صفحات العالم

التعذيـــب

عباس بيضون
لا تزال مسألة التعذيب في غوانتانامو وأبو غريب تشغل الأميركيين. لم تحل الأزمة الحالية دون ذلك بل ان فوكوياما الذي يجد أن الثقة الأخلاقية في الولايات المتحدة لا تقل أهمية عن الثقة الاقتصادية عدها من وجوه الأزمة. أوباما الذي أذن ينشر أربع مذكرات من وزارة العدل الاميركية عهد بوش تأذن بالتعذيب ولو باسم آخر (تدابير متشددة). كما نشرت حكومته مئات الصور التي تظهر هذا التعذيب، حجب الملاحقة عن متطوري السي آي أي، مما خيب كثيرين انتظروا منه تشددا أكبر في هذه المسألة.
بعد أبو غريب وغوانتانامو فإن السجال يذهب في اتجاهات عدة، اولها المبدأ نفسه فقد تذرّع ديك تشيني ووزراء العدل والمدافعين عن التعذيب بالأمن الأميركي. كانت حجتهم ولا تزال هي انه بعد 11 ايلول لا يمكن توفير أي وسيلة للحصول على معلومات تساعد في حماية الاميركيين، أي كما يقول مارك دانير في الواشنطن بوست، أن القانون ليس إلا لأوقات الراحة والأمان وما أن يلوح الخطر حتى يغدو نافلا ويتوجب تعليقه. في المبدأ يبقى السؤال مطروحا، هل يستوجب الأمن تعليق القانون وهل تربح الولايات المتحدة من ذلك أكثر مما تخسر، الا ينبغي، مرة واحدة ونهائيا، بت مسألة كهذه فلا يعود التذرع بالأمن، في أي وقت كان، سببا للتعذيب.
المسؤولية هي القضية الثانية، ليست المسؤولية واقعة على أفراد مبعثرين، لقد أذنت وزارتا العدل والدفاع في مذكرات رسمية بالتعذيب. بعد تحقيق حول التدابير السرية للسي آي إيه عام 1975 أقرت لجنة تشيرش أن اللجوء إلى تدبير سري ينبغي ان يتم بإذن خطي. التعذيب إذن مسؤولية الدولة من الرئيس حتى المنفذين. لم يعد في وسع الرئيس بعد تقرير شيرش ان يتذرع بأنه لم يكن يعرف. التعذيب إذن كان سياسة عهد كامل والمسؤولية تصعد في التراتب الحكومي والإداري. البعض يرى ان المسألة أكبر من ملاحقة افراد وأن المهم هو محاكمة المبدأ، البعض الآخر يرى أن لا محاكمة بدون ملاحقات.
المسألة الثالثة هي التحقيق. التحقيق الذي يريده البعض شاملا ونهائيا تنطوي معه هذه الصفحة القذرة. أيُّ تحقيق ومن يقوم به، لا بد في رأي مارك دانير من تحقيق على أعلى مستوى لا يحاكم التدابير نفسها فحسب بل نتائجها وعواقبها. يحاكم المبدأ نفسه، ليتضح للمرة الأخيرة اذا كان في صالح الولايات المتحدة الخروج على القانون. اذا كان هذا الخروج قد حماها فعلا ووفر الأمن لها. اذا كان ما جنته الولايات المتحدة من ذلك يوازي خسائرها على كل المستويات. البعض يريد ان يتم التحقيق أولا وأن يكون أساسا لملاحقات لا بد منها. قضية كهذه يجب ان يحاسب كل فيها على ما جنته يداه.
من المفيد القول ان هذا نضال أفراد. لا يزال الرأي العام الاميركي منقسما حول هذه المسألة وخاصة حول الملاحقات، لا يزال الجمهوريون في غالبيتهم مع المبدأ، مبدأ التعذيب عند الضرورة، ولا يزال 57% من الشعب الاميركي ضد الملاحقة، لا يزال الأمن يتقدم على العدالة والحق. لا تزال حماية اميركا أجدر من حقوق الانسان.
إلى هنا ولا نزال في عرض بحت. لا ننتظر أن تلقى مسألة كهذه اجماعا، اذا تذكرنا 11 ايلول وأخطار القاعدة والحرب بل الحروب الاميركية. لكنهم ليسوا قلة في أميركا هؤلاء الذين يقدمون الاعتبار الاخلاقي والقانوني على الأمن، أوباما منهم وان كبل الانقسام الاميركي وتذكار 11 ايلول يده في هذا الموضوع. لكن مواجهة المسؤولية الأمنية بالمسؤولية الأخلاقية والحقوقية أمر ذو دلالة.
لن نبقى طويلا في الماء الاميركي، سننتقل الى مائنا نحن. سارع عرب كثيرون إلى إدانة غوانتانامو وأبو غريب، لكن غالبا من باب أوحد هو فضح التناقض الاميركي الظاهر. المفارقة أكيدة بين دعوى الديموقراطية والتقدم والتعذيب الهمجي للمساجين. لقد ربح هؤلاء على الولايات المتحدة في هذا المجال لكن بأي نية او قصد. اذا علمنا ان غالبية هؤلاء لا تتصدى، بكلمة او اشارة، للعسف والتعذيب اللذين يقعان في ديارها وبلادها. انها لا تحاسب حكوماتها على انتهاك القانون، وحتى على غيابه. انها لا تنبس ببنت شفه حتى حيال احكام بسنوات سجن طويلة على مجرد اعتراض، وبتهم همايونية كالاساءة إلى الأمة والتحريض على انقسام واضعاف الروح القومية…الخ. اذا علمنا ذلك بات من حقنا ان نسأل اذا لم يكن اعتراض هؤلاء على غوانتانامو ليس سوى تنديد بالدعوى الديموقراطية كلها واغتباط بسقوطها على هذا النحو، واستثمار المفارقة والتناقض بين الدعوة والممارسة للانتهاء من المسألة كلها وطي الدعوى بكاملها، والقول ان الديــموقراطية والحقوق هراء في هراء او خيال في خيال ولا سبيل إلى ممارســتها وتنفيذها. أليس هؤلاء هم الذين لا يتحــركون لســجن المثقــفين ويؤيــدون جهارا عمر البشير في دارفور رغــم المليون ضحية، ويغضــون عن اضطهاد الاقليات في كل مكان. أليــسوا هم الذين يبــشرون كل لحظة بأن هناك أموراً أعلى من الحرية، فإن الواجــب الدينــي أو القومي أو الوطني يتعارض مع الديموقراطيــة تعارضــه مع الســلم والاستقرار.
اذا كنتم تريدون المزيد فأني أطرفكم بحكاية لا أعرف اذا بلغتكم او لم تبلغكم. أعرف أن العالم، والولايات المتحدة خاصة، يتكلم عنها، لكن هذا ليس سببا لتصل الينا. ثمة موانع معروفة تحمينا من هكذا حكايات، اما المانع الأولى فنفسي. نحن في أعماقنا لا نأبه لقصة كهذه ولا نظنها تستوجب انتباها كبيرا وغالبا ما نحتار في ما نثيره من لغط او احتجاج. عندنا ما يكفينا وآخر ما يهمنا ان نعلم ما قاساه مندوب تجاري، وهو أيضا ليس منا.
مع ذلك فإن هناك فضيحة هي فيلم فيديو لأخ أحد الشيوخ في حفلة تعذيب يسوم بها العذاب حفنة من 25 شخصا. يضرب أحدهم بلوح مزروع بالمسامير، ويحاول احراقه ودكربته من فوق سيارة. اما الذي هرّب الفيلم وهو مستشار سابق للشيخ فيقول ان ثمة الكثير من هذه الأفلام، وأن أخ الشيخ المذكور بصورها قاصدا ان يستمتع بمشاهدتها فيما بعد. اما الرجل الذي اختصه بأشد التعذيب من بين الـ 25. فهو مندوب افغاني لتجارة القمح. لا يهم من الرجل ولا يهم من هو الشيخ، السؤال هنا عن شغف هؤلاء المعذبين بهذه الافلام التي تظهر وحشيتهم، فهذه البورنوغرافيا الدموية ليست وقفا عليه. لقد رأينا كيف ان قصور صدام حسين ملأى بهذا النوع من الافلام التي تظهر تفجير الناس أحياء او اعدامهم او تعذيبهم.
الفارق هو ان ليس لدى الشيخ المذكور سبب صريح ليفعل ما فعل. ليس في وسعه ان يدعي أنه كان بذلك يحمي نفسه او بلده. لا يستطيع ان يضع معادلة الأمن مقابل العدالة كما يفعل ديك تشيني. ليست هذه لدى الشيخ مسألة عدل او أمن بل هي ليست مسألة على الاطلاق، انها متعته فحسب. حبه للتعذيب، شغفه ليس في أن يعذب فحسب ولكن ان يتلصص ثانية على تعذيبه، ان يرى مجددا، في خلوته، الاغتصاب والاعتداء والعنف والقسوة. لن اهتم بتفسير نفساني لهذه الظاهرة فنحن لسنا أمام مرضى افراديين. اننا في كل مكان امام اجهزة كاملة وأنظمة كاملة وجماعات كاملة واحزاب كاملة تتربى في هذه الشراسة المجانية. لم تكن طبيعة صدام وولديه فحسب، كانت في الغالب ايديولوجيا نظام، حيث الكراهية واللامبالاة والاعتداء تتحول الى ثقافة وإلى مبدأ.
لا نريد ان نستغرق في المقارنة، لكننا نفهم كيف تغدو الديموقراطية امرا نافلا بل المســؤولية الأخلاقية كلها ليست ذات بال، فأمامنا اكوام من الحاجات والعوائق قبل ان نبدأ التفكير فيها. سنجد باستمرار اولوية أخرى. سنجد باستمرار هدفا ثانيا، بل سنجد في أغلب الأحيان ان ثمة غايات أعلى تقتضي إبعادها وتتعارض غالبا معها.
السفير الثقافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى