صفحات الحوار

عمر قدور: الكتابة تدفعنا إلى أن نكون أكثر حرية

null
عبدالرحمن حلاق
خلطة مرتبكة وصاخبة حملت قلق مراهقته الفكرية
عمر قدور، شاعر وروائي سوري، صدر له ديوانا شعر «إيضاحات الخاسر» و«ظل مائل في الظهيرة»، وثلاث روايات هن «حوافّ خشنة» و«أسماء للنسيان» و«هواء فاتر.. ثقيل».
وفي هذا الحوار نتلمس الجانب الآخر من حياة المبدع بعيداً عن الكتابة وهمومها، نلقي الضوء على الجانب الشخصي، نتلمس جوانبه الإنسانية، لحظات الفرح ولحظات السعادة، نحاول الغوص قليلاً في ذاكرته الخاصة، وبذات الوقت نستوضح العلاقة بين الكاتب والإنسان في سياق حياته.

{ ما الذي تبقى في الذاكرة من مرحلة الطفولة؟
– أهم ما بقي منها هو شيء من الطفولة ذاتها؛ أحياناً أفاجأ ببقايا من المشاعر التي لم يدركها النضج، أحياناً أخرى أشعر بدهشة طفل أمام ظواهر حياتية بسيطة يُفترض بي أن أكون قد خبرتها جيداً. بقي أيضاً حبّ اللعب، وربما كنت في جانب مما أكتب أرضي حباً باللعب لم يرتوِ كما يجب في أثناء الطفولة. أحياناً أستغرب من أنني أحتفظ بصور من طفولتي الباكرة أكثر من صور لمراحل لاحقة، مثلاً لم أكن قد بلغت السنتين والنصف عندما احتفظت ذاكرتي بصور لأمي وهي تبكي؛ أعتقد أن هذا ما جعلني دائماً ضعيفاً أمام شخص يبكي. من الصور التي أثّرت بي طويلاً أيضاً صورة عمّ لي، يرفعني بيديه إلى الأعلى، وهو بثيابه المرقطة، كان ذلك آخر يوم في حياته، فقد ذهب إلى تنفيذ عملية فدائية في الأراضي المحتلة، ولم يعد أبداً. لا أدري إن كان الألم بطبيعته يحفر في النفس أكثر من الفرح، لكنني أغامر إن تحدثت عن طفولة فرحة بالقدر الذي أغامر فيه إن تحدثت عن طفولة بائسة.
زمن المراهقة الفكرية
{ لكل كاتب مراهقتان، إحداهما فكرية والثانية عاطفية. هل لك أن تحدثنا عن صخب المراهقة بوجهيها السابقين؟
– ربما كنت أنتمي إلى آخر جيل عاش نوعاً من المراهقة الفكرية التي اشتبكت مع الأيديولوجيا اليسارية، حدث هذا مع بداية حياتي الجامعية، حينها اختلط حبي للشعر والأدب عموماً مع التطلع إلى الحداثة وتجاوز الإرث التقليدي، أضيف إلى ذلك ما تبقى من يسارية ترضي التطلع إلى العدالة. كان هناك أمل بإنجاز الكثير، مع إدراك ضمني لصعوبة المرحلة، ومع انعدام الإيمان العميق بإمكانية التغيير؛ هذه الخلطة المرتبكة والصاخبة حملت قلق المراهقة الفكرية وألقها، وألقت بالدراسة الجامعية إلى مرتبة متأخرة. كنا مجموعة التقت تحت هذا القلق، واستوطنت كافتيريات الجامعة أكثر بكثير من متابعة المحاضرات. كنا معتدّين بأنفسنا، وبثرثراتنا التي لا تنقطع في شؤون الأدب والفكر والسياسة.. والنساء طبعاً. لم أعش في وسط اجتماعي متزمت، ولهذا فضل في أن مراهقتي العاطفية نجت من الضغوطات الشديدة، أحببت ككل المراهقين، أحياناً برومانسية عالية، وأحياناً بقليل من الرومانسية. كابدت الحرمان الجسدي أحياناً، ونجوت منه مرات أخرى. في المحصلة؛ أنا مدين لكل اللواتي أغنين مشاعري، وعلمنني الإحساس بالآخر. مدين لمن منحنني المتعة، ولمن منحنني الألم، فهذان الحدّان صقلا مشاعري وعززا قدرتي على التواصل بمختلف أنواعه.
هموم الواقع الاجتماعي
{هل يثقل عليك الكاتب؟.. وما تأثيره على حياتك الخاصة؟
– اعتدت على كوني كاتباً، أي شخصاً لا يُعتدّ به في سلّم الوجاهة الاجتماعية. ربما تكون الكتابة قد أقامت لي نوعاً من التوازن الضروري، فأنا شخص فاشل على الصعيد العملي. لم أسعَ إلى الفشل، ولم أتباهَ به على عادة بعض الكتّاب، فقط لم أفلح في عمل الأشياء التي يفعلها الآخرون ببساطة أحسدهم عليها. هكذا أخفقت في جوانب متعددة، لم أكمل دراستي الأكاديمية، لم أنجح في الحفاظ على تجربة الزواج،.. وتطول القائمة. على ذلك لم يعد من تعارض بين الكاتب وحياتي الخاصة، فأنا أعيش الكتابة كشأن يومي كما يعيش الآخرون شؤونهم اليومية، بمعنى أن الحدود بين الكتابة والواقع تضاءلت إلى أقصى حد، ويفاجئني أن يقيم أحد فصلاً صارماً بين الاثنين. أيضاً أنا مدين للكتابة فقد علمتني الحياة على نحو مختلف، وجعلتني أكثر فهماً وتقبّلاً لذاتي.
{ في واقع كهذا تفرض الهموم ذاتها على الإنسان. ما هي همومك؟ وما تأثيرها على حياتك الأدبية؟
– إذا استثنينا الهموم المعيشية، وهي هموم ماثلة دائماً، فإن واقعنا الاجتماعي يفرض علينا هموماً لا تنتهي. مثلاً هذا الواقع يجعل من قضية الحرية والفردانية تحدياً مستمراً، الكتابة تدفعنا إلى أن نكون أكثر حرية، بينما يحاول الواقع أن يجردنا مما نكتسبه بالكتابة، في الوقت ذاته أنت لا تستطيع التعبير عن فردانيتك إلا من خلال وجودك ككائن اجتماعي. هذا التجاذب يمكن استثماره أدبياً في بعض الأحيان، لكنه قد يسبب إرهاقاً وإرباكات على الصعيد الشخصي. مع الأخذ بالاعتبار السابق لا أستطيع التنصل من الهموم المشتركة التي يعاني منها الكثيرون، فواقعنا يتحفنا باستمرار بإشكالات من النوع الذي نظن أننا تجاوزناه ثم نكتشف خلاف ذلك.
الوقت.. والكتابة
{ في كثير من الأحيان تفرض الحياة الإبداعية على الكاتب أسلوب حياة ما. ما الأثر الذي يتركه ذلك على نمط العيش الذي كان قد تعوده؟
– بما أنني شخص غير ممتثل اجتماعياً كما ينبغي فقد كان أسلوب حياتي هو ما يروق لي، وعندما أكون منهمكاً في الكتابة أعطيها الوقت كلّه، ولا أعدّ هذا تأثيراً يُذكر على نمط عيشي. هي تفاصيل لا قيمة لها، فعندما أنشغل بنصّ قد أنام عدداً أقل من الساعات، وربما أهمل مؤقتاً بعض الاستحقاقات المعيشية أو الواجبات الاجتماعية، لكن نمط عيشي عموماً متوافق مع مزاجي، والكتابة جزء أساسي من هذا المزاج.
{ ما الذي تعنيه لك المقاهي بعيداً عن الرغبة في احتساء فنجان قهوة؟
– مؤخراً لم يعد المقهى يعني سوى موعد مع أحد من الأصدقاء، بمعزل عن ذلك أفضّل احتساء القهوة في البيت. فيما سبق كانت المقاهي نوعاً من فضاء اجتماعي ثقافي، الآن لم يعد لها ذلك البريق، ولم يعد المثقف يذهب إلى المقهى ليجد أقرانه قد سبقوه. قد يكون الجلوس في المقهى إدماناً، لقد عشت هذه الحالة لفترة من الزمن، لكنني أقلعت عنها، لا أعرف لماذا، لقد حدث ذلك دون قرار مسبق.
البكاء مرّة واحدة
{ هل لك أن تذكر لنا شيئاً عن أقصى لحظات الحزن الذي عشته، وآخر عن أقصى لحظات الفرح لديك؟
– أسوأ الأوقات هي لمّا فقدت أخي الذي يصغرني سناً، لعلها المرة الوحيدة التي تمنيت فيها أن أبكي ولم أستطع البكاء. لم أتمكن من استيعاب ما حصل، فقد كان من الطبيعي أن أسبقه إلى الموت بما أنني الأكبر سناً. أحزنني فيما بعد الانفصال عن زوجتي، أن تعيش مع شخص أقصى حدود التواصل ثم تفقدان هذه القدرة فهذا يولد قدراً كبيراً من الأسى. أيضاً عشت علاقة عشق عنيفة انتهت بقسوة مماثلة من الطرفين، فكابدت لفترة ذلك النوع الجارح من الفقد. لا شكّ في أن هذه الأوقات المؤلمة تخفي وراءها الكثير من الأوقات الجميلة، هناك لحظات من الفرح وصلت إلى أقاص مختلفة في كل مرة، لكنني آمل مع الشاعر ناظم حكمت بأن أجمل الأوقات تلك التي لم تأتِ بعد.
أوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى