صفحات سورية

بين التوفيق والتلفيق : البعث والاخوان

null
علي كنعان
كتبت هذه المقالة قبل أسبوعين، لكنها لم تنشر في الصحيفة التي أرسلت إليها.. ربما لأن منطق الرقابة هو السائد في كل مكان. ولعل الاصدقاء في (كلنا شركاء ) أشد حرصا على حرية التعبير من أي صحيفة ورقية…

هناك عبارة سمعتها، قبل ثلاثين سنة أو أكثر، من المفكر العربي الرصين الدكتور طيب تيزيني، تقول: “كل محاولة للتوفيق بين فكرتين متعارضتين هي محاولة تلفيقية”. وقد أدهشتني العبارة بدلالتها يومئذ فسألته: “كيف؟” وقد تفضل بحديث فكري مستفيض يبين رؤيته الفلسفية في تعليل ذلك. وكانت صبغة الحديث سياسية تحاول أن تضيء ما يجري في سورية من صراع دموي صارخ بين البعث والإخوان المسلمين. لكن التاريخ، من أيام الإغريق والرومان، يؤكد: “كل إديولوجيا منتصرة لا بد أن تأخذ عناصر من غريمتها المهزومة…” وكأن في ذلك تعويضا غير مباشر، وربما كان شبيها بمرهم للتخدير حتى يخفف من آلام الهزيمة وإحباط التطلعات وانكسار الأحلام.
ومن الملاحظ بشكل جلي أن حزب البعث في سورية أخذ من الإخوان المسلمين أشياء عديدة، بدءا من انتشار الحجاب كقناع سياسي كالح.. وليس انتهاء بوصول المعتدلين في توجههم الديني إلى البرلمان العتيد. وبعض الأصدقاء المنخرطين في اللعبة السياسية أكثر مني يدرجون اسم الدكتور محمد حبش كمثل بارز على ظاهرة التوافق والاندماج، وإن كنت أستبعد ذلك لأني أرى الرجل أرحب صدرا وأكثر ميلا للحوار وحرية التعبير من المتحزبين في صفوف البعث وجماعة الإخوان معا. وليس لنا أن ننسى هنا شعار “الرسالة الخالدة” والمأخوذ من رسالة الإسلام، وإن كان لا يدرك ذلك إلا قلة من البعثيين المخضرمين. وهكذا يندمج التوفيق بالتلفيق، ويعم الرخاء وتنتشر آيات البشر والرفاه والسعادة في كل مكان.
ما يجري في وطننا العربي وما حوله من بلدان إسلامية غارقة في مستنقعاتها الدموية، من سواحل الأطلسي حتى أقاصي جنوب آسيا، هو الذي دفعني لاسترجاع حديث الذكريات مع الدكتور تيزيني، وأنا أتأمل تفاصيل اللوحة الفسيفسائية المنقوعة بالدم من السودان حتى باكستان، مرورا بالصومال واليمن والعراق وأفغانستان. ثم انطلقت أحداث الانتخابات في إيران لتكشف هشاشة الإيديولوجيا الدينية في السياسة وإدارة شؤون البلاد والعباد. وإذا كان انجلاء الصورة على حقيقتها وحتى الحديث عنها مازال محجوبا بطبقات من الغيوم، فإن بعض المنظرين القادمين من هناك يرون أن شبح الدكتاتورية قادم في الطريق، وأن إنجاز المهمة ينتظر طريقة الإخراج الدرامية.. لا أكثر، إنما من غير استعجال. ولعل الغرب المعادي، بميوله الصهيونية السافرة، أشد حرصا من حيتان البازار العربي على تحقيق ذلك، لنكون كلنا في الهوى وتبعاته الوبائية سواء.
وأخيرا جاءت قناة الجزيرة لتبشرنا، على لسان الشخص الثالث في القاعدة، أن المستقبل لأمة الإسلام الذي لن يترك مجاهدوه الأشاوس على سطح الأرض أي شخص غير مسلم. كيف، يا مولانا؟! ـ بإجبار (الآخر) على دفع الجزية أولا.. ثم بدعوته إلى الإسلام بعد ذلك، فإن أبى واستكبر فليس له إلا السيف.. ولم يغفل (سماحته) عن تذكير مشاهديه بأن السيف رمز للسلاح الذري! لن أذهب هنا مع القائلين بنظرية المؤامرة، في تقدير الرسالة الإنسانية وجدواها ومغزاها من وراء طرح هذه الأفكار عبر قناة فلكية الانتشار، لكني أتساءل: هل تستمر هذه الخفافيش الدموية بالوجود لولا ذلك الترويج الإعلامي المريب وفتح المنابر أمامهم للتعبير عن أفكارهم الظلامية وعقدهم السادية وشهوة الولوغ في مستنقعات الدم؟!
ومن ناحية أخرى، أليس موقفا مغيظا ومدانا أن نكتفي بالفرجة من بعيد على ما يرتكب المتعصبون المهووسون بإراقة الدم في الصومال من مجازر جماعية؟ ولكن، بعيدا عن تلك الفظائع المذهلة، من حق إنسان مثلي أن يطالب بدورة مدرسية تدريبية لعله يستطيع أن يفهم ويستوعب كيف يسمي حزب نفسه (الإخوان المسلمون) هكذا بالألف واللام، أو (حزب الله)، وهذان الاسمان يعنيان أن جميع الآخرين هم من (حزب إبليس.. وجند الشياطين)! ولا بد أن أبادر هنا إلى التمييز بين دور ذلك (الحزب…) في المقاومة اللبنانية الباسلة ضد العدو الصهيوني، وبين انتفاء مسوغات اختيار هذا الاسم العنصري في مسيرة بناء المستقبل.
أذكر أن المفكر الدكتور صادق جلال العظم سأل واحدا من أعمدة الكهنوت الإسلاموي في قناة الجزيرة قبل سنوات: “هل أنزلت إليكم هذه التعليمات بالفاكس من السماء وحرمنا منها؟!” وفي السياق ذاته، أذكر عبارة للمفكر والباحث المغربي الدكتور عبد النبي ذاكر حين قال: يوم ألغت جامعاتنا كليات الفلسفة واستعاضت عنها بكليات الفقه والشريعة، يومئذ تفجر العنف والإرهاب في المجتمعات العربية!
هذه أمثلة تكفي للوصول إلى إيران وإلقاء نظرة بعيدة متأنية على تلك اللوحة التي لم يسمحوا لها أن تكتمل إلا بعد أن باتت مضرجة بدماء عدد من المتظاهرين الأبرياء، وإن كانت الأصابع الخفية المحركة، من قريب ومن بعيد، غير نظيفة ولا بريئة…
يوم فوجئت بالمناظرات التلفزيونية بين مرشح السلطة والمرشحين المنافسين، خيل إلي أن إيران ستنافس تركيا في اعتماد نهج آخر للديمقراطية، النهج العلماني التركي سيقابله نهج إيراني ذو مسحة إسلامية. وهذا إغناء للتجربة الديمقراطية التي نحلم بها منذ عشرات السنين ولا نراها حتى في الأحلام! وربما، من فرط سذاجتي، كنت أتطلع إلى صيغة ما من التزاوج الوطني والمصلحي والإنساني بين البعث والإخوان في بلدي، لكن تجار السياسة والمضاربون بالإديولوجيات الدينية والعلمانية وحتى الليبرالية لا يهمهم غير أرباح الدكاكين التي افتتحوها في أسواق تلك الأحزاب.
المهم أن الفرحة لم تصل بنا إلى باب الدار. وهذا يعني، في جانبه السريالي البغيض، أن ننسى تلك (الكلمات) المثالية كالحرية والعدالة والتسامح والديمقراطية.. ونشكر أنظمتنا ونباركها، راجين استمرارها بفرض نعمة الأمان والاستقرار ونحن ندعو لها بمواصلة النهج وطول البقاء، فليس في الإمكان أروع من سكون المقابر.
وهنا أعود إلى مقولة الدكتور طيب تيزيني من جديد: “كل محاولة توفيقية هي محاولة تلفيقية بالتأكيد”، وأنا واثق من صدق هذه الحكمة إلى أقصى حدود اليقين، ولو في حدود الواقع الراهن. وكم أتمنى أن يعود المفكر الطيب ليستفيض في تناول هذه الفكرة من جديد، فقد جرت مياه غزيرة وتيارات شتى تحت الجسر خلال العقود الثلاثة الماضية، وبعض تلك التيارات كان طافحا بالدم.

كلنا شركاء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى