صفحات الحوار

حوار مع الكاتب حسان شمس من الجَولان السوري: قُل لي كيف سقط الجولان، أقول لك هل سيعود!

null
حاوره مهنّد القسّام
رغم عدم ابتعاد قرية مجدل شمس الجولانية المحتلة عن دمشق لأكثر من تسعين كيلومتراً، إلا أن اللقاء مع الصحافي والكاتب الجولاني حسّان شمس لم يكن ليتم لولا الصدفة التي جمعتنا في واشنطن. نقل إلينا الكاتب إيقاعاً مختلفاً للواقع الذي يعيشه أبناء الجولان، فقد رسم صورة حياتهم الكاملة بفضحه من جهة ممارسات الإحتلال الإسرائيلي، ومن جهة ثانية إهمال النظام السوري لهذا الجزء من الوطن.

ولد حسان شمس تحت الاحتلال وحصل على بكالوريا إسرائيلية، ثم تابع تحصيله الجامعي في دمشق، وتخرّج من كلية الصحافة والإعلام في جامعتها، قبل أن يعود الى بلدته المحتلة. عمل مراسلاً حرّاً لإذاعة مونتي كارلو في الجولان المحتل، ثم في قطاع الإنتاج التلفزيوني في مدينة رام الله بالضفة الغربية، وله مقالات عدة في الصحف اللبنانية: السفير، النهار، والمستقبل. يقول أنه لا يعدّ نفسه معارضاً سورياً رغم التقاء توجهاته وأفكاره مع بعض أقطاب المعارضة، وأنه ليس لديه أي برنامج أو طموح لأن يكون جزءً من أي تركيبة حاكمة. وكان بيننا اللقاء التالي:

كيف استطعت عبور الجولان المحتل للدراسة في دمشق؟

يتم هكذا عبور منذ أواخر سبعينات القرن المنصرم، عبر قوات الأمم المتحدة العاملة في الجولان المحتل “أوندوف”، والتي ترعى اتفاقية بين الجانبين، السوري والإسرائيلي، يُسمح بموجبها لطلاب الجولان المحتل الذين يعتزمون متابعة دراستهم الجامعية بالانتقال إلى دمشق، على أن يعودوا فور تخرجهم. والعبور بالاتجاهين، يكون مع بدء العام الدراسي وانتهائه فحسب، أي أنه لا يتم بشكل كيفي مهما كانت الأسباب.

ما الذي دفع بك لاختيار مهنة الإعلام؟

يوم صوّت الكنيست الإسرائيلي على قانون ضم الجولان نهاية عام 1981 -كنت وقتها في الثانية عشرة من عمري- تغيّر كل شيء. فالأهالي رفضوا القرار معلنين عصياناً مدنياً. رأيت جنود الاحتلال ودورياته ومجنزراته تجوب ساحات القرى وشوارعها. ثم في 14 شباط 1982، بدأ أبناء الجولان إضراباً شاملاً ومفتوحاً، رداً على القرار الإسرائيلي، دام لأكثر من خمسة أشهر متواصلة، تخللته مصادمات مع جنود الإحتلال خلال التظاهرات التي كانت تنظم.

حينها، كنت أقوم بعملية أرشفة يومية لما يدور، دون أن أدري قيمة ما أفعل، وكان ذلك يحتوي على الهتافات التي ينشدها المتظاهرون، ومسارات المظاهرات وما يتخللها من أحداث، وأحياناً اقدّر عدد المتظاهرين وعدد جنود الاحتلال المرسلين لقمع تلك التظاهرات. وقد شكّل كل ذلك مادة غنية وضخمة اعتمدت على الكثير منها لاحقاً.

في ذلك الوقت، فرضت قوات الاحتلال حصاراً محكماً على أهالي الجولان، لكنها أحياناً كانت تسمح للصحافيين بدخول المنطقة. كان منظر أولئك الصحافيين يترك في نفسي أشد الإعجاب ويثير غيرتي، فهم كانوا يتجاوزون الحواجز العسكرية الإسرائيلية ويتنقلون بين أفراد الجيش والمتظاهرين بكامل احترامهم وحريتهم، ودون أن يمسّهم أحد بأذى، بينما نحن ممنوعون من مغادرة قرانا، وقوات الاحتلال تطاردنا مِن شارع وحيّ إلى آخر. في ذلك الوقت بالتحديد، ولدت في رأسي فكرة أن أكون صحافياً.

تخرّجتَ من جامعة دمشق بعد حصولك على منحة من السلطات السورية، وما إن بدأت بالكتابة حتى بدأتَ رميها بسهامك. كيف تبرر ذلك؟

السلطات السورية لا تقدّم للشعب مِن جَمَل خيرات الوطن إلا أذنه، ولكنها تصوّر له أنها تُفضل عليه إذا ما عبّدت طريقاً أو بَنت مدرسة أو أنارت حيّاً. أقل ما يُطلب مِن سلطة سقط الجولان في عهدها، فتح أبواب جامعات الوطن لنا، كأبناء أرض سورية محتلة.

عشتُ حتى نهاية العشرينات من عمري مع “عقدة طهارتي”. كل الأشياء عندي كان يمكن تأجيلها إلى ما بعد التحرير. لكن بعد بلوغي حداً معيناً من الوعي والنضج اتضح لي عقم ذلك التفكير وعبثيته، فانقلبت عليه دون حَرج أو تردّد. فوطن مكبّل، مقهور، مقموع، ومحتل مِن داخله، لن يقوى على تحرير جزئه المحتل الآخر.

في مقال نشرته جريدة “المستقبل” اللبنانية بعنوان: “عن نظام أدار ظهره لأهالي الجولان”، أجريت مقارنة بين الاحتلال الإسرائيلي والنظام السوري. هل تعتبر ذلك منطقيا وصائبا فيما بلدتك محتلة؟

انظر الى النظام السوري والاحتلال الإسرائيلي على أنهما وجهان لعملة واحدة طالما أنهما يمارسان الظلم والقهر على السوريين. النظام ليس هو الوطن، حتى وإن حاول هو تصوير نفسه على هذا النحو؛ إنه بمواصفاته وممارساته ليس إلا عدواً للشعب السوري، لا يختلف قيد أنملة عن أيّ عدو خارجي.

كل مَن يعتدي على الشعب السوري، قتلاً أو نهباً أو بطشاً أو اعتقالاً أو تعذيباً أو تشريداً، لا يختلف عن العدو الإسرائيلي بشيء، وجميع تلك الأوصاف، كما أرى، تنطبق على نظامنا “الصنديد والممانع”! فسجون تدمر أو عدرا أو صيدنايا في سوريا ليس لها تعريف مختلف عن معتقلات عسقلان وشطة وتلموند في إسرائيل. وظيفة الأولى احتجاز معتقلي الرأي والمدافعين عن حرية الإنسان وكرامته، فيما وظيفة الثانية زج مَن يقاومون الاحتلال وظلمه وتعسفه. فالظلم هنا صنو القهر هناك.

هل نحيّت إسرائيل جانباً؟

لست من أولئك الذين لا يعرفون سوى شتم إسرائيل والإمبريالية. نحن كعرب نفعل ذلك منذ ستين عاماً وأكثر، وذلك لم يغيّر في الأمر شيئاً. أنا مع تأجيل هذا الصراع مع إسرائيل أو تجميده ريثما نتمكن من بناء دول علمانية، حضارية، وديموقراطية، وذلك وحده سيكون الكفيل بحسم الصراع لصالح العرب وإعادة ما يمكن من حقوقهم المغتصبة. فأي عملية حل للصراع مع إسرائيل، إذا لم تسبقها عملية تنظيف لهذه الأنظمة الرجعية، سوف تكون على حساب الشعوب العربية. هذا ما حصل في مصر والأردن، وهذا ما سوف يحصل في سوريا، لو تمّت التسوية.

الاستثناء الوحيد الذي تم هو في لبنان، كونه شكّل على الدوام منافساً حضارياً وثقافياً واقتصادياً لإسرائيل، رغم كل ما يعتريه من شوائب. ومن هنا، نرى أن إسرائيل والأنظمة العربية وبدعم غربي، تكالبوا على إجهاض التجربة اللبنانية.

أنت تتعرض للنظام بشكل دائم. ألا تعتقد أن ذلك قد يشكل خطرا عليك؟

اتعرض له بالكلمة وليس بالسلاح. فما الضير في ذلك؟ إن ذكره لم يمرّ معي في أي مِن الكتب السماوية! كل مَن يعمل يخطئ، والأنظمة وُجدت لتُنتقَد.

أنا لا أفهم سر هذه القداسة التي يحيط بها النظام السوري نفسه، فلماذا لا يُنتقد، وتاريخه مليء بالهزائم والانكسارات والخيبات؟ أليس كارثة أن يُسمح لك أن تفعل ذلك تحت الاحتلال، فيما يُحرَّم هذا الشيء على مواطنيك تحت حكمهم الوطني!

أودّ إيراد حادثة في هذا السياق. أذكر، عند زيارة شمعون بيريز الاستفزازية لمجدل شمس عام 1986، تصدي الأهالي له بمظاهرة عارمة، رشقوا خلالها موكبه بالحجارة وكسّروا عدداً من السيارات المرافقة وضربوا رجال الأمن، وقد قامت الشرطة بتهريبه من أحد أزقة القرية. يومها، اعتُقل عدد من المواطنين لفترات محدودة وفُرضت غرامات مالية، وبعدها عادت الحياة إلى طبيعتها. فهل مَن يَعتبر؟

مَن يقرأ مقالاتك يلاحظ أن معظمها يتعلق بالشأن اللبناني، حتى عندما تكتب بالشأن السوري فإن ذلك يكون من النافذة اللبنانية. أهو اختصاص أم عشق؟

مجدل شمس، ضيعتي، تقع على سفح جبل الشيخ، في جوار مزارع شبعا اللبنانية. أذكر إبان الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 أن معظم القوات مرت من قريتي إلى جبل الشيخ فالأراضي اللبنانية، وكانت جدران منازلنا تهتز مع كل قذيفة وغارة على لبنان. كما أن غالبية العائلات الجولانية مِن أصول لبنانية، وعائلتي بالتحديد موجودة في بعقلين. إضافة إلى أني لم أقرأ في حياتي جريدة غير لبنانية، ولم أكتب في جريدة غير لبنانية، بدءً بالسفير فالنهار فالمستقبل. وفوق ذلك كله اعتبر بيروت حاضرة العرب وملاذ كل الذين ضاقت بهم أوطانهم.

وجوابا على سؤالك المتعلق بالشق السوري، فإن ملاحظتك في محلها؛ ففي ظل التعتيم الذي يمارسه النظام، لا استطيع قراءة الخارطة السياسية السورية وفك رموزها وتحليل أفعال النظام ومواقفه وردود أفعاله، غالب الأحيان، إلا من خلال أذنابه اللبنانيين، على أساس مبدأ: “مِن صغارهم تعرف أسرارهم”.

مِن هنا انطلق لسؤالك عن “حزب الله”. ما سر هذه المواقف الحادة التي تتخذها حياله؟

“حزب الله” قطف ثمار التحرير عام ألفين. يوم دحرت القوى الوطنية اللبنانية إسرائيل إلى الشريط الحدودي، كان الحزب المذكور مجرد عصابة تمارس خطف الأجانب وحرق محلات المشروبات الروحية وتكسيرها. ومع ذلك، كثيرون، وأنا منهم، كنا نحفظ له ذلك الإنجاز ونقدّره أحسن تقدير.

بدأت عملية تلزيم المقاومة ل”حزب الله”، بالتضييق على المقاومين اليساريين وانتهت بالتصفيات الجسدية التي تمت بحق الكثير من كوادرهم، لا سيّما كوادر الحزب الشيوعي. شتم إسرائيل أو قتالها لا يبرران، لا لـ”حزب الله” ولا لغيره، تصويب أسلحته على شعبه وإجهاض مشروع الدولة أو تدميرها أو السيطرة عليها. مَن يقوم بتلك الأفعال الشائنة لا يختلف عن إسرائيل، و”مقاومة” على هذه الشاكلة، عدمها خير مِن وجودها.

كيف انعكست انتفاضة الاستقلال في لبنان على الشارع الجولاني؟

كان لانتفاضة الاستقلال أشد الانعكاس على الشارع الجولاني، وأهالي الجولان المحتل دائما تفاعلوا مع الحدث اللبناني. زد على ذلك، أنَّ مَن اعتاد رفض ظلم الاحتلال ومقاومته لن يزكّي ظلماً آخر أشد ضراوة منه، حتى ولو كان فاعل هذا الظلم سلطات وطنه.

وقد حاول النظام السوري تأليب الجولانيين على أحد زعماء الانتفاضة، وليد جنبلاط. فأرسل وئام وهاب وطلال إرسلان وسمير القنطار الى “تلة الدموع” في موقع “عين التينة” المطل على بلدة مجدل شمس المحتلة، تلك التلة التي يتواصل الأهل خلالها في الجزأين المحتل والمحرَّر عبر الميكروفونات، بعد أن حالت حقول الألغام والأسلاك الشائكة بينهم، وطلب منهم التحدث للتحريض ضد جنبلاط. لكن المحاولة هذه فشلت.

بعد مرور أربعة أعوام على استشهاد سمير قصير. ماذا مثّل لك سمير، وكيف وقع عليك خبر اغتياله؟

كان العديد منا في الجولان ينتظر مقاله الأسبوعي، وكنا نتسابق على قراءته. أذكر أنه عشية التفجير الذي حدث في منطقة المزة بدمشق قبل عدة أعوام، كنا مجموعة شبان نحاول تحليل ما حصل، فخرجنا بخلاصة أنه حادث مُفبرك مِن ألفه حتى يائه. وحدثَ أنه في اليوم التالي كتب سمير قصير مقالته الشهيرة عن تلك الحادثة بعنوان: “دروس مِن حدَث لم يحدث”. بعد أن قرأنا مقاله كدنا نفقد عقولنا لشدّة التطابق بين ما خرجنا به وما كتبه سمير. فأدركنا يومها أن لهذا اللغز تفسيراً واحداً، هو أن سمير قصير يعيش في عقل ووجدان وضمير كل سوري حرّ، وهو الذي وضع الاصبع على الجرح في معادلته المبتكرة: “ديموقراطية سوريا واستقلال لبنان”.

عودة إلى الشأن الجَولاني. ما تعليقك على المرسوم الجمهوري القاضي بإعطاء الهوية السورية لأهالي الجولان المحتل؟

أهالي الجولان سوريون أباً عن جد، وليسوا بحاجة إلى مراسيم جمهورية لتأكيد ذلك. ثم أنّ مَن يصدر أمراً على هذا النحو ينبغي له إعداد الترتيبات التي تجعل منه منطقياً وقابلاً للتطبيق على أرض الواقع. فهل استطيع مثلاً عند حصولي على الجنسية أو الباسبورت السوري التنقل بواسطته عبر المطارات الإسرائيلية، على اعتبار أني ابن أرض محتلة؟ وهل بإمكاني استخدام الهوية السورية في تعاملاتي اليومية في الجولان المحتل؟ هذا مجرّد “بريستيج” لا يقدّم ولا يؤخر! أنا قلت أنّي سأتبرّع بـ”هويتي الموعودة” لمواطن كردي ما، فهناك ثلاثمئة ألف كردي سوري مجردون من الجنسية السورية دون وجه حق. والأجدر إعادة حق المواطنة لهؤلاء قبل التفكير أو الإقدام على خطوة جوفاء لا تقدّم ولا تؤخر تجاه أبناء الأرض المحتلة!

كيف تلخّص لنا الوضع في الجولان المحتل على صعيد العلاقة مع الاحتلال؟

بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، بقي حوالي سبعة آلاف مواطن في الجولان من مجموع ما يزيد عن 130 ألف نسمة. فقد قام الإحتلال بتهجير جماعي لأهل الجولان، بعد أن دمّر قراهم التي شيد فوقها لاحقاً المستعمرات. تعداد النازحين راهناً يقارب نصف مليون نسمة، يشكلون أحزمة فقر حول العاصمة دمشق ومدن سورية أخرى، واعتقد أن ذلك يرقى إلى مرتبة جريمة ضد الإنسانية. هذا إضافة الى منع الخارجين من القلة الباقية من العودة الى قراهم. ونتج عن ذلك تشظي قسم من عائلات الجولان بين شرقي خط وقف النار وغربه، وهم يتواصلون راهناً عبر الميكروفونات على خط الفصل المزروع بالألغام والأسلاك الشائكة، أو ما يُعرف بـ “تلة الدموع”.

أما مَن بقوا في أرضهم، فقد حاول الاحتلال أسرلتهم بشتى السبل، ومارس بحقهم أبشع أنواع الحصار والقهر والتنكيل والتضييق. لكنهم صمدوا في أرضهم، وحافظوا عليها سورية، وهم مجردون من أي نوع من السلاح إلا انتماءهم الأصيل الى وطنهم السوري. ورغم فرض إسرائيل قانونها المدني عليهم عام 1981 وعزلهم التام عن محيطهم السوري والعربي، ومحاولتها إخضاعهم بقوة السلاح وفرض الجنسية الإسرائيلة عليهم، فقد استمروا في مقاومتهم، وفي تقديم قوافل الشهداء والمعتقلين حتى يومنا هذا.

أنت أثرتَ قضية الجنسية الإسرائيلية في أكثر من مناسبة. لقد أوردتَ أن الأهالي رفضوا تلك الجنسية التي حاولت إسرائيل فرضها عليهم بقوة السلاح. حدّثنا عن ذلك. وما عدد الذين استلموا جنسية الاحتلال؟

الجولان، ظل خاضعاً للحكم العسكري الإسرائيلي منذ احتلاله حتى تاريخ 14/12/1981، تاريخ إعلان قانون ضم الجولان وإخضاعه للحكم المدني الإسرائيلي. تصدى أهالي الجولان لهذا القرار رافضين إياه بشكل مطلق، وذلك عبر إعلانهم إضرابهم الشهير في 14/02/ 1982 الذي استمر أكثر من خمسة أشهر متواصلة. حينها ارسلت اسرائيل أكثر من 16 ألف جندي لفرض الجنسية على الأهالي بالقوة، ولكن سكان الجولان رفضوا الجنسية الإسرائيلية. استلمتها آنذاك عشرات فقط، باعتراف الأجهزة الرسمية الإسرائيلية ووسائل الإعلام، وذلك لأسباب مختلفة.

كان الأهالي قبل ذلك قد أصدروا وثيقتهم الوطنية الشهيرة، بتاريخ 25/03/1981، التي حرّموا فيها كل أشكال التعامل مع العدو الإسرائيلي، فارضين حرماً وقطيعة دينية واجتماعية على كل مَن يستلم هذه الجنسية، وقد حققوا من جراء ذلك نجاحاً باهراً. المشكلة أن المجنسين أورثوا تلك الجنسية لأولادهم، حيث أصبح عددهم راهنا حوالي 700 شخص، وهؤلاء (الوَرَثة) يعانون الأمرّين من جرّاء ذلك. فهم، أو معظمهم لم يتركوا وسيلة قانونية تخلّصهم مِن هذه الورثة السيئة، لكن دون جدوى، فسلطات الاحتلال ترفض إسقاط جنسيتها عنهم، وهم عالقون حتى الآن بين مطرقة الرفض الإسرائيلي وسندان المقاطعة الاجتماعية.

ودعني هنا أعيد مرة أخرى كي أزيل أي التباس حول هذا الموضوع: بعد اتفاقية فصل القوات الموقّعة بينهما عام 1974، بقي لسوريا في ذمّة إسرائيل ما مجموعه 1250 كم2 من مساحة هضبة الجولان الكلّية المقدّرة بـ1860 كم2. ما تبقّى من المواطنين السوريين في الجزء المحتل، كانوا يقدّرون بـ7000 نسمة، يتوزعون على ست قرى هي: مجدل شمس، مسعدة، بقعاثا، عين قنيا، الغجر، وسحيتا. لاحقاً، قامت إسرائيل بتدمير قرية سحيتا وتهجير سكانها إلى قرية مسعدة المجاورة، وهؤلاء يتركّزون فقط على خمسة بالمئة من مساحة الجزء المحتل من الجولان.

هؤلاء السبعة آلاف، أصبح تعدادهم راهناً عشرين ألفا. ألفان منهم يقيمون في قرية الغجر التي تقع على تقاطع ما بين الحدود السورية- اللبنانية- الإسرائيلية، وكان لهذه القرية وضعها الخاص، حيث استلم جميع سكانها الجنسية الإسرائيلية ولم يلتزموا بالإضراب الذي نفذّه الأهالي، وبالتالي فإن إسرائيل استثنتهم من إجراءاتها القمعية التي مارستها بحق باقي القرى. أما سكان القرى الأربع الأخرى، الذين يبلغ تعدادهم 18 ألف نسمة حالياً، فهم رفضوا الجنسية الإسرائيلة، خلا عشرات منهم صاروا بسبب توارث الجنسية مِن الآباء إلى الأبناء حوالي 700 شخص. أي أن ما مجموعه 17300 مواطن من أصل 18000 ألفاً من أهالي الجولان لا يحملون جنسية العدو، وما بحوزتهم هي بطاقات تعريف تحتوي على التفاصيل الشخصية، وتشير إلى أن هضبة الجولان هي مكان الإقامة، وهي خالية من أية إشارة إلى الجنسية.

يتهم أهالي الجولان مِن قبل البعض بأنهم كسروا قاعدة: “حيث يوجد احتلال توجد مقاومة”. ما تعليقك؟

أهالي الجولان لا يتجاوز تعدادهم عشرين ألف نسمة. لم يكفهم أنهم تُركوا لمصيرهم؛ حيث راحوا ضحية احتلال شرس من جهة، وتخلي وطنهم عنهم من الجهة الأخرى، بل تعرضوا لشتى أنواع المزايدة والافتراء، ومِن قبل نخب مثقفة ومفكرة أحياناً!

أقول، إن ما فعله أهالي الجولان المحتل، لجهة صمودهم في أرضهم والمحافظة عليها سورية، ورفضهم جنسية المحتل رغم الأهوال وأصناف التنكيل والقمع التي مارسها الاحتلال بحقهم، إن ذلك يساوي مجموع النضالات “الجعجعاوية” التي يمارسها كثير مِن العرب منذ ستين عاماً. هناك معتقلون جولانيون يقبعون في سجون الاحتلال منذ 25 عاماً بسبب مقاومتهم له، مَن سمع بهؤلاء؟ الآلاف من سكان الجولان المحتل دخلوا السجون الإسرائيلية، وكل ذلك جرّاء رفضهم للاحتلال وسياساته، وبقرار ذاتي مِن دون أي دعم معنوي أو مادي أو لوجستي، لا مِن الوطن ولا مِن سواه. إن تحرير الأرض يقع على عاتق مَن خسر الأرض ولديه الجيوش والأسلحة!

ودعني أقول في هذا الصدد، أنه إذا كان حسن نصرالله بذاته، قد قال مبرّرا استثناء معتقلي الجولان في السجون الإسرائيلة من صفقة تبادل الأسرى ما قبل الأخيرة، إنهم يُعتبرون مواطنين إسرائيليين بحكم حملهم الجنسية الإسرائيلية، فكيف بي بالأقل وعياً منه!؟

أنت انتقدت في مقال لك بعنوان: “أضواء على ظلال الحركة الأسيرة في الجولان المحتل” انتهاج الكفاح المسلّح هناك، وقلت إن النضال السياسي وحده كان كافياً؟

في ظل الإحكام المطبق الذي مارسته سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وانعدام أي نوع مِن الدعم العسكري أو اللوجستي، أو المادي، مِن الوطن أو سواه، لبضعة آلاف من السكان العزّل، كان الانصراف إلى العمل السياسي وحده كافياً لأهالي الهضبة السورية المحتلة. وقد أثبتوا كفاءة عالية قَلّ نظيرها في الحفاظ على أرضهم وهويتهم السورية.

فالنظام السوري، لم يمتلك الجرأة للاعتراف لمواطنيه أنه بعد اتفاقية الفصل أسقط من حساباته، وإلى غير رجعة، الخيار المسلح! الشعب السوري، فهم تلك المعادلة من دون عناء، عبر الإجراءات المعقدة التي صار المواطن في الداخل السوري يحتاجها لبلوغ محافظة القنيطرة، والجزء المحاذي للأراضي السورية المحتلة على وجه التحديد، كحاجته إلى تصريح خطيّ من فرع فلسطين (سيء الذكر)، والمرور على عدة نقاط للأمن العسكري لمشاهدة هذا التصريح، ذهاباً وإياباً.

هل يتحرر الجولان قريباً؟

قُل لي كيف سقط الجولان، أقول لكَ هل سيعود… حقيقة، ليس لديّ إجابة. فحتى تستطيع استشراف المستقبل، لا بدّ أن تكون ملمّاً بتفاصيل الماضي وقارئاً ومتابعاً ممتازاً لأحداث الحاضر. إلى الآن لا أعرف ما الذي حصل عام 1967. ما قرأته عن عمليات تسريح وتصفيات لخيرة كوادر الجيش السوري وضباطه قبيل الحرب، والبلاغ 66 الذي أعلن بموجبه وزير الدفاع حافظ الأسد عن سقوط مدينة القنيطرة قبل وصول جنود العدو لها، وإعطاء الجيش السوري قرار الانسحاب الكيفي من المعركة، كل ذلك يوصل لاستنتاجات مخيفة. لذا، ما زلت أبحث عن توصيف علمي ومقنع لما حصل آنذاك. هل كان سقوط الجولان نتيجة إهمال أو تقصير؟ أم أنه احتلال فعلي كما يحصل في كل الحروب؟ أو هو غير ذلك وذاك؟ ما تقدّم مِن تساؤلات، تبقى فرضيات ينبغي البحث فيها وصولاً الى حقيقة ما جرى.

ما أعرفه وأجزم بصحته، أن النظام السوري منذ اتفاقية فصل القوات عام 1974 بينه وبين إسرائيل لم يطلق رصاصة واحدة باتجاهها، وأنه مذاك وهو مستمر بالقتال بلحم الفلسطينيين واللبنانيين، ولاحقاً العراقيين، لرفع سعره في بورصة التعاملات الدولية! وما أعرفه أيضاً، أنّ “اتفاقية السلم غير المعلنة” بينه وبين إسرائيل، كانت أمتن من كل اتفاقيات الصلح المنفردة التي وقّعتها الأخيرة مع كل من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية! وعليه، عندما أجد إجابة مقنعة لما حصل في حرب حزيران، قد استطيع التنبؤ بعودة الجولان من عدمها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى