صفحات العالمما يحدث في لبنان

من يأبه للانتخابات (النيابية اللبنانية)؟

نهلة الشهال
رغم المحاولات الحثيثة لتعظيم مكانتها، من حاسمة ومصيرية… إلى آخر تعابير التشديد والتهديد، لم ينفع التسخين وبقي في الجو طعم رخاوة يصاحب عادة التمارين المألوفة. لعل السبب يعود إلى اعتماد قانون عام 1960، أي ترتيب مضى عليه نصف قرن، وهذا بحد ذاته مثبط للخيال، بحكم العِتْق إن لم يكن لسبب آخر، وهو موجود. فالقانون إياه يعتمد القضاء وحدة انتخابية، أي أصغر الدوائر الإدارية وأكثرها تطابقاً مع علاقات الوجاهة البدائية بكل محاميلها، كأشد وسيلة لإعادة إنتاج روابط الزبائنية المتبادلة بين الناخبين وممثّليهم، وكآلية لضبط الانتماءات ضمن سقف مناخ عام متخلّف بصورة صادمة (وخصوصاً في بلد يدّعي الريادة الثقافية). وهذه الشروح ترد هنا لغير اللبنانيين من القرّاء، على فرض أنهم سيصلون إلى هذا السطر من المقال رغم عنوانه وما تسببه لهم الأخبار اللبنانية ـــــ حين تكون متعلقة بالشأن المحلي ـــــ من ضجر عظيم.
هل كان تجاوز ذلك ممكناً من ضمن الشروط القائمة في البلد، أي طغيان الانشطار الطائفي على كل ما عداه، وقدرته الفائقة على استيعاب كل زوايا النظر والمصالح الأخرى، وتوظيفها في تعزيزه؟ نعم، لو تصرف الحزب الشيوعي وحزب الله بطريقة مختلفة.
لو تحالفا أولاً. ليس من منطلق توازن كتلتيهما الناخبتين، بل كنواة للقاء عصبُه الجامعُ فكرة المقاومة وتاريخ ممتد لممارستها. لو حدث، لتحصنت الفكرة والممارسة، كلتاهما معاً، بما يستقل عن انتماء المقاومة الفكري الذي يطغى عليه في كل حقبة طابع. ولكان ذلك تجسيداً لإحدى ألمع خطب السيد حسن نصر الله منذ عام، مشيراً إلى هذا المفهوم تحديداً. وهذه مصلحة سياسية متبادلة، لا طوبى ولا عواطف. مصلحة يجد فيها حزب الله حسبته أكثر من المنافع العائدة على الحزب الشيوعي: لأنه اليوم قائد المقاومة، ولأن هذه تتعرّض لحملة شعواء تنعتها بالطائفية (الشيعية)، وبخدمة أغراض إيران الإقليمية، وبالانتماء إلى مخطط سياسي وفكري عام يريد فرض حالة إسلامية على المنطقة بذريعة مقارعة إسرائيل. فأي دحض أقوى من حضور الفصيل اليساري الأبرز في المنطقة العربية حليفاً لحزب الله. وفي هذا تكافؤ قوى يعوِّض فيه المعنى المكتسب اختلال الكم بينهما. وفيه رسالة سياسية ذات محمول دولي. فلو كانت مصلحة تحصين المقاومة هي المقياس، لبدا ذلك السلوك بديهياً، ولأمكن تجاوز اعتبارات الايدولوجيا. وفي تاريخ المقاومات عبر العالم نظائر لذلك، حيث التقت فصائل دينية ويسارية لم يكن ليجمعها جامع.
ثم لكان لذلك التحالف أثر في الدفع باتجاه صياغة تصوّر ـــــ معقّد بالقدر الكافي ليقارب الواقع ـــــ لمستقبل النظام السياسي والاقتصادي للبنان، أي يتضمّن عناصر جدية لكيفية «الخلاص من نظام الطائفية السياسية». وهذا فاتحة تأليف نواة صلبة تتجمع حولها على امتداد لبنان من أقصاه إلى أقصاه كل أطياف القوى ـــــ بل والأفراد ـــــ التائقين إلى ذلك الأفق، والذين سيجدون أمامهم حقلاً يتيح لهم انفتاح قوسيه التماهي معه إلى حدود كبيرة. أما تحالف حزب الله مع الجنرال عون مثلاً، على أهميته السياسية المباشرة، فيبقى ضمن منطق الصفقات الطائفية: في أفضله، تجديد لصيغة تعهدات الميثاق الوطني عبر الممثلين الصاعدين أو المتجددين للطائفتين المسلمة والمسيحية في لبنان. وفي أبسطه، تطبيق لحسابات مصالح آنية. وفي الحالتين، لا تحدٍّ! وهو شبيه بتحالف سعد الحريري مع سمير جعجع.
في مسلكهما السياسي ثانياً، وبغض النظر عن قيام ذلك التحالف. فقد تأخر الحزب الشيوعي كثيراً في إطلاق حملته الانتخابية، وهي هنا لا يمكن أن تكون مجرد رفع عتب وإثبات وجود. وكان يفترض به أن يبلور، بنقاش وطني ممتد، تصوراً شاملاً لما يدعو اللبنانيين إلى النضال من أجله، وأن يتحوّل هذا المسار إلى مطالب محدّدة تحملها بيئة قائمة في لبنان أو قابلة للكسب. ولعلّ ذلك ما كان بمقدوره أيضاً تجاوز التشرذم والتنابذ الغالبين على الحالة التقدمية التي لم تجد بعد لنفسها إطاراً ولو أوّلياً للّقاء، وهذا بحدّ ذاته من علامات المرض. أمّا حزب اللّه، فقد أرفق إعلانه لمرشّحيه ببيان سياسي «مستعار»، يحوي خلطة لا أساس لها (بمعنى لا عمق وجذور) في ما يملكه من مفاهيم وتحليلات فقيرة على نحو مفجع. والاستعارة السطحية هنا عاجزة عن معالجة الخلل بالمعادلات التقليدية لنظام الطائفية السياسية الذي يمثّله حجمه وسلاحه ونهجه، فيصبح مصدراً لأزمة حادّة دائمة لذلك النظام، وإن بقيت مضبوطة أحياناً. ولكنها أزمة من ضمن آليات اشتغال هذا النظام، ممّا يجعلها في الآن نفسه، عقيمة (عاجزة عن تجاوز إطار النظام)، وشديدة الخطورة (مفتوحة على الحرب الأهلية).
هكذا قضي ـــــ هذه المرّة أيضاً ـــــ على مساحات الحلم!
الأخبار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى