صفحات العالمما يحدث في لبنان

فائض الخطاب السياسي

سليمان تقي الدين
فاض الخطاب السياسي عن حدود الوظيفة الانتخابية. عادت الحدة إلى ما قبل اتفاق «الدوحة» وما يفرض من تهدئة ووقف الحملات السياسية والإعلامية. عدنا بالذاكرة إلى محطات خلافية. كدنا ننبش كل التاريخ بما فيه نزاعات أهلية لم يتفق اللبنانيون يوماً على قراءتها في كتاب واحد. إنعاش الذاكرة هذا لن يقدم ولن يؤخر في نتائج الانتخابات التي صارت نتائجها معروفة.
اللبنانيون قرّروا منذ زمن أن يقترعوا ربما لدورات مقبلة عدة سلفاً. إرادتهم مصادرة لأنهم محشوون بالخوف بعضهم من بعض. ليسوا بصدد المنافسة على اختيار من يدير بلادهم في مصلحة تقدمهم الاجتماعي وأمنهم وتوسيع آفاق المستقبل لطموحاتهم وآمالهم. هم الآن بصدد مهمة خطيرة هي الاحتفاظ بتوازن القوة بين الجماعات الطائفية وممثليها السياسيين.
الموالاة والمعارضة لديهما فائض قوة، ولو بتفاوت، لا يمكن صرفه في ظل قواعد النظام الطائفي. لبنان لا تحكمه فقط التوازنات الداخلية. يا ليت الانقسام اللبناني تصح فيه ديموقراطية الموالاة والمعارضة. آن لنا أن نكشف ما بعد غلاف السكّر على النواة المرّة. التجاذب الطائفي في لبنان والمنطقة لا يمكن تجميله بالشعارات ولا بالاستعارات اللفظية. يستحيل في المكونات السياسية الحالية أن ينفرد فريق في حكم البلاد.
ليس مهماً ما تدعيه القوى عن نفسها فهي لم تنجح باختراق كل التشكيلة الطائفية، بل سعت عمداً إلى الاستثمار على جغرافيتها وديموغرافيتها الطائفية. يجب أن يقال هذا الكلام لجميع القادة والمعنيين بالأمر. ليست هناك معايير واحدة لقياس القضايا الوطنية.
من يشارك في إقرار قانون انتخاب ينظم استيلاء الفئات الطائفية على جمهورها الخاص، هو أيضاً شريك واع أو غير واع في مراكمة المعطيات التي تقود للتفكير بالخيارات الفيدرالية. إن الإنجاز الوطني الكبير للمقاومة الذي كانت له هذه الأبعاد الإقليمية المؤثرة، لم ينجح حتى الآن في أن يتحول إلى محور وطني جاذب. لا يجوز الاستخفاف بأي فريق يمكن أن يعتكف عن المشاركة في السلطة. إشعار أي فريق لبناني بالإقصاء أو الإبعاد أو التهميش لا يمكن أن يفسر سياسياً، حتى لو كان هو من قرر هذا الاعتكاف أو الانسحاب من المشاركة. علينا أن ندرك طبيعة مشاكلنا على حقيقتها فلا نقوم بأي إسقاطات فكرية.
ليس عيباً أن نعترف بواقعنا الطائفي، بل كل العيب أن نتجاهل حجم الأخطار الوافدة إلينا بقوة من صراع إقليمي يتوسل النزاع المذهبي لتفكيك المنطقة تمهيداً لإخضاعها. الأولوية الوطنية هي ليست السلطة هنا أو هناك، لا في غزة ولا في لبنان، ولا في العراق. الأولوية التاريخية لاحتواء الخطر المذهبي. هذا هو الإنجاز الذي يعطل المشروع الاستعماري الجديد. خطابنا السياسي يجب أن يتجه إلى بناء الثقة بالحياة المشتركة وبالمصالح المشتركة وبالهموم المشتركة. لا يكفي أن نربح معارك موضعية هنا أو هناك فيما الأمة كلها تحت مظلة النفوذ الاستعماري. الوطنية قد تتحول إلى انعزال عندما تنحصر في المدى الحزبي أو الفئوي أو الجهوي. وظيفة الخطاب السياسي أن يقدم المزيد من المعرفة والوعي واكتساب المزيد من المؤيدين والأنصار.
كل خطاب سياسي يصدم الشعور يعطل لغة الفهم والعقل. ثمة مسؤولية لدى القيادات والنخب في توضيح التحديات التي تواجه شعوبنا. لدينا ما يكفي من الشواهد والمعطيات لشرح هذه المخاطر.
أخطر ما يواجه قوى التحرر الوطني اللغة الانتصارية أو الظافرية. لا يزال لدينا الكثير من المهمات وأمامنا الكثير من التحديات. المنطقة من حولنا لن تستقر في المدى المنظور ولديها مخاض عسير ازاء تناقضاتها الداخلية وضغوط الخارج. يتسع يوماً بعد يوم التعبير السياسي المذهبي من لبنان إلى العراق واليمن والكويت والبحرين. الأمة تفتح أحشاءها لمبضع الجرّاح الاستعماري. العنف المستشري باسم الدين في باكستان وأفغانستان شديد العدوى. نحن في لبنان دخلنا في مسار التقوقع المذهبي وبدأنا في تأسيس انشقاق سياسي مذهبي خطير. طبيعة هذه المشاكل لا تحسمها القوة ولا بالتالي السلطة. العنف المعنوي والمادي كلاهما وصفة لزيادة منسوب «الانعزال» والانغلاق والعصبية. ثمة حاجة لمعالجة فائض الخطاب السياسي في قضايانا الوطنية لإعادة بناء الثقة بين المكونات اللبنانية.
وثمة مسؤولية أكبر عند أصحاب القضية والقائمين بأعبائها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى