صفحات مختارةطيب تيزيني

“أرسلان”: تصحيح لمفهوم النهوض

د. طيب تيزيني
كان الحوار والسجال حول قضايا النهوض والتقدم والنجاح في العالم العربي الإسلامي على امتداد العقود السابقة على الحرب العالمية الثانية، وخصوصاً في سياق احتدام الصراع بين الغرب الاستعماري والامبراطورية العثمانية (الرجل المريض)، قد سجل درجات متصاعدة، وكانت فرصة الالتقاء بهذا الغرب من داخله كما من خارجه، قد كوّنت مداخل هامة إلى ذلك.
والنموذج المطروح الآن على بساط البحث يتمثل في تجربة كالتي خاضها المفكر السوري النهضوي والاستقلالي شكيب أرسلان، وهي تجربة غنية، خصوصاً بمجموعة من الاستخلاصات، التي صاغها على صعيد التفكير النهضوي المقارن. فقد كان الرجل واحداً ممن أسسوا لهذا التفكير العربي، كما كان مفكراً بارزاً حاول إخضاع هذا التفكير لقراءة نقدية خصبة، استطاع عبرها وضع اليد على عدد من المسائل والأسئلة الكبرى التي شغلت، وطبعت – كما رأى هو – كامل العهد النهضوي العربي الإسلامي الحديث، وبهذا المعنى، لم يكن شكيب أرسلان الوحيد الذي تصدى لإشكالية النهوض الجديد في العهد المذكور. كان هناك تيار أخذ ينمو باطراد، ويعبر عن ثلة من الرجال (والنساء)، من الطهطاوي في مصر إلى أرسلان نفسه وأمثاله في عدد من البلدان العربية.
ونلاحظ أن أرسلان عاش في أوروبا لفترة معينة رصد في أثنائها ما اعتبره “نموذجياً وعاماً” في أي حديث نهضوي. ونقول على ذلك بما أعلنه الشيخ محمد عبده في أحد مواقفه أولاً، وبما صاغه أرسلان من سؤال مركزي ونموذجي لمسألة النهضة العربية الإسلامية، ثانياً. ففي تدقيقه في الفكر الإسلامي الذي هيمن في عهد محمد عبده، مقارنة بما رآه واستشعره من حضور متصاعد لوسائل التقدم والنهوض في الغرب، وصل الإمام إلى قولة مكثّفة لخصها في الفكرة التالية: في الغرب يوجد إسلام دون مسلمين، أما في الشرق الإسلامي فيوجد مسلمون دون إسلام. وانطلاقاً من هذه المعادلة المعقدة، التي يُقر فيها بالتفوق للغرب، كان “الغرب” هو النموذج المحدد للتقدم الحضاري ولمقاييسه: لقد أتى الغرب هذا وقدم نفسه لشعوب الشرق على أنه هو ما ينبغي أن يدخل في حساب الشرقيين، ومفكروهم في مقدمتهم وعلى رأسهم!
في هذا السياق، برز التيار الأكثر حضوراً في ذلك العهد: إن الغرب هو مرجعية التقدم والنهوض. وعلى هذا، برز شكيب أرسلان في المسألة، التي أجاب عنها بعض سائليه، ومنهم الشيخ محمد بسيوني عمران. فقال مخاطباً إياه من مدينة لوزان بتاريخ 11 نوفمبر عام 1930، بأنه ظن بعض سائلينا “في هذا الموضوع أني سأجيبه أن مفتاح أرقي هو قراءة نظريات أينشتين في النسبية مثلاً أو درس أشعة رونتيجن أو ميكروبات باستور أو التعويل في اللاسلكي على التموجات الصغيرة أكثر من الكبيرة… والحقيقة أن هذه الأمور أنما هي فروع لا أصول، وأنها نتائج لا مقدمات، وأن (التضحية) أو الجهاد بالمال والنفس هو العلم الأعلى الذي يهتف بالعلوم كلها. فإذا تعلمت الأمة هذا العلم وعملت به، دانت لها سائر العلوم والمعارف”. ويدرك أرسلان بعمق أن الأمر لا يتصل بكون المرء، عالماً أو جاهلاً، كي يدرك أهمية النهوض، فيعلن تصويباً لذلك أن محمد علي “ربما كان أمياً، ولكنه بعث مصر من العدم إلى الوجود في زمن قصير، وسيّرها في زمانه من الدول العظام بسائق هذا العلم الأعلى الذي هو العقل”، وبالتالي فإن الإجابة عن سؤال “لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم” يُجاب عنه بأنهم “لا ينهضون بمثل ما نهض به غيرهم”، كما يرى.
وتبقى فكرة منهجية تاريخية تنطلق من قول بعض الباحثين العرب بأن تاريخ تبعية المفكرين العرب في عمومهم للفكر الغربي، تبدأ منذ بواكير التماس الحديث بينهم وبين هذا الفكر عبر تأثيرات الثورة الفرنسية، ونرى أن ذلك وهم، فالأوروبيون أخذوا الكثير العظيم عن المفكرين العرب الوسطيين، دون تكوُّن مثل هذا الاعتقاد، بل مع افتخار بذلك.
الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى