صفحات ثقافية

قراءة في سيرة ادوارد سعيد الذاتية: عليك أن تكون نفسك أيها الفتى!

null
عبد الرزاق القلسي
الكتابة ضد الموت، الكتابة ضد النسيان، الكتابة معاناة وألم يطفوان على سديم الوعي كلما أوغل الانسان بعيدا في الزمن أو ابتعد عن المكان .هي لحظة مكاشفة شعرية بامتياز فيها تتجلى الذات للذات بكل صدقها وعنفوانها خاضعة لأحكام الواقع أو مقاومة لالزامات المجتمع، حالمة بالذي يمكن أن يأتي ومتنبئة بالمصير الذي تسعى لكي تتعالى عنه.
هكذا تبدت لنا سيرة المفكر الأمريكي الفلسطيني الأصل ادوارد سعيد (1935 – 2003) من خلال كتابه المؤثر ‘في غير مكانه’. فهو، حين استشعر قرب الوفاة ودنو الأجل، دون ماضيه وحاضره وأدلى بشهادته، أديبا بارزا،

ومفكرا عبقريا، وقبل ذلك وبعده، انسانا تمرس بالغربة وعشق الوطن عشقه للمنفى، واستبدت به عقلية الانتماء الى الجذور، الى الأرض الأولى، الى الحاضنة الطبيعية التي شكلت وعيه وتفكيره، الى فلسطين، والى القدس بوجه خاص.
المفرد والجمع في السيرة الذاتية
ينتمي هذا الكتاب ـ في بنيته الأجناسية- الى السيرة الذاتية. ولكن هل هي سيرة رجل واحد، وهو يصف لنا أو يسرد علينا ترحاله عبر الجغرافيات، القدس، القاهرة، لبنان، أمريكا؟..أم سيرة أسرة مقدسية صودرت أملاكها وانتزعت انتزاعا بقوة القانون الدولي، ووجدت نفسها مجبرة على الترحال والمنفى؟ أم هي في الأخير سيرة وطن كان عرضة ـ بحسب توصيف السياسي التونسي البارز الحبيب بورقيبة- لأكبر مظلمة في القرن العشرين؟
ان كتاب ادوارد سعيد ‘في غير مكانه’، شأنه شأن كتب السير والتراجم، يتحدث عن المؤلف ذاته وعن تجربته في الحياة ورؤيته للأشياء ولكنه في تقديرنا لا يجعلها أهم الذوات، رغم أنها اسلوبيا واحصائيا الاكثر حضورا
في المشهد الاوتوبيوغرافي والأكثر استقطابا في عملية القراءة.
اننا نرى أن هذا المفكر يتحدث عن الآخرين، وتحديدا عن الأب .فصورة هذا الأب في هذا الكتاب محورية وهي تجسيد لأي أب شرقي ـ مهما كان دينه- عليم بأحوال أسرته متدخل في مصائرها بأبوية.
ولكن ما يأسر الانتباه حقا هو في تعبير ادوارد سعيد عن ضربين من العلاقة اِزاء هذا الأب، علاقة الافتتان والانبهار، وعلاقة التنافر والتباعد وهاتان العلاقتان متداخلتان ويصعب الفك بينهما .فالأب محارب أمريكي ولأجل ذلك اكتسب الجنسية الأمريكية وأورثها ـ بحكم القانون – الى ابنه الذي ولد أمريكيا قبل أن تطأ قدماه أرض أمريكا. كما أن هذا الأب جسد بصورة غاية في النموذجية حقيقة الحلم الأمريكي فهو قد أبحر الى العالم الجديد بصورة غير مشروعة ثم لما وطئت قدماه الميناء هرب في اتجاه الترامواي قاصدا آخر محطة والتي هي في الآن نفسه عنوانه الأخير. وهناك لم تبدأ رحلة الضياع والغربة وانما رحلة تحقيق الحلم الأمريكي لمهاجر فلسطيني لم يكن يحمل معه سوى تذكرة ركوب القطار.
من هناك يبدأ التاريخ الاجتماعي لهذه الأسرة، ومن هناك يبدأ مجدها الاقتصادي والمالي سواء بين الجالية العربية أو خاصة في محيطها الفلسطيني في الحقبة التي سبقت سنة 1948 أو في فضائها العربي (لبنان ومصر)بعد اخراجها من القدس والاستيلاء على أملاكها وعقاراتها.
الا أن ما يمكن أن ننتبه اليه هو في هذا ‘البعد المقدسي’ الذي كان يحكم سلوك الأب وديع سعيد فهو قد نظم حياته وأدار أمواله بطريقة تجعل زوجته ‘هيلدا بدر’ تنجب ابنها ادوارد في القدس الشريف وليس في مكان آخر كأنما كان مسكونا بهاجس غامض وخوف خفي من أن يأتي أحد يوما ما ويشكك في سردية ميلاد ابنه في القدس الشريف.
نستطيع الجزم بأن القيم التي غرسها الأب في ابنه هي قيم أمريكية، ولكن بلسان رجل شرقي، مقدسي، وفي زمن كانت فيه أمريكا الفردوس الموعود لكثير من العرب المشارقة في العشرينات والثلاثينات من القرن العشرين . وأولى هذه القيم ‘أن تكون نفسك أيها الفتى’ وان تكون على مسافة معينة مع الآخرين خاصة في المعاملات المالية والنقدية بل ان هذا الأب لم يكن يخفي رغبته في أن يتمثل ابنه النظرة الامريكية المخصوصة للمال والتي تنهض في فلسفتها العامة على مبدأ الاعتماد على القدرات الذاتية في صنع الثروة وليس على ميراث يأتي من جهة الأب والأم حتى وان كانا شديدي الثراء.
لكن يبدو لنا أن قوة حضور الأب تتجلى في مستوى آخر هو مستوى الوعي الاستباقي بأهمية تعليم ابنه في أرقى المدارس الخاصة سواء في القدس أو في القاهرة أو في لبنان .فالتعليم ليس دروسا ومناهج ومقررات فحسب وانما هو عقل يتشكل وأسلوب حر في التفكير يبنى، وهذا ما كان وديع سعيد يسعى اليه عبر ذلك النموذج من التربية.
ان صورة هذا الأب تصبح، بتقدم عملية القراءة، مدار السيرة الذاتية ومناط حركة السرد ولأجل ذلك انتبه الوعي الأوتوبيوغرافي الى التحولات التي شهدتها هذه الشخصية على ايقاع التحولات التاريخية المتسارعة والمحكومة بنوع من الحتمية القاهرة والخفية في آن.فهذا الأب قد كف عن نشاطه وحيويته وأصبح منذ الأربعينات يؤثر الصمت والعزلة، فمن خلاله يستشعر الراوي أن خطرا ما يتربص بالجميع، وأن هناك اعصارا قادما لا راد له.
سيشهد الأب نوعا من الاكتئاب الجسيم وهو يرى تغير المشهد البشري الفلسطيني بحلول أمواج من اليهود القادمين من كل صوب وفي تلك اللحظة سينشأ في نفسه احساس اللاجىء والمغترب حتى قبل الاضطرار الى اخلاء منزله في سنة 1948 وذلك طبقا لقرار التقسيم الصادر في السنة ذاتها.
هذا الكتاب يكشف ـ عبر صورة الأب ـ بداية التغريبة الفلسطينية. وقد بدا لنا أن وديع سعيد قد أيقن بأنه لا أمل في مقاومة الاعصار القادم وأن لعبة الأمم أقوى من ارادة الافراد ولأجل ذلك نلاحظ انه في سبيل التعويض عن الخسران الكبير قد راهن على ابنه رهانا لا حد له ولذلك تحول الكتاب الى نوع من السيرة التربوية للفتى في القدس ثم في القاهرة ثم في لبنان وأخيرا في أمريكا، وتنهض على قيم ثلاث وهي الانتماء المقدسي الأصيل بثوابته المسيحية والشرقية، الافتتان بالنموذج الأمريكي بمتغيراته النفسية والانسانية وأخيرا الحذر من العالم المحيط مع الانخراط الى أبعد مدى في التعامل معه.
تلك هي اذن صورة الأب في سيرة ادوارد سعيد .هذا الرجل كان أبا حقيقيا، ولكنه لم يكن صديقا للابن، فلقد وجد ادوارد سعيد في أمه نموذجا للمرأة الشرقية الصديقة وكاتمة الأسرار. ففي البيئة الشرقية، يخلو الفضاء الاجتماعي
– أو يكاد- من وجود المرأة، فلا بديل عن الأم التي تغدو رمزا لكل ما هو جميل وفاتن. ويعترف الكاتب أن أمه قد أودعت فيه أجمل ما في الكون، عشق الموسيقى الكلاسيكية، مثلما أودعت فيه قيم الصبر والفضيلة وعشق الحياة. ولعل أصولها اللبنانية العريقة هي التي ألهمتها تربية ابنها على هذا النحو.
في كل مرة يرد الحديث عن أمه ‘هيلدا بدر’، يبدو الكاتب مسكونا بهاجس البحث عن ‘شجرة العائلة’، عن الامتداد العمودي والافقي في القدس وبيروت ودمشق ومنطقة الشام كلها، فقد أدرك أن تاريخ الأسرة يزيد عن 200 سنة، ويبدو أن أسرة ‘بدر’ تمثل في الديانة المسيحية في الشرق ما تمثله أسرة ‘الحسيني’ في الديانة الاسلامية. ولكن ما يهمنا أكثر هو هذه العراقة التي حرصت الأم على ايداعها في ابنها باعتبارها أسلوب حياة، وأيضا أصلا من أصول ‘الايتيكيت’ الاجتماعي في المجتمعات الشامية .
لقد عشق الفتى أمه، وأيّ مشاعر أنبل وأسمى من مشاعر الأمومة والبنوة؟ هو عشق سما بهذه المرأة الى منزلة النموذج الأعلى ، فهي الأم وهي أيضا الانسان-الرمز الذي تجسد فيه الوعي الوطني الفطري خاليا من كل مؤثرات ايديولوجية طارئة.
المرأة الفلسطينية هي أيضا محور السرد الاوتوبيوغرافي ولذلك ركز الكاتب حديثه على عمته ‘نبيلة’ التي انفقت وقتها ومالها في الحفاظ على عادات الشعب وفولكلوره قبل النكبة وبعدها. ان ما يستقطب الانتباه حقا هو في شكل حضور هذه المرأة فهي ـ فيما يبدو- لم تخلق للقعود في المنزل وانما لترافق الرجل في تغريبته وفي معايشة الفاجعة المستمرة الى الآن. هذه الصورة الفريدة للمرأة نجدها في كل أشكال الابداع الفلسطيني، في الشعر لدى محمود درويش، وفي السينما لدى رشيد مشهراوي وفي الدراما لدى محمد بكرية.
ولكن صورة هيلدا بدر لم تقترن بهذا المتخيل الوطني والعاطفي فحسب وانما أسهمت في نحت موقف الكاتب من أمريكا فهو من أكبر مثقفيها في العقود الأخيرة، وهو أيضا حامل للقيم الأمريكية التي لا يستطيع أن ينكرها ولكنه لم يغفر لأمريكا القسوة التي عاملت بها أمه الى غاية وفاتها، فقد كانت على فراش الموت ومع ذلك سعت السلطات الفيدرالية الى اصدار حكم باخراجها من أمريكا غير عابئة بحالتها ولا بعطاء ابنها للثقافة والمعرفة الأمريكية والانسانية.
صورة أمريكا
تحفل السيرة الذاتية ‘في غير مكانه’ بمواد وأفكار وثيقة الاتصال بالآداب المقارنة وخاصة فيما يتصل بصورة الآخر ـ الأمريكي بوجه خاص ـ لدى الانسان العربي أو من أصل عربي .ففي سياق حديثه عن الأب تبدو أمريكا حلما مشروعا وممكنا للجميع .ففيها يتحقق أمل الثراء مع الرغبة في الاستقرار والاستيطان. وظل هذا الوجه المشرق في خطاب الأب ومخيلة الفتى الى غاية ارتحاله اليها لمواصلة تعليمه في احدى جامعاتها المشهورة. هناك ستتولد حقائق جديدة عن هذا المجتمع الوليد، الذي لا تاريخ له، والذي يتشكل من أجناس مختلفة واهم حقيقة استمدها من وحي تجربته تتمثل في أن الماضي لا يعني شيئا للانسان الأمريكي، وأن التاريخ يبدأ من اللحظة الراهنة وأن المستقبل الآتي هو التاريخ الحقيقي الذي يمنح الانسان المعنى والمنزلة.
أكثر من ذلك، لا يكف المجتمع الأمريكي عن ممارسة أشكال قاسية من العنف الرمزي ازاء كل من له ماض وتاريخ وإزاء كل من تشكل ماضيه في هوية واضحة ومستقلة. وقد كان ادوارد سعيد عرضة لهذا العنف في كثير من المناسبات والمواقع .فقد عمد أحد الباحثين الأمريكيين الى التشكيك في صحة مولده بالقدس واختلق في ذلك وثائق وأدلة لتكذيب رواية ادوارد واحلال رواية أخرى .
حقا ان ماضيه الخاص سيمثل مشكلة كبرى في المجتمع الأمريكي وفي السياسة الأمريكية، وفي دوائر البحث العلمي وحلقات النقاش الأكاديمي .
سيكون ادوارد سعيد أبرز مثقف أمريكي وأكثر المثقفين قدرة على الحجاج والسجال الفكري الرصين والعقلاني، ولكن فلسطينيته أو لنقل ‘البعد المقدسي’ سيجعله في عمق الجدال العاصف ما بين انتمائه الروحي الى وطنه السليب وما بين قيم الولاء الى الوطن الذي منحه المجد العلمي والمنزلة الرفيعة.
الواقع ان ادوارد سعيد لا ينكر تأثره الخلاق بالثقافة الأمريكية، ولكنه مع ذلك لا يستطيع أن يخفي نوعا من النفور من أمريكا، فما هو مؤكد ـ في تقديرنا ـ أنه لم يعشق أمريكا عشقه لمصر أو للبنان رغم أنها تمثل لديه المنفى الابداعي الذي فجر فيه كل طاقات الفكر والبحث. هذا الشعور قد نشأ سنة 1948 حينما أعلن الكاتب متسائلا ـ ببراءة الأطفال- عن الأسباب التي تجعل الرئيس ترومان ينتزع أراضي شعب صغير ومسالم ويمنحها الى الآخرين.
هذا النفور لم يتشكل في مواقف سياسية فحسب، وانما أيضا في أشياء صغيرة وتفاصيل يومية. فالكاتب لم يقدر على خلق صداقات حقيقية في أمريكا، في أي مستوى من مستويات الحياة الاجتماعية والأكاديمية بل ان أطرافا متنفذين ناصبوه العداء رغم ما عرف به من طبع مسالم وخلق شرقي أصيل. وفي سرده للعلاقة مع الامريكيين يقول ادوارد سعيد ‘ كنت أجد العلاقة معهم خالية من أي عمق، أو من أية صفة تلقائية…كنت أرى أن نظام الحياة لديهم يختزل الوشائج المعقدة للحياة اليومية في الحدود الدنيا، خالية من أي تفكير ولا أهمية فيها للذاكرة’.
يخيل الينا ـ نحن القراء- أن أمريكا يمكن أن تبدع فيها وتتألق بفضل مواهبك وعبقريتك، ومع ذلك يصعب أن تكون مستقرا نهائيا .فالحقيبة ينبغي أن تكون دائما جاهزة.
الأقدار والمصائر
يتركز السرد في سيرة ادوارد سعيد ـ في الغالب- على مدى زمني لا يتجاوز عقدا ونصف العقد من 1947 الى 1961. ففي هذه الحقبة أصبح كل شيء موضوعا للسرد والحكي :الشخوص، الأمكنة، الارتحالات والمشاعر التي بفعل ضغط الأحداث لم تعد قابلة للسيطرة .
هناك مربع جغرافي يتحرك فيه السارد: القدس/القاهرة/لبنان/أمريكا يوسع من دائرة الزمن ويمنحه متنفسا للحركة ويهب للذاكرة المجال الحيوي كي تشتغل عبر آلية التكثيف والاستحضار أو عبر آلية المحو والنسيان. هذا المربع الجغرافي هو أيضا مربع سيميائي لأنه مولد للأقدار والمصائر التي ستشهدها الشخوص، ومفجر لمعاني المنفى والغربة واللجوء وغير ذلك من التسميات والتوصيفات التي ستصبح صنوا للوجود الفلسطيني على امتداد تاريخه المعاصر. غير أن للسرد في ‘في غير مكانه ‘ خصوصية لا نجدها في أشهر السير الذاتية المعاصرة مثل:
‘الأيام’ لطه حسين أو ‘سبعون’ لميخائيل نعيمة وهي الجمع بين الأضداد والتأليف بين المتباعدات في سياق سردي وحكائي موسوم بالتبئير على شخصية واحدة أو طائفة من الشخصيات كل شخصية يتوقف عليها السارد في لحظة زمنية ما تغدو بؤرة للحكي في اللحظة ذاتها وفي لحظة زمنية أخرى تبتعد عن الأولى بعشرات من السنين، بحيث يمكن أن تقف القراءة على التحولات التي حدثت، وعلى المصائر والمآلات التي شهدتها الشخوص، وعلى الأقدار التي لم يتخيل أحد وقوعها خاصة بالنسبة الى بعض النماذج التي كان لأحداث 1948 تأثيرحاسم عليها.
يرصد الراوي التاريخ الاجتماعي للأفراد والعوائل ويدون فصولا من سير الآخرين وينقل لنا أحداثا ومواقف من مستوى المشافهة الى مستوى الكتابة. فالكتاب يزدحم بشخصيات كانت تمثل الذكاء الفلسطيني، بعضها مثل شخصية نقولا صعب تنتهي منتحرة في ظروف غامضة وهو الذي كان مرشحا ليكون طبيبا بارزا. وهناك أيضا الدكتور وديع حداد الذي قتل في احدى الدول الشرق أوسطية من أجل أفكاره، وهناك أيضا شخصية داوود بدر الذي تبخر في البرازيل وقطع كل الأواصر بالوطن، ثم عاد رجلا ثريا ترافقه الشائعات حول ثرائه.
هي حقا مصائر وأقدار رافقت ولا تزال أبناء فلسطين حاول الكاتب ـ بحرفية الروائي- ألا يبدي أي تأثر أو انفعال بها ولكنه لم يستطع اخفاء مرارته حين عاد الى القدس بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود وهناك وجد في منزل والده مستوطنا يهوديا من أصول ألمانية. حقا كم هي مؤثرة تلك المواجهة بينهما. الكلام لا يكفي للتعبير عما يجيش في نفس ادوارد. وحدها لغة العيون يمكن أن تفصح عن الوجع المقيم في هذا المقام يمكن أن نستذكر قول الشاعر ابراهيم طوقان :
صامت لو تكلما
لفظ النار والدم
قل لمن عاب صمته
خلق الحزم أبكما
سرد مصائر الآخرين في لحظتين متباعدتين هو ما يمثل الخصوصية الفكرية والجمالية في هذا الكتاب ولكن تستوقفنا أيضا الأحكام التي أصدرها الكاتب على بعض فلاسفة عصره مثل سارتر وكيف أصبح في آخر أيامه في قبضة مفكر يهودي متشدد من عتاة الأصولية اليهودية.
ان ما يمكن أن نلاحظه في هذه السيرة هو التواضع الكبير الذي أبداه على نفسه، والسماحة العظيمة التي أظهرها ازاء الآخرين. كان يمكن أن يطيل السرد على ذاته خاصة وقد بلغ في المعرفة الأكاديمية منزلة لا تبلغها الا النخبة، وهي منزلة اعترف بها الآخرون، عن صدق، أو عن مضض. ومع ذلك نرى أن تمجيده لخصاله يكاد أن يكون معدوما. وذلك ما يؤشر ـ في تقديرنا- الى الوجه الاستثنائي لهذا الرجل، مفكرا وانسانا رحل عنا في سنة 2003 وخلف لنا منهجا في نقد الاستشراق وشهادة عن الوطن والمنفى، وقبل ذلك وبعده، أخلاقا وشيما لا تؤتى الا للعظماء والكبار.
كاتب من تونس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى