صفحات العالمقضية فلسطين

المقاومة بين غلوّ الخطاب وبؤس الواقع

ماجد كيالي
كل شيء ممكن ومباح، في السياسة العربية السائدة، إذ ثمة ذرائع، أو «فتاوى»، للشيء ونقيضه، في آن. هكذا اختزلت المقاومة، التي يفترض أنها تعبر عن رفض الشعب للاحتلال بمختلف الوسائل الممكنة، بمجرد عمليات مسلحة. وبعد أن باتت هكذا عمليات متعذّرة، بالنظر للقيود الموضوعة عليها، والتبعات الناجمة عنها، اختزلت المقاومة، مرة أخرى، بمجرد خطابات، أو بمجرد التعبير عن النية باستمرار التمسك بالمقاومة، في مهرجانات ومناسبات!
وتنمّ خطابات المقاومة المسلحة، وهي باتت بمثابة خطابات أيدلوجية مطلقة ومغلقة ومتعصبة، عن مكابرة، وعن إنكار للواقع، وعن فعل تحريم وتقديس. ففي خطاب المكابرة، فقد انتصرت مقاومتنا المسلحة، مثلا، في غزة (في حملة «الرصاص المصهور»)، رغم كل ما فعلته هذه الحرب المدمرة بأهل غزة، وبرغم غياب أية قدرة من قبل جماعات المقاومة على صد العدوان الإسرائيلي الهمجي.
ولجهة الإنكار فإن خطاب المقاومة يرفض الاعتراف بواقع تدهور حال المقاومة، وتدهور حال مجتمعها، ويرفض الاعتراف بمحدودية القدرة على التأثير على إسرائيل، إلى الدرجة التي تضطرها لتقديم تنازلات سياسية. وهذا الخطاب الإنكاري يرفض، أيضاً الاعتراف بتراجع قدرات المقاومة، بتأثير ردود الفعل الإسرائيلية الهمجية، وضمن ذلك تحول حركة حماس نحو التهدئة، إلى درجة أنها فرضت ذات الأمر بالقوة على مختلف القوى في القطاع، بما يخالف توجهاتها السابقة، التي ناوأت عبرها حركة فتح، واتهمتها بالتخاذل. فحتى هذا التحول يحتسب في خطابات المقاومين ضمن التراجعات التكتية والمقصودة، لأن المهم استمرار إرادة المقاومة!
وتحاول خطابات المقاومة المسلحة حجب تدهور وضعها، وتراجع دورها، بالاستعلاء على المساءلة والنقد، باستخدام لغة التحريم والتقديس، وعدم قبول الرأي الأخر، والتصنيف المسبق لأصحابها باعتبارهم متخاذلين، أو متواطئين.
هكذا، وبعد أن كانت وسائل إعلام حركة حماس تروج لحقها في الحسم العسكري في غزة (2007) ولاستمرار انقسام الكيان الفلسطيني، وتعثر جهود المصالحة، وإلى وجود طرف فلسطيني (يتمثل بقيادة فتح والسلطة) مساوم ومفرط، وحتى في بعض الأحيان متواطئ مع العدو (وضمن ذلك اتهامه بالتواطؤ في الحرب على غزة في حملة الرصاص المصهور)، إذا بقائد هذه الحركة يتحول فجأة لدعوة الرئيس أبو مازن (وهو قائد فتح ورئيس السلطة) للالتقاء به والتوقيع على اتفاق المصالحة؟ فأي الموقفين لحماس يمكن أن نعتمد؟ وأيهما اصح: تخاذل السلطة أو تواطؤها، أم التراجع عن ذلك واعتبارها ضمن الصف الوطني؟
ومعلوم أن خطاب التحريم والتقديس يضفي نوعاً من القداسة على المقاومة، ما يجعلها محرمة على البحث والمساءلة والنقد والمحاسبة، على رغم أن هذه المقاومة هي عمل من أعمال البشر كما قدمنا، وأعمال البشر تحتمل الخطأ والصواب، والسلبي والايجابي، وما هو سيء وما هو جيد، كما تحتمل الغلو والمبالغة وعدم التمييز أو المفاضلة بين الخيارات والممكنات، كما المفاضلة بين الكلفة والمردود.
المشكلة، ايضا، أن كل ذلك يحدث في واقع نشهد فيه على ضمور المقاومة الشعبية للاحتلال، وانحصار المقاومة في مجرد جماعات مسلحة، وفي وضع تسود فيه الارتجالية والعفوية، وليس فيه أي محاولة لدراسة الجدوى في انتهاج المقاومة المسلحة، في هذه المرحلة أو تلك، والذي تتسبب بردات فعل إسرائيلية كبيرة، تفوق قدرة المجتمع الفلسطيني على التحمل (لاحظ التجربة منذ العام 2001 وحتى الآن).
الأدهى من كل ذلك أن خطاب المقاومة المسلحة يحجب في الحقيقة تحول هذه المقاومة إلى نوع من سلطة في مجتمعها، على حساب وضعها كمقاومة للاحتلال، وهو وضع يريح (كما نشهد) الاحتلال ذاته، لأنه يصرف طاقة المجتمعات الخاضعة للاحتلال عن مواجهته، ويجعلها نهباً للصراعات السلطوية الداخلية. بمعنى أخر فإن هذا الخطاب، بدعوى الحرص على المقاومة المسلحة، يسكت عن تفشي ظاهرة العسكرة، ما يؤدي إلى الميل للقبول بإغواء استخدام السلاح في حسم الصراعات الداخلية، وفي تحديد المكانة في موازين القوى بين الفصائل الفلسطينية، ما يعني استخدام سلاح المقاومة في غير الغايات المفترضة له.
واضح أن خطاب المقاومة المسلحة يلعب على الغرائز، والعواطف، أكثر من اعتماده على فعل واعي ومنظم، ودليل ذلك أن هذا الخطاب يتناسى واقع المجتمعات العربية (وضمنها المجتمع الفلسطيني)، حيث ضعف العمل العام والقيود المشددة على المشاركة السياسية، وحيث ثمة سلطات تقبض بيد من حديد على المجال العام. وفي واقع هذا حاله إذن، فكيف يمكن الحديث عن المقاومة المسلحة، أو عن مجتمعات هذه المقاومة، وليس ثمة أية صلة (خارج الخطابات والعواطف) بين هذه المجتمعات والعمل العام، وضمنه العمل السياسي؟
طبعاً، ثمة إلى جانب ذلك كله تساؤلات أخرى تتعلق بطبيعة المقاومة، توقيتها، أهدافها، تماوجاتها، شكل استثمارها السياسي، ومدى تناسبها من إمكانيات واستعدادات المجتمع، بمعنى أن المقاومة، بكل إشكالها، هي حالة فعل ينبغي الاحتياط لكل الإشكاليات المتضمنه فيه والتداعيات المنبثقة عنه.
أخيرا، وبعيداً من الخطابات التصنيفية، السطحية والإنكارية والظنية («أن بعض الظن إثم»)، فإن هذه التساؤلات هي جد عادية، بعد كل هذه التجربة، وبعد الثمن الباهظ الذي دفع فيها، لاسيما إذا قارناها بواقع تدهور حال المقاومة المسلحة. وبحسب تقرير لجهاز الأمن العام الإسرائيلي»الشاباك» فإن العام 2009، هو الأهدأ منذ بدء الانتفاضة الثانية. فقد أدت عمليات المقاومة في هذا العام إلى مصرع 15 إسرائيليا، «تسعة منهم في حملة «رصاص مصبوب» في قطاع غزة..خمسة آخرون (فقط) قتلوا في عمليات مصدرها الضفة الغربية».. وبالمقارنة مع الأعوام الماضية، فقد قتل في هكذا عمليات 36 إسرائيليا عام 2008 و 13 إسرائيليا عام 2007، و30 إسرائيليا عام 2006، و56 إسرائيليا عام 2005، و117 عام 2004، و208 عام 2003، و452 عام 2002، و207 عام 2001. (عاموس هارئيل، «هآرتس»، 12/31).
وعلى ضوء هذا التدهور ألا يجب أن نطرح تساؤلات عن واقع المقاومة المسلحة، وعن إدارتها لوضعها، وعن صوابية زج إمكانياتها دفعة وحدة في مرحلة معينة (2002ـ2003)، وعن وقوعها في دائرة الاستدراجات الإسرائيلية لاستنزافها ورفع كلفتها؟ ألا يحق لنا أن نسأل بعد كل هذا الدمار، وهذا الدم المسفوك، وهذا الحصار الذي يحيق بمليون ونصف مليون في قطاع غزة، أين كنا وأين أصبحنا؟ ولماذا لايوجد لدينا في الساحة الفلسطينية أية جهات تراجع وتقيم وتسأل وتحاسب، وتصوب وترشد؟ وإلى متى هذا الإنكار للواقع البائس الذي بات يحيط بقضية فلسطين وشعبها؟
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى