صبحي حديديصفحات ثقافية

طرزان الإمبريالية

null
صبحي حديدي
متحف برانلي صرح ثقافي من طراز خاصّ يختلف عن عشرات المتاحف التي تحتضنها العاصمة الفرنسية باريس، ليس لأنه الأحدث عهداً (دشّنه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك قبل ثلاث سنوات)، فحسب؛ بل لأنه يختصّ بفنون وثقافات وحضارات ‘الأقوام الأصلية’، في آسيا وأفريقيا وأوقيانوسيا والأمريكتين. وضمن هذا الإختصاص افتُتح، الأسبوع الماضي، معرض ـ طريف وإشكالي، في آن معاً ـ تناول حضور شخصية طرزان في الرواية، والقصة المصوّرة، والسينما، والرسوم المتحركة، والملصقات، والدعاية التجارية، والمجسمات، وألعاب الاطفال، وسواها.
والحال أنّ إشكالية المعرض الأولى تبدأ من التركيز على تقديم شخصية طرزان كما انعكست في مختلف أنساق الثقافة الشعبية، والتغاضي التامّ عن حقيقة تعدّد ما تنطوي عليه من دلالات أخلاقية وسياسية متباينة، ومتناقضة، تجعله محبّاً للبيض أو كارهاً للسود، خادماً للطبيعة أو مخرّباً لها، إنسيّ النزعة أو عنصري السلوك؛ هذا إذا وضع المرء جانباً تلك المؤلفات الإسرائيلية التي شاعت في ستينيات القرن الماضي، وصوّرت طرزان مناصراً لإسرائيل، معادياً للعرب عموماً، وللرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر خصوصاً! الإشكالية الثانية تنبع من حقيقة أنّ المعرض يلمّح إلى الجانب الفلسفي، على الأقلّ، حين يشير عنوان المعرض هكذا: ‘طرزان! أو روسّو عند الوزيري’، في إشارة تضع موقف الفيلسوف الفرنسي جان ـ جاك روسّو (1712 ـ 1778)، الذي أخذ على البشر خسرانهم فطرة الطبيعة؛ في حال من التناغم مع قبيلة الوزيري الخيّرة، التي تتبنى طرزان وتنقله من صفة ربيب القرود إلى موقع الملك عليهم. وكان مدهشاً أن لا يتجلى هذا الجانب، أو بعض مسائله، في محتويات المعرض ذات الصلة المباشرة بشخصية طرزان، أو تلك التي تستكمل الصورة دون أن تكون عنصراً مكوّناً فيها.
الأرجح أنّ مفوّض المعرض، وهو الإثنولوجي وعالم الإجتماع الفرنسي المعروف روجيه بولاي، أراد مراعاة الذائقة الشعبية الواسعة، التي ترى أنّ طرزان هو الأسطورة الأمّ التي سبقت شخصيات أخرى راسخة تناصر الخير وتناهض الشرّ، أمثال السوبرمان والرجل الوطواط والرجل العنكبوت. وتوجّب عليه، استطراداً، أن يستبعد الجوانب الإشكالية، ويعفي المعرض من إحدى أهمّ الوظائف المناطة أصلاً بمتحف برانلي، أي تبيان حُسن، وغالباً سوء، انعكاس ثقافات الأقوام الأصلية في المخيال الشعبي الغربي، وتوفير قراءات نقدية معمقة تسهم في تصحيح التصوّر العامّ، عن طريق المادّة الفنّية ـ الأنثروبولوجية تحديداً.
وكان إريك شيفيتز، في كتابه الممتاز ‘شعريات الإمبريالية’، 1991، قد خصّ شخصية طرزان بالفصل الإستهلالي، معتبراً أنّ حكايته ـ كما رواها إدغار رايس بوروز (1875 ـ 1950)، صاحب السلسلة ومبتكر الشخصية، في الكتاب الأوّل الذي صدر سنة 1912 ـ هي ‘رومانس هوية’، تزامنت مع شروع الولايات المتحدة في البحث عن حدود جديدة ومغامرات توسعية خارجية. وكانت الحكاية تعيد التشديد على ‘المهامّ الحضارية’ التي رأى الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت أنها تقع على عاتق ‘العالم المتحضر’: لا يمكن توطيد السلام، ما لم تنجح الأمم المتحضرة في التوسع داخل جغرافية الأمم البربرية؛ وتحرير الشعوب من نير البربرية هو واجب أساسي، لا يمكن تحقيقه دون هزيمة البربرية ذاتها. وشيفيتز لا يتردد في ترجمة ‘متحضر’ إلى أوروبي، غربي، أبيض؛ مقابل ترجمة ‘بربري’ إلى كلّ، وأي، شعب خارج المقولة الأولى.
غير أنّ حكاية طرزان تثبت أنّ رغبة المرء في أن يتحضّر لا يمكن أن تتحقق إلا إذا كان متحضراً أصلاً، شبّ على لغة القرود، ولكنه علّم نفسه القراءة والكتابة بالإنكليزية، وتعلّم الفرنسية بمساعدة صديقه دارنو، بعد أن أنقذه طرزان من أيدي أكلة لحوم البشر. وعلى نحو ما، كان بحث طرزان عن الهوية بمثابة بحث لساني ـ لغوي، أسفر عن ترجمته من قرد إلى إنسان، ومن ملك قبيلة قرود إلى نبيل بريطاني، ومن طرزان (التي تعني ‘البشرة البيضاء’ في لغة القرود) إلى اللورد غريستوك. وفي ذروة اكتمال معارفه الكتابية، أو ارتقاء قدرته على صناعة النصّ كما يتوجب القول، يخطّ طرزان على باب كوخه هذه العبارة: ‘هذا بيت طرزان، قاتل الوحوش والرجال السود. لا تُلحق الأذى بأشياء طرزان، فهو يراقبك’!
ولا يوفّر المعرض مادّة تفضي إلى التفكير في عناصر مثل هذه، فتصبح الحصيلة الطبيعية هي طغيان طرزان الشعبي، أو بالأحرى: الشعبوي، الذي يتجاور حوله الفنّ الراقي مع سقط المتاع الهابط، بحيث تكون أولى الخسارات من نصيب الثقافة ذاتها التي يعلن متحف برانلي أنه يسعى إلى تكريمها، أي صورة أفريقيا الحقّة، الإنسانية والطبيعية والميثولوجيا، بالقياس إلى تمثيلاتها التخييلية في مختلف منتوجات طرزان. ومن المعروف أنّ رايس بوروز، مؤلف السلسلة، لم يطأ أرضاً أفريقية في حياته، وكانت معرفته بالقارّة سطحية ونظرية، وبالتالي كان قد صنّع لنفسه أفريقيا خاصة به وحده، لم تكن قائمة إلا في بنات أفكارة وفصول رواياته.
صحيح أنّ المرء يقع على بعض ما يُذكّر بأفريقيا الطبيعية، إذْ ثمة أسلحة ودروع ومجسمات حيوانية لغوريللا وأسد وغزال، ومؤثرات صوتية طبيعية، وحفيف أشجار، وشدو طيور، وحفنة صور فوتوغرافية بالأسود والأبيض… إلا أنّ هذه جميعها لا تطغى البتة على صيحة طرزان الشهيرة، التي تلاحق الزائر في جميع زوايا المعرض، وتجبره على استعادة هذا الطرزان وحده: القياسي، اللورد، الإمبريالي!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى