صفحات العالمما يحدث في لبنان

مسـألة أخـلاق!

سليمان تقي الدين
يقوم الفكر السياسي اليوناني، وهو أبو الفلسفات السياسية الكبرى في التاريخ، على الجمع بين المعرفة والأخلاق، اللذين بدورهما يؤديان إلى الحكمة أو الفضيلة. وحدها «النفعية» هي التي جعلت من السياسة مرادفاً لأي عمل تجاري، الذي يستهدف الربح بصفته القيمة الأساسية.
عندما كنا ننتقد الممارسة السياسية في لبنان، في منتصف القرن الماضي، كنا نصفها «بالمركنتيلية = التجرلية» وننسبها إلى إرث الحضارة الفينيقية. ما كان في الماضي شواذاً أصبح اليوم قاعدة. لقد صارت لدينا بعد الحرب طبقة سياسية تجمعها الصفة «النفعية» وتنبذ الأخلاق من قاموسها.
في واقع الأمر أنتجت هذه الطبقة صيغة للنظام أكثر ما رذلها الفكر اليوناني حين أطلق عليها صفة «أولغارشيا» أي حكم الطغمة. يختلف حكم الطغمة عن حكم المديرين أو حكم الجماعة في أن المصالح وحدها ما يتشارك فيه هؤلاء ويتقاسمونه. هو بهذا المعنى دكتاتورية جماعية أو شمولية مصلحية، يجتمع وينفضّ حسب الحاجة، كما تنعقد مجالس المافيا لمعالجة نزاعاتها.
منذ أربع سنوات رقصت الطبقة السياسية على حبال مشدودة وغامرت وقامرت بمصير لبنان. من كنا نعتقد أنهم رموز اعتدال وأصحاب أفكار ومبادئ انجرفوا في ما اعتبروه السوق الرائج. تهافتوا على السلطة الجديدة لأن العالم تغيّر. بعضهم كان مستعداً أن يجلس على كرسي ولو احترق المسرح من أركانه. بعضهم حوّل ثقافته الدستورية إلى بقالة أرخص من الفجل. بعضهم لعبها «سولد» بمصيره ومصير جماعته. بعضهم تحوّل إلى زجّال ينظم بالأجرة مدحاً وهجاءً.
من نافل القول إن طبيعة الحياة تفرض التغيير والتطور. وإن من لم يتطور فهو ليس في عداد الأحياء. ومن نافل القول إن السياسة هي «فن الممكن» وإنها يجب أن تواكب المعادلات وتوازنات القوى. لكن ما نحن فيه من بلوى غير ذلك، حتى الأحزاب «العقيدية» الجامدة عند حروف شعاراتها ذهبت في السياسة إلى حيث لا يجرؤ الآخرون.
حرب الخنادق السياسية في لبنان ألغت الجبهات الكبرى. لقد جاءت الانتخابات تخلط الأوراق و«خلط الأوراق» من ثقافة السياسة اللبنانية. ما كان «محوراً إقليمياً خطيراً» صار عمقاً استراتيجياً، ومن كان صديقاً أليفاً صار مصدر الشر ومنبع الغدر. ومن كان حليفاً صار شريك فراش فيه أكثر من حلم واحد. كل ذلك يهون لولا لعبة الدم التي تميّز السياسة في لبنان منذ كانت هذه الجمهورية القلقة.
في عهد الإقطاع كان يقال إن السياسة هي المؤامرة التي تختبئ داخل القصور بين الحاشية وبين الأقرباء. وكانت السفالة تتجسّد في القتل وقطع الأيدي وسمل العيون وقطع الأعناق والخيانات بأشكالها المختلفة. لكن كانت للإقطاع قواعده المتعلقة بالفروسية وبعض أشكال المبارزة والمواجهة. في عصر الرأسمالية اختلفت فقط وسائل القتل وأدواته.
قيل إن الفلسفة «المادية» مناقضة لعالم الروح والمثل والفضيلة والأخلاق. أهم فلسفة مادية صوّرت العالم لنا «طوبى» أو مدينة فاضلة، وسعت إلى بناء ما أسمته مجتمع الفنانين. طبعاً قصدت الفنانين الموسيقيين والرسامين والشعراء ولم تقصد النجوم الصاعدة اليوم.
جاء قانون الانتخاب الحديث في لبنان يسمح للمرشح أن يصرف مئة وخمسين مليون ليرة كقاعدة أخلاقية. تصوّروا كم بقي لدينا من أخلاق. ما أحلى بخلاء الجاحظ!!
في العالم الديموقراطي الدولة تموّل الحملات الانتخابية. الانتخاب حق دستوري وواجب وطني. أكثر ما تضج به ساحة الانتخابات عندنا شعارات الإصلاح والتغيير. التغيير الوحيد الذي طاول اللوائح المتنافسة هو استبعاد الإصلاحيين والمعتدلين والمحاورين. في مكان ما تمت صفقات تحت الطاولة بين الخصمين اللدودين.
الهاجس الأكبر لدى زعماء اللوائح كسب المزيد من المقاعد. من عيوب الديموقراطية المعروفة أنها لا تأتي بالنخب إلى التمثيل الشعبي. لكن من عيوب «ديموقراطيتنا»، أنها لا تأتي بغير الزعيم والأتباع. الحياة السياسية اللبنانية سائرة القهقرى. القامات السياسية التي شهدناها في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي لم يعد لمثلها أي موقع داخل البرلمان.
القانون المناقض للدستور، المزوّر لإرادة اللبنانيين، والمال السياسي الذي يجهز على الحريات يلغيان الديموقراطية اللبنانية تماماً. من يستطيع أن يرد الأمانة الوطنية لأصحابها في بلد تخذل كل سعي إصلاحي مسألة الأخلاق!
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى