صفحات العالمما يحدث في لبنان

هل من أملٍ في التغيير في لبنان؟

سليمان تقي الدين
لا يمكن أن يحصل التغيير في بلد من البلدان إلا إذا توفر شرطان: عجز القوى الحاكمة على الاستمرار في الحكم ووجود قوى معارضة لديها فكرة وطنية وأخلاقية جاذبة تحظى بتأييد أكثرية شعبية وازنة.
في الشرط الأول، إن جزءاً من المعارضة على الأقل شريك في أزمة الحكم. أما في الشرط الثاني فإن البلاد منقسمة شعبياً بشكل متوازن تقريباً وما يشكل فكرة جامعة لدى هذا الفريق لها نقيضها عند الفريق الآخر.
اللبنانيون ليسوا متفقين على أسباب الأزمة والمسؤولين عنها. وإذا كان هناك من إقرار بفشل في مكان ما فهو يعزى الى العرقلة والتعطيل اللذين يمارسهما الفريق الآخر.
في النظرة الى المشكلة الاقتصادية هناك تبرير يرتبط بالظروف السياسية والأمنية السائدة. وفي المشكلة الوطنية هناك تبرير للظروف الاقتصادية وضعف مقومات الدولة. وفي توزيع المسؤولية لا يعترف أي فريق بالشراكة الفعلية النابعة من عدم الاستجابة للقواعد والمعايير التي تؤسس لقيام الدولة خارج هيمنة هذا الطرف السياسي أو ذاك.
في الوعود المقطوعة للبنانيين منذ أربعة عقود هناك مضمر أساسي يقول، أعطونا السلطة ونحن من نبني الدولة. ينسب طلاّب السلطة لأنفسهم أفضليات لا يشاركهم فيها الآخرون. ولا يمكن أن نغفل اليوم اذا تجاوزنا شعارات الماضي، أن لكل فريق سياسي ذي لون طائفي أولوية حتى داخل التحالف السياسي العريض الذي ينتمي اليه. فهذا يحمل ملف المقاومة وذاك الاستقلال والسيادة، وذلك مكافحة الفساد، وآخر العروبة، وآخرون الديمقراطية والمشاركة والتنمية والمسألة الاجتماعية.. إلخ.
في ترتيب وتصنيف هذه الأولويات تفوح رائحة الطائفية المقنّعة، فهذا عينه على توسيع سلطة هذا الموقع وصلاحياته وتضييق سلطة وصلاحيات الموقع الآخر. وذاك يرمي الى احتواء الدولة في مشروعه الاقليمي وضمن علاقاته الدولية، وذلك يرغب في إبقاء الدولة عند حدود اقطاعته وإمارته ودائرة نفوذه. ومن أغرب ما يجمع عليه الفرقاء السياسيون هو إدارتهم للعبة الطائفية وتوازناتها وحرصهم الشديد على احترام التعايش تحت مظلتها وفي حضنها. فهم يتصارعون من أجل تعديل التوازنات فيها، لكن أحداً لا يطمح الى تفكيك هذا النظام وإعادة صياغته على أسس مدنية وطنية. هم يستسيغون هذه اللعبة المعقدة التي تراكم الأزمات وتستنزف مقدرات البلاد وتعمق أزمة الولاء للوطن والدولة لصالح الولاء للمتحد الطائفي وركيزته الجغرافية والعائلية ودورة المصالحة الآنية التي يحتكرها الزعيم، ويقوم بتوزيعها على العصب الحزبي الذي يؤمن سيطرته ونفوذه.
كان يفترض أن المعارضة المكونة من فريقين أساسيين، نضالي وطني وليبرالي، كلاهما غير منغمس في تجربة السلطة ومنافعها بعد بالشكل الخدماتي المباشر، ان تصوغ برنامجها لكي تكون فكرة وطنية ديمقراطية جاذبة وجامعة تخترق الجمهور المتمترس خلف ولاءات طائفية أخرى أو خيارات اقتصادية يزداد انكشاف مأزقها يوماً بعد يوم. كما كان يفترض أن تسعى مع الواقعية المطلوبة والمرغوبة الى خوض معركة سياسية وطنية شاملة، وأن تجتاز منطق المحاصصة فيما بينها أساساً لتقديم نموذج وطني جاذب ومؤثر على الصورة التي تطمح إلى أن تدير البلاد من خلالها. لكن الخطاب الذي قدمته لم يتجاوز كثيراً مرضاة جمهورها الفئوي، والجسم السياسي الذي اختارته لا يزيد في رصيدها الحزبي، ولا يحمل جديداً لجمهور لبناني باتت الحزبية السياسية بمعناها الضيق تثقل على صدوره وتمنعه من التفكير في التغيير ومن حقه في المشاركة والاختيار. وأزمة لبنان تستمر في أزمة القوى السياسية والأحزاب والتيارات.
حكومة الوحدة الوطنية شلت القرار السياسي في البلاد. التعيينات المطلوبة لإجراء الانتخابات لم تنجز. منطق الغلبة ما زال مسيطراً على تفكير القوى والجماعات. المجلس الدستوري الذي هو المؤسسة الدستورية الأهم لم يكتمل عقده. لكل فريق مبرراته، هناك من ينعى الديمقراطية التوافقية ويقول انها هرطقة وبدعة وانها تعطل مسيرة الحكم. لكن أحداً من هؤلاء لا يحتاط الى المستقبل، فاذا تبدلت موازين القوى السياسية فهو أول من يبدأ بالصراخ. لا يمكن أن يحكم البلد من دون شراكة طائفية. قانون الانتخاب لا يساعد على وجود كتل سياسية مختلطة، كل أكثرية هي نيابية هي من لون طائفي أو تحالف طائفي. عبثاً البحث عن توفير شروط الديمقراطية الأكثرية في نظام كهذا. أزمة الحكم ستستمر لما بعد الانتخابات ولا مخرج إلا بإطلاق اصلاحات الطائف وتحرير السلطة التنفيذية من القيود الطائفية.
لكن أجواء القلق والتوتر والخوف التي تسود الجماعات الطائفية كلها تعيق وتعرقل هذا المسار. ظروف المنطقة المحيطة تشجع البعض مجدداً على رهان التغيير في المعادلات. لم تتوقف القوى الحزبية في اتجاهاتها المختلفة عن تنظيم شؤونها بصفتها دويلات مكتملة التكوين. فائض القوة لدى الطوائف الكبرى يترجم الآن خدمات واسعة وتنظيماً حزبياً ويقال استعدادات حربية، ثمة أربع كتل طائفية وأربعة كيانات تتبلور على الساحة اللبنانية سياسياً وجغرافياً وديموغرافياً، صورة لبنان غامضة في المستقبل القريب، ربما يدفع الوضع الإقليمي الى خلط الأوراق مجدداً.
الطبقة السياسية مستهترة تماماً بمصير البلاد والعباد، هناك تهدئة وهدنات وليس حلولاً. لا أفق راهناً للتغيير، ما يطلبه اللبنانيون أن تستمر فترة الهدوء الأمني وألا تتعرض البلاد لامتحان جديد في حرب إقليمية تتصاعد احتمالاتها “إسرائيلياً” رغم التحفظات الأمريكية.
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى