صفحات سورية

إلى اليمين دُرْ!

null
منصور الأتاسي
نحن جميع المواطنين في سورية نلحظ الميل اليميني والانفصام بين الوطني الاجتماعي من جهة,وبين الليبرالي الاقتصادي اللاوطني من جهة أخرى.
فقد شهدت سورية مؤخرا افتتاح سوق الأوراق النقدية.. في الفترة التي تفكر فيها العديد من الدول إغلاق أسواقها المالية. صحيح أن عدد الشركات المساهمة في سوق الأوراق النقدية قليل وأيام فتح هذه السوق وساعاته قليلة يومان في الأسبوع وبضعة ساعات في يوم العمل..إلا أن مجرد افتتاح هذا السوق يعني العودة لآلية النظام الرأسمالي ويعني التناقض مع مجمل السياسات السابقة..
وبالتزامن معه يجري الحديث في الأوساط الحكومية عن تعويم الليرة السورية …لقد أدت الضجة التي أحدثتها التصريحات الحكومية حول تعويم الليرة السورية إلى الإعلان عن تأجيل هذا الإجراء…ولكنه قادم بفعل الواقع الموجود…والمعروف أن تعويم الليرة السورية سيؤدي إلى خفض قوتها الشرائية للنصف تقريبا وهذا الإجراء إذا اتخذ سيؤثر على حياة ملايين السوريين من المتقاعدين خصوصا إلى العاملين إلى المنتجين وسيستفيد فقط رأسمال المالي الذي يراكم ثروته عن طريق الفساد.
وتحاول السلطة الآن الهجوم على المكاسب العمالية فقد وزعت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل مشروع قانون عمل جديد ناظم لعمال القطاع الخاص. ألغت فيه حقوق العمال المكتسبة والواردة في القانون /91/ في مجال التشغيل والتسريح والأجر. والمزايا غير المباشرة مثل النقل,والطبابة, والوجبات الغذائية المجانية, والألبسة العمالية.
وسمح مشروع القانون الجديد افتتاح شركات تشغيل عمال, وحددت مهام هذه الشركات بالتعاقد مع الجهات صاحبة العمل من جهة والعامل من جهة أخرى. ويحدد عقد تشغيل هذه الشركات الكثير من البنود منها الأجر ومكان العمل،الخ … ويحدد العقد مع رب العمل العديد من البنود ومنها الأجر أيضاوالفرق في الأجر بين العقد الموقع مع العامل والعقد الموقع مع رب العمل يعود لمكتب التشغيل وهو سرقة موصوفة من العامل طبعا. وبسبب زيادة البطالة المقدرة سنويا بـ /400/ ألف عامل جديد وما يضاف إليها من العمال العائدين من المهجر, وخصوصا دول الخليج نعرف أن هذه المكاتب ستتحكم بالأجور أي ستزيد من نهب أجور العمال الضعيفة أصلا. وهذا الشكل من المكاتب الملحوظة في قانون العمل الجديد رفضتها منظمة العمل الدولية. وخصوصا في الدول الرأسمالية..وحتى أرباب العمل رفضوا هذا الشكل من العقود التي ستؤثر حتما على إنتاجية عمالهم.. كل هذا الاعتداء على مكاسب العمال وحقوقهم وحياتهم يتم بحجة تقديم التسهيلات اللازمة لجذب الرساميل وكأن الوطن أصبح بمجمله خادما للرساميل القادمة….
وتنفيذا لتوصيات البنك الدولي أيضا تطرح السلطة تعديل قانون التأمينات الاجتماعية بزيادة سنوات الخدمة إلى /40/ أربعين عاما بدلا من /30/ ثلاثين حتى يصل العامل إلى السقف, وبالإبقاء على سن التقاعد /60/ عاما, وهذا التعديل يعني أن على العامل أن يغذي صندوق التقاعد /10/سنوات أخرى أي أن يدفع /33%/ زيادة عما يدفعه مقابل أن يحصل على نفس نسبة الراتب التقاعدي الحالي الساري الآن…ويعطي العامل تعويض راتب شهر عن كل سنة خدمة زيادة عن الثلاثين عاما لمدة ثلاث سنوات وكانت الحركة النقابية تطالب بزيادة عدد السنوات. ولأن سن التقاعد لن يتغير فإن العديد من العاملين لن يحصلوا على سقف التقاعد 75% كما هو معمول به الآن… وإذا وصل العامل إلى الستين عاما وكان مشتركا في التأمينات الاجتماعية لمدة ثلاثين عاما فإن ما يحصل عليه حسب العقد المقترح 62% من الراتب أي يخسر 13% بدون سبب.
كما أعلنت السلطة مؤخرا عن تخفيض في سعر ليتر المازوت خمس ليرات سورية بعد انتظار فترة طويلة مبررة قرارها بأن نسبة التخفيض المذكورة انسجمت مع انخفاض سعر النفط العالمي, ومع أسعار الدول المجاورة ولا سيما في لبنان, ويهدف إلى تخفيض تكلفة النقل والإنتاج الزراعي والصناعي…وأعلنت أنها ستقدم دعماً مالياً للعوائل على دفعتين الدفعة الأولى ستوزع في شهر أيلول. ونذكر بأن أسعار جميع المواد قد ازدادت في ثلاث قفزات متتالية خلال زيادة أسعار النفط وبلغت نسبة زيادة جميع الأسعار في القفزات الثلاث حوالي 50% وبررت هذه القفزات بزيادة أسعار النفط العالمي الذي انعكس بزيادة أسعار المستوردات من البضائع ومن المواد الأولية اللازمة للصناعة السورية…وانهارت أسعار النفط خلال الأشهر الأخيرة ولكن العديد من البضائع بقيت على أسعارها أو تراجعت قليلا …ثم جاءت نسبة التخفيض التي أقرتها الحكومة لتثبيت الأسعار وليس لتخفيضها…فالنسبة لا تشكل رقما مهما في تخفيض التكلفة ولاقى هذا التخفيض استنكارا عاما انعكس في تصريحات ومقالات ومواقف عديدة ونحن نرى أن هذا التخفيض:
1″- لا ينسجم مطلقا مع نسبة انخفاض أسعار النفط فقد انخفض سعر البرميل من 150 دولار تقريبا إلى 50 دولار تقريبا.
2″- لا يشمل التخفيض المشتقات النفطية الأخرى كالغاز والبنزين والإسفلت والفيول والكاز التي يستخدم القسم الأكبر منها في الصناعة … وفي الاستخدام المنزلي الواسع واقتصر على المازوت بالنسبة الكاريكاتيرية المعلنة.
3″- كانت الدولة قد أعلنت عن زيادة أسعار العديد من منتجاتها منها الاسمنت بحجة زيادة أسعار النفط والآن بعد انخفاض أسعار النفط عالميا والتخفيض الجزئي للمازوت, لا تزال أسعار الاسمنت كما هي وهذا يساهم في زيادة أسعار البناء…وفي زيادة الأزمة
4″- أوضح إعلان تخفيض سعر المازوت /5/ ليرات أنه أتى منسجما مع أسعار الدول المجاورة ولا سيما لبنان في إشارة أن الدولة لا تستطيع أن تخفض أكثر من ذلك حتى لا يتهرب المازوت إلى لبنان…وهكذا دائما المواطنين يدفعون عجز السلطات المعنية عن إيقاف تهريب المازوت أو غيره من المواد المدعومة…وبالمقابل إذا كان سعر بعض المواد منخفضا في لبنان فإن الحكومة لا تخفض أسعار المواد في سورية لتمنع التهريب من لبنان التخفيض يتم باتجاه واحد فقط ونحن نرى:
أن الحكومة وأجهزتها المختصة هي المسؤولة مسؤولية كاملة عن وقف التهريب من لبنان وغير لبنان أي ضبط الحدود. وبالتجربة الملموسة والمعروفة عند الجميع فإن الحدود مضبوطة جيدا في منع التسلل أو تهريب المطبوعات وغيره رغم أن حجم هذا التهريب أقل بكثير من حجم تهريب المواد النفطية أو الغذائية فلماذا تضبط هذه…ولا تضبط تلك
يجب أن تأخذ الحكومة مستوى الدخل في لبنان وسورية ففي لبنان دخل العامل أكثر بمرتين أو ثلاث منه في سورية والأسعار في سورية أعلى منها في لبنان…حتى لا تهرب..!!!
5″- إن الانفتاح الاقتصادي والسماح باستيراد كافة السلع من الخارج…من جهة..والأزمة العامة للرأسمالية وتفاعلاتها اللاحقة من جهة أخرى تتطلب تشجيع الإنتاج الوطني بشقيه الزراعي والصناعي… مما يتطلب العديد من الإجراءات من أهمها تخفيض أسعار المشتقات النفطية. وإذا كانت هذه الحكومة لا تمثل البرجوازية المنتجة أو الكادحين المتضررين من زيادات الأسعار ومن منافسة البضائع المستوردة ,ومن ضعف القدرة الشرائية في سورية فمن تمثل إذا وما هي هويتها الحقيقية ؟
“- النفط هو ثروة وطنية أي أن للمواطنين الحق في الاستفادة منها بالمعنى الاجتماعي وبالمعنى الفردي وبلدنا لديه ثروة نفطية قليلة أو كبيرة لا فرق… والعدالة تقول أن هذه الثروة ملك المجتمع الذي يجب أن يتمتع بها…لكنها تسرق كما تحدثت الصحافة الرسمية أكثر من مرات, وتذهب لجيوب الطغمة المالية, وبعض الشركات المستثمرة. بينما يدفع المواطن من جيبه عبر الموازنة تكلفة استثمار النفط ويتضرر من زيادة أسعاره العالمية التي يجب أن تكون قد زادت من موارد الدولة, ويتضرر أيضا من انخفاض أسعار النفط العالمية حيث تبقى أسعار مشتقات النفط مرتفعة بشكل لا ينسجم بل ويتناقض مع الدخل المحزن لغالبية المواطنين. إننا نرى أنه من المفروض على السلطة أن تحصر موارد النفط في عدة بنود من الموازنة وهي:
– دعم المواد الغذائية والنفطية التي يستفيد منها جميع المواطنين
– تطوير التنمية الاجتماعية عن طريق تشجيع بناء مصانع جديدة تستوعب اليد العاملة وتخفف من حاجة البلاد للاستيراد.
– بناء المساكن الشبابية والعمالية وتوزيعها بشكل رخيص
أي تضاف موارد النفط إلى الميزانيات المخصصة لهذه المشاريع في الموازنة العامة. وتعلن أمام الجمهور بشكل سنوي.
7”- وبالتزامن مع الإعلان عن التخفيض “الكاريكاتيري” لثمن المازوت حددت الحكومة 2000 كيلو واط ساعي كهرباء لكل أسرة كاستهلاك أعظمي في كل دورة أي كل شهرين وإذا زاد الاستهلاك عن الكمية المسموح بها من قبل السلطة تزيد قيمة الكيلوات المستهلك حوالي خمسة أضعاف…
وهكذا فقد زادوا على المواطن أسعار المازوت وأسعار الغاز، والكهرباء.وفي ظروف الفقر الشديد الذي يعيشه ملايين السوريين باعوا حصتهم من قسائم المازوت ولجأوا إلى الطاقة الأرخص المتاحة وهي الكهرباء، إن كان في الاستخدام المنزلي أو في الزراعة والحرف المنزلية فطاردتهم الحكومة وزادت أسعار الكهرباء. ولا ندري ماذا سيفعل الفقراء في شتاء العام القادم..ربما سيقطعون الأشجار ويستخدمونها في الوقود والتدفئة كما فعلت الفئات الأكثر فقرا هذا العام…وهذا سيكفي لعام واحد.
8″- وعلى التوازي أعلنت الحكومة أنها ستوقف التعامل مع قسائم المازوت الموزعة للأسر السورية اعتبارا من 27 /4 وستدفع مقابلها مبالغ نقدية تحددها الحكومة لاحقا وعلى دفعتين على أن يتم توزيع الدفعة الأولى في شهر أيلول القادم. كما ستحدد الحكومة أسساً معينة لم تعلن عنها حتى الآن لتوزيع القسائم…
وهكذا فهي ستعمل على:
أ- تخفيض حجم الأسر المستفيدة ولا نعرف من هي ولأي مستوى ستنزل
ب- التخلص من قسائم التوزيع ببدل نقدي تحدده الدولة كل /6/ ستة أشهر قد توزع لمرة واحدة أو مرتين وسيتغير في كل مرة تبعا لتغير أسعار النفط العالمية. ثم سيزول الدعم وسيتم رفع أسعار المازوت وهكذا فإن ما قامت به الدولة هو تعويم أسعار النفط وليس تخفيضها
ج- ستعمد إلى إجراءات ورقية عبر الوثائق المطلوبة وستدفع ملايين المواطنين للاصطفاف أمام أماكن التوزيع للتقاتل والتزلف للمسؤولين
د- ستزيد من نسبة الفساد الموجودة عبر اعتماد الوثائق التي تسمح بالصرف .
إننا لا ندري ولا نعرف أن دولة في العالم قد فعلت ذلك ولكننا نطالب ببدء توزيع قسائم المازوت مباشرة ثم العمل بموجبها في أيلول على أن يصدر صك حكومي يحافظ على كميات المازوت المقررة لكل أسرة…
أما لماذا صدرت هذه القرارات؟
هي تؤكد على الميل اليميني للحكومة…وتعبر عن مصالح طغمة مالية ضيقة في سورية تراكمت الثروة عندها عن طريق الفساد وكل الطرق غير المشروعة ؛ هي البرجوازية الطفيلية المتحالفة مع البيروقراطية الطفيلية…كلنا يعرف فضيحة مدير الجمارك مخلوف أحد كبار مسؤولي الجمارك .
قبل صدور هذه القوانين كانت الحكومة تخشى من ردة فعل بعض الأحزاب ” اليسارية” المشاركة في الجبهة والحكومة…وبعض القوى السياسية المعارضة الأخرى.. ولكن هؤلاء جميعا اكتفوا بالاستنكار الصحفي أي كتبوا في جرائدهم التي يصدرونها بعض المقالات المنددة بهذا التوجه وحذروا من تأثيراتها الاجتماعية الكارثية..وعندما لاحظت الطغمة المالية أن هذا الشكل من الاحتجاج هي سقف تحركهم اندفعت لتنفيذ كل ما يتطلبه ضمانة استثمارها بشكل لا إنساني، بعد أن فقد الرادع القادر على لجمها
إن من الأسباب المساهمة في صدور أو الإعلان عن نية الحكومة في إصدار بعض القرارات المذكورة والتي تلتهم المكتسبات المحققة للشعب السوري – الدعم – وللطبقة العاملة – وقف التسريح – نسبة التقاعد…الخ هو جبن وعجز ” اليسار” عن العمل من جهة والهيمنة على الحركة النقابية التي سايرت وماثلت أحزاب ” اليسار ” المعتمدة على السلطة و شكل احتجاجها اللامجدي…
من جهة أخرى كنا قد تحدثنا ونؤكد على أن الاتجاه الاقتصادي المعتمد في سورية لا ينسجم بل يتناقض مع المهام الوطنية المنتصبة أمامنا جميعا..والشكل الاقتصادي المتبع هو حصان طروادة الذي سيأخذ بلادنا من الداخل بعد أن تتمكن البرجوازية والبيروقراطية الطفيلية من السلطة وهذا ما تندفع إليه بلادنا..وخصوصا في
مرحلة تثبيت الانتصارات التي حققتها المقاومة في صمودها وجعلها واقعا سياسيا معترفا به.وفي فترة دخول الامبريالية والرأسمالية في أزمة بنيوية شاملة…إن التصدي ومقاومة السياسات الحكومية في المجال الاقتصادي واجب وطني أولا وعلينا جميعا نحن القوى الوطنية أن نبتكر الأشكال الناجحة والمؤثرة والقادرة على إيقاف هذا التوجه الحكومي من أجل الحفاظ على المكتسبات المحققة…والحفاظ على الوطن. والانتقال إلى التعددية السياسية بعد إطلاق الحريات السياسية.
يمكننا .. أن نلاحظ أن جهاز الدولة (القمعي) ، الموحّد ينتمي بمجمله إلى القطاع العام ، في حين أن القسم الأكبر من أجهزة الدولة الأيديولوجية (في تشتتها الظاهر) تنتمي بالعكس إلى القطاع الخاص . فالكنائس [والجوامع] ، الأحزاب ، والنقابات، والعائلات وبعض المدارس ، معظم الصحف والمشاريع الثقافية ، الخ.. كلها أجهزة خاصة
لويس ألتو سير
”أجهزة الدولة الأيديولوجية“

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى