صفحات الحوار

صادق جلال العظم :لايوجد سر للاستشراق بل دول صاعدة تتوسع وتستعمر وتهيمن

null
بنزعته النقدية المكتملة يؤكد المفكر السوري صادق جلال العظم أنها الأقدر على تحليل أولويات «كتاب الاستشراق» لإدوارد سعيد وذلك عندما كتب «الاستشراق والاستشراق معكوساً» الذي أثار في حينه ولايزال ردود فعل سلبية من بعض المثقفين العرب الذين رأوا في الكتاب اتهاماً صريحاً لإدوارد سعيد بالعمالة للغرب، وهذا
بنزعته النقدية المكتملة يؤكد المفكر السوري صادق جلال العظم أنها الأقدر على تحليل أولويات «كتاب الاستشراق» لإدوارد سعيد وذلك عندما كتب «الاستشراق والاستشراق معكوساً» الذي أثار في حينه ولايزال ردود فعل سلبية من بعض المثقفين العرب الذين رأوا في الكتاب اتهاماً صريحاً لإدوارد سعيد بالعمالة للغرب، وهذا ما نفاه صادق جلال العظم الذي قال: «إدوارد سعيد رفيق دربي ومعرفتنا متينة وعندما كنت أذهب إلى نيويورك كنت أقيم في منزله وهو جار لي في بيروت» لكنه اعترف بأنه لم يوفق في التعبير عما يدور في داخله لهذا فهمه البعض بأنه يتهم ادوارد سعيد بالعمالة علماً أنه يعتبر النقد ظاهرة صحية حتى لو كان ادوارد صديقه.. فإلى نص الحوار..
* إذا كان ماركس قلب هيجل وجعله يمشي على قدميه بدلاً من رأسه فهل كان كتاب «الاستشراق والاستشراق معكوساً» الذي كان رداً صريحاً على ادوارد سعيد يستهدف الغاية نفسها بأن يجعل الاستشراق يسير على قدميه بدلاً من رأسه؟
الجواب على العموم.. نعم، ومن الأشياء التي أقلقتني عن صدور كتاب الاستشراق هو ما نعتبره بالتعابير الماركسية جزءاً من البنية الفوقية لحياة مجتمع ما تحولت إلى العامل المقرر والحاسم والمحرك على الأقل في معظم الكتاب بدلاً من العوامل التي ننسبها للبنية التحتية في حياة المجتمع ولذلك قال أحد الأصدقاء.. يبدو من كتاب ادوارد وكأن الاستعمار هو أعلى مراحل الاستشراق بمعنى أنه بدلا من أن يكون الاستشراق هو الخطاب الملائم للعملية الاستعمارية «الاستعمار عملية مادية» الطريقة التي قدم فيها ادوارد موضوع الاستشراق «واقف على رأسه» وكأن الخطاب الاستشراقي هو الذي صنع التوسع الاستعماري الأوربي وهناك جزء كبير من الكتاب في هذا الاتجاه مع أن هناك أجزاء ومقاطع من كتاب الاستشراق فيها تخفيف لوجهة النظر هذه أو تستشهد ببعض المقاطع التي تبين أن الأمور ليست هكذا تماماً.
وما أقلقني ثانياً في الكتاب ثقل نقاشه بأن يجعل الخطاب الاستشراقي هو المحرك الأول للتوسع الأوربي مع بداية العصر الحديث «عصر النهضة» بدلاً من أن يكون توسعه هو المحرك الأول والخطاب الاستشراقي الذي هو الإيديولوجية والرؤية والمشروع الفكري وهذه الفكرة متأتية عند إدوارد إنه حين كتب الكتاب كان متأثراً كثيراً بالكاتب الفرنسي ميشيل فوكو وكان تحت تأثير نظرية الخطاب الفرنسية وهي تعطي الخطاب كتشكيلة معرفية دوراً محركاً أولاً وحاسماً في تحريك الأحداث وهو تأثر بهذا الشيء مما انعكس في كتاب «الاستشراق» لادوارد سعيد.
وما أقلقني أيضاً كعربي لدي حساسية نقدية عالية تجاه الانغماس الزائد للعربي المعاصر في عالم الخطابة والخطابات والكلمات والعبارات لدرجة «العقلية السحرية» كأن الكلام والخطاب يغير الواقع لدرجة أن مفكر مثل عبدالله القصيمي يقول عن العرب «ظاهرة صوتية».
ووجدت أيضاً شيئا خطيرا في كتاب الاستشراق عندما يشدد ادوارد على أهمية الخطابة لهذه الدرجة هذا سيتناغم بشكل ممتاز وكأنه إعادة تأكيد لنزوع العرب نحو الخطابة ونحو الشفوية بدل الاتجاه نحو ماهو فعال أكثر، أنا لا أريد أن أضع الاستشراق على قدميه ولكني أردت أن أضع نقدا لتقديم الاستشراق على أنه خطاب تراكمي طويل المدى وهو المحرك الأول في علاقة أوربة الحديثة بالشرق.. وأسأل.. هل المصالح المادية الحيوية هي المحرك وتنتج خطابها الاستشراقي؟ أم أن الاستشراق هو المحرك لأوربا ويجعلها تسعى باتجاه المصالح الحيوية..؟ وإعادة المسألة إلى نصابها الطبيعي هو أن نعتبر المصالح المادية تتطلب دراسات وبحوث لفهم الثقافات الأخرى التي قام بها الاستشراق.
* وماذا عن التأييد والتبني العربي للمثقفين العرب لفكر ادوارد الاستشراقي؟
هذا التأييد جاء عن عصبوية أكثر مما جاء عن تمحيص وتدقيق في الكتاب.
أنا ومهدي عامر من نقد الكتاب والباقي هللوا وكبروا وتبنوا الكتاب لأسباب من وجهة نظري خاطئة لأنه مجرد نقد للاستشراق وللغرب «فش خلق بالنسبة للمثقفين العرب» الذين تعاملوا مع الكتاب عاطفياً والالتفاف حول الكتاب نوع من العصبوية والعشائرية على مبدأ المثل القائل «حك لهم على جرب» وهذا ما دعاني للشذوذ عن شبه الإجماع العربي على الكتاب لأسباب ليس بالضرورة أن يكون لها علاقة بالنقد أو الفهم.
* هل عجز المثقفون العرب عن إدراك مكنونات الاستشراق؟
لا أعتبر أن هناك سراً للاستشراق، هناك دول عظمى صاعدة تتوسع وتستعمر وتهيمن من الطبيعي أن تنتج مبررات ومسوغات لنفسها وتنتج أحياناً علماً حقيقياً عن المناطق التي تفتحها وتديرها وتوجه لها مستقبلها والغرب أصحاب ثورة علمية من الطبيعي أن ينقلوا بعض مناهج الثورة العلمية في أوروبا لدراسة الثقافات واللغات في البلدان التي فتحوها ويسيطرون عليها، لكن هذا لا يكشف عن حقيقة القصة بكاملها هناك علماء ومستشرقون لديهم اندفاع علمي حقيقي لفهم الثقافات الأخرى.
أنا لا أريد أن أدين من درس الثقافة العربية أو الثقافات الأخرى ولا أعتبره يقوم بذلك لأغراض استعمارية وادوارد لم يفعل ذلك هو استثنى عدداً من المستشرقين واعتبرهم علماء حقيقيين وأحياناً انتقدت ادوادر في انتقاء بعض هؤلاء العلماء لأنه اختار البعض لأسباب عاطفية مثل ماسينيون مستشرق من النوع الذي ينتقده ادوارد.
وادوارد لا ينكر الإنجازات التقنية على الاستشراق كقراءة لغات ميتة لا أحد يستطيع قراءتها منذ مئات السنين وصولاً إلى إدخال المناهج العلمية الحديثة في دراسة المخطوطات والنصوص وتأويلها وتفسيرها، وعلى العكس تماماً هناك ميل لدى بعض المثقفين العرب للاستهتار بكل ما أنجزه الاستشراق على أساس أنه من موقع معاد.
* لكن من يقرأ «الاستشراق والاستشراق معكوساً» يصل إلى قناعة باتهامك لادوارد سعيد بالعمالة وإن لم تكن مقصودة؟
لا.. هذا غير صحيح على الإطلاق لكن كتبت بضع جمل لم أوفق في التعبير عما كان يدور في ذهني، وكل كاتب يظن أنه فكر وعبر بالشكل الصحيح لكنه يشعر لاحقاً بأن ما كتبه وصل بصورة مغايرة كما أراد، وهذا ما حدث معي عندما كتب «النقد الذاتي بعد الهزيمة» الكثير قال إنني أخدم إسرائيل وهذا نوع من الموقف الصعب والمحنة «إذا كتبت تشعر وكأنك تخدم العدو وإذا لم تكتب تشعر وكأنك تسيء لنفسك وتتستر على العيوب وهذا أيضاً خدمة للعدو».
وادوارد في فترة شهر العسل مع الرئيس عرفات راهن على الولايات المتحدة لحل مشكلة فلسطين وكنت متحفظاً ونقدي وحينها كتبت مقالاً نشرته بالإنكليزية عنوانه «الصهيونية الفلسطينية» لم أتجرأ على نشره بالعربية، وهذا المقال أوضح كيف استطاعت الصهيونية أن تأخذ فلسطين حين وضعت نفسها في خدمة المصالح الاستعمارية والإمبريالية الكبيرة «بريطانيا والولايات المتحدة» أخذوا ماكانوا يريدون وعندما قلد الفلسطينيون الصهيونية العالمية وضعوا أنفسهم في خدمة الولايات المتحدة ليعتمد عليهم بدلاً من إسرائيل ولم يتحقق لهم ما كانوا يطمحون له.
أعترف أنني لم أوفق إلى قول ما في داخلي ففهمت وكأني أتهم ادوارد بالعمالة، وقد أوضحت ذلك في نقاشاتي مع أدونيس حول الثورة الإيرانية. بالعكس تماماً أنزه ادوارد كلياً ولا أشك في إخلاصه لقضيته، وبعد نشر ادوارد للاستشراق طلب إليه مجلس العلاقات الخارجية وهو هيئة مستقلة غير حكومية تصدر مجلة «فورن إيفرز» أن يشارك في المجلة وسألني عن رأيي في دخوله إلى المجلة فأجبته ب لا لأني أعرف أن ادوارد أكثر ميلاً للعمل من الداخل بدلاً من الوقوف النقدي من الخارج.
* برأيك هل الصور التي قدمها ادوارد سعيد عن المثقف ووظيفته تقدم المثقف باعتباره كائناً يسير على رأسه أو قدميه؟
برأيي هناك عاملان يجتذبان ادوارد بالنسبة للمثقف..
العامل الأول يمثله ادوارد في حياته العملية وهو الالتزام بقضايا معينة والكفاح من أجلها وهنا يمشي المثقف على رجليه. وهناك صورة أخرى للمثقف العائم فوق هذه القضايا وهذا ما يسمى بالبرج العاجي الذي ينظر من الأعلى إلى هذه القضايا. ادوارد قبل 1967م كان هذا النوع وأنا لا أنكر عليه هذه المسألة بالنسبة للعالم والمثقف وضع مريح أن تشعر نفسك أنك تتعاطى مع قضايا مهمة وأن هذه الأمور عابرة وإلى حد ما أنا أيضاً كنت ميالاً لمثل هذه الصورة. ولولا هزيمة 1967م لا ستمررت في عالم المسائل الفكرية والفلسفية والإبستمولوجيا وفلسفة العلوم والخيال.
وأحياناً ادوارد يميل إلى صورة المثقف الذي يمشي على رجليه «المثقف الملتزم» وأحياناً يميل إلى الفكرة التقليدية المريحة عن المثقف وجزء من يسارية ادوارد يؤكد هذا الجاني وأحياناً تضعف لمصلحة المثقف والعالم وأستاذ الجامعة بالمعنى الكلاسيكي وأحياناً يعود بين هذين الجانبين وهذا ليس بالضرورة نقيصة لأن الحياة بحاجة لكل هذه التعارضات.
لا أريد القول إن ادوارد سعيد بعد 1967م مفهومه للمثقف ابتذل فقط لدرجة الالتزام فقط للقضايا التي يؤمن بها. هناك احترام للتجريد.
* ما العنصر الجوهري في تجربة ادوارد سعيد خارج المكان؟ هل هي تجربة فردية أم تجربة جماعية؟ هل كان مهموماً بفرديته أم بتجربة الشعب الفلسطيني بصفة عامة مع الإشارة بأنك فصلت بين ادوارد الأمريكي وسعيد العربي؟
هناك جانبان في ادوارد.. ادوارد وادوارد سعيد.. عندما يكتب ادوارد سعيد عن الاستشراق أو عن تغطية الإسلام أو القضية الفلسطينية هنا سعيد أكثر من ادوارد لكن عندما يكتب «خارج المكان» هو أقرب إلى ادوارد الأمريكي من سعيد العربي لأن هذا النوع من السيرة الذاتية التي تتعمق بعلاقة الكاتب بأهله هي نموذجية في الغرب. في هذا النوع من البوح الجريء هو ادوارد سعيد الأوربي الأمريكي على غرار اعترافات روسو ولا مانع من أن يسير على الخطين فهو أمريكي وعربي فلسطيني بوقت واحد ولا يريد أن يختار خياراًَ نهائياً وأن يتلبس واحد لهوية الآخر. لا يريد أن يتخلى عن أمريكيته وغربيته ولا أحد يشك أن الهم الفلسطيني والعربي في العالم الثالث عند ادوارد سعيد كان من أولوياته.
في خارج المكان حمل الهم الفردي ولا أخطئ ادوارد سعيد على السير في هذين الخطين طالما أن عنده الطاقة والمقدرة والعقل الفذ.
وهذا الكتاب بعد ترجمته أدخل نوعاً جديداً من السيرة الذاتية في الأدبيات العربية، البعض قرأ اعترافات روسو لكن يبقى هذا بنفس غربي لكن عندما يقوم ادوارد العربي الفلسطيني بهذا النوع الجديد من الكتابة والبوح يعتبر مكسباً كبيراً للقارئ العربي، أما أنا لست مغرماً بهذا النوع من البوح لأني أعتبره تجربة فردية.
* اشتهر ادوارد سعيد بكشفه لأساليب التغطية المنحازة لأجهزة الإعلام الغربية وخاصة الأمريكية ضد الإسلام ولما يتصل بقضايا الشعوب الإسلامية «كما هو معروف بكتابة تغطية الإسلام»، ما رأيك في هذه التجربة بعد أحداث سبتمبر؟
ادوارد في هذه المسألة يختلف عن الكثير في الشرق، لأننا في العالم العربي لا نفاجأ ولا نشعر بالصدمة مهما عمل الإعلام الغربي، ادوارد في جانبه الغربي والأمريكي يصعب عليه أن يكون إعلام بلده سيئا إلى هذه الدرجة. أنا في الشرق يصعب علي أن يكون الإعلام العربي سيئا إلى هذه الدرجة، ادوارد يريد أن يتحقق من ادعاءات الإعلام الغربي بالنسبة للعرب وفلسطين، نقده للإعلان الغربي نقد بناء وهو لايريد هدم الإعلام الغربي إنما يريده أن يكون بمستوى ادعاءاته وطموحاته، من السهل الهجوم على الإعلام الغربي ولكن من في هذا العالم قادر على أن يستغني عن الإعلام الغربي. لا أحد من القادة أو الشعوب يستطيع الاستغناء عن هذا الإعلام لأن هناك شيئاً مهماً فيه رغم تحفظنا الشديد عليه. ادوارد أدرك هذه المسألة ولذلك نقده للإعلام الغربي هو نقد شخص مفجوع بإعلام بلده.

حاوره عبدالكريم العفنان لصالح صحيفة الجزيرة السعودية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى