدعاية، حتى يجد أن النجاح يستدعي نقل التجربة إلى غير مدينة، بعد أن تصبح مهنة رائجة، يمتلك حقوقها، ثم يقوم بتوسيع المهنة إلى منشأة إنتاجية للسماد.. و هكذا.
لا أريد أن أفرض قراءتي على غيري، و لكن القصة مثلت لي وقفة في ما يمكن أن أسميه الثقافة المقارنة- على وزن الأدب المقارن- بما تمثله ثقافة البطل المهاجر من قيم جامدة، لا يزال يشعر بقزامته تحت تأثيرها( بعد عودته)، رغم المكانة التي أحرزها عالميا، و ما تمثله الثقافة الأخرى من انفتاح على كل غريب و جديد، بلا حدود و لا قيود.
لا أظن أن مجرد قصة، مهما بلغ إيماني بها، كانت كافية لوقوفي من مهنة الشخص موقفا شبه محايد، و تركيز اعتباري له على كيفية قيامه بعمله. و هذا ما جعلني أنشر تقريرا مصورا عن عامل نظافة في دمشق كان يقوم بعمله بإخلاص، اعترفت بأنه يصلح درسا لي و لغيري.
و لم أعد اليوم، و انا أعايش الثقافة الغربية عن قرب، أجد منظوري هذا فرديا. حيث أجد تقدير الناس لي و لسواي موفورا، و حماية القانون للجميع قائمة، دونما أي اعتبار لنوع العمل الذي أقوم به، أو للعرق الذي أنحدر منه. تماما كما هو موقفهم بعضهم من بعض. مع أن هذه الحقيقة التي أدركها بالعقل، أخطئها بالحس و السلوك التلقائي؛ فما أن تعبر سيارة بوليس بقربي أو حتى سيارة سوداء، من النوع الذي يقشعر له البدن في بلدي، حتى تعتريني قشعريرة، و لكن لحسن الحظ عابرة سرعان ما تزول.
و لم تعد عبارة تنظيف المراحيض تصلح للسخرية من أحد، بل إن استخدامها كنوع من السخرية هو الأمر المخجل هنا. فالتنوع الشديد للأعمال، و الغرابة المدهشة لبعضها، يجعلها نوعا من البضاعة المعروضة في مهرجان، يمكنك أن تحولها إلى مصدر متعة، يدخل فرحا إلى القوب ربما تعجز عنه الأعمال الفنية. وهذا بعض ما يفسر شعور المواطن الغربي بالثقة في نفسه، أياً كان موقعه، و مهما كان عمله.
دافعي لكتابة هذه الكلمات، نجم عن تأثير مقال للدكتور أحمد برقاوي، منشور في جريدة الثورة السورية، صباح الأمس الثلاثاء، بعنوان (الغراعبة)، و الغرعوب هو صفة ولّدها الكاتب من صفتي غربي و عربي، كما يقول، اشارة الى” كائن بشري عربي من ذكر أو أنثى يعيش انفصاماً في شخصيته فلا تدري أمنتم هو لثقافة الغرب أم لثقافة العرب”. و بعد أن يضرب لنا مثالا عن النوع الأول من الغراعبة و يصفه بأنه يدعو الى القرف، ينبهنا إلى أن هناك نمطا من الغراعبة يدعو الى التقيؤ، ثم يبلغ ذروة عداوته بالإشارة إلى الصنف الثالث، و الذي يصفه بأنه” أسوأ انواع الغراعبة طراً، و هو الغرعوب المثقف الذي يشعر بالدونية تجاه كل ماهو غربي حتى ليكاد يلحس لعابه”.‏ كل هذا الزخم النعتي في مقالة قصير تقل عن خمسمئة كلمة؛ وهي لغة ما عهدتها بأستاذ فلسفة مثل برقاوي، ربطتني به علاقة ودّ، لم تنقض، عهدته خلالها باحثا مجتهدا، و محللا ألمعيا ينشغل بتوليد الأفكار لا النعوت.
لكن الصدمة التي آلمتني حقا، في مقالة الأستاذ برقاوي، لم تكن في كل ما تقدم به من أوصاف و نعوت، تندرج تحت عنوان الرأي، و إنما نجمت عن تلك الخاتمة التي انتهى إليها. و هي خاتمة تحريضية لا تختلف عن مثيلاتها في لغة الخطابة، سواء جاءت من متشدد في الدين أو في أية عقيدة، في بلد يشكون من غلبة لغة الخطابة للغة العقل، و طغيان مبدأ الشحن و استثارة الغرائز على منطق الحكمة. و لعل تسطير الكاتب لخلاصته بلغة النبوّة يضعها في مرتبة اللغة المنزهة، و المكتفية بحقيقتها المسكتة لكل لغة؛ يقول الدكتور أحمد: “والحق ان غريزة القتال سرعان ما تستيقظ لدى الوطنيين الممتلئين بالكرامة الوطنية، وهم يشاهدون الغراعبة هؤلاء، وبخاصة اذا كانوا من الصنف الثالث(.‏.)أن من يشعر بالدونية تجاه الغربي ويسيل لعابه أمام مواقده، ولايملك حس الاعتزاز بانتمائه، والفخر بكرامته هو مشروع خائن بامتياز.‏”
أظن أن ثقافة التنوع هي أبرز الصفات التي تميز الغرب، و بما تكون سبب تقدمه و ازدهاره، و أيضا تحليه بالديمقراطية، كأرقى ثمار التنوع، بما هي كسر للاحتكار و والاختزال و الوحدانية والمصادرة و الإلغاء. و لو كنا قدوة صالحة للغرب لأوقع العقاب بمن يختارون الإسلام من أبنائه، و لسلخهم ليس فقط من مواطنيتهم، بل و من ديارهم أيضا.
——————-
(*) صحفي سوري يقيم في بريطانيا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى