الدور الإيراني والعلاقة الإيرانية ـ السّوريةصفحات العالمميشيل كيلو

إيران/ باكستان بوادر الحرب المذهبية الشاملة؟

ميشال كيلو
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي مباشرة، فتشت دوائر أميركية عن عدو بديل، فوقع اختيارها على الإسلام، وابتدعت حاملا فكريا للمعركة معه أسمته “نظرية صراع الحضارات”. وقيل يومئذ إن المواجهة بين الغرب والإسلام حتمية، فالأخير خصم تاريخي لنمط الحضارة اليهودي / المسيحي، الذي يقوم عليه الغرب، وهو، في بنيته التكوينية العميقة كما في محدداته العقلية، اللاعقلانية، عدو لأي توجه ليبرالي أو فلسفة إنسانية. لذلك، من الضروري كسبه أو تحييده في المعركة الدائرة بين الشمال الغني والجنوب الفقير، وبين الغرب اليهودي / المسيحي والشرق الشنتوي / البوذي / الكونفوشيوسي، أو كسره، إن هو اختار الانحياز إلى الجنوب في المعركة الأولى، أو إلى الشرق في الثانية.
بهذه الحاضنة الفكرية / الاستراتيجية، كان من الضروري تشخيص بعض الوقائع والملامح العامة للمعركة القادمة، فقيل بوجود احتمالين: احتمال أول هو أن تشن المعركة ضد جميع فرق ومذاهب الإسلام، بحجة أنها تشترك في موقف فكري معاد للحداثة، وموقف سياسي مناهض للغرب. واحتمال ثان هو أن تستغل تناقضات المذاهب والفرق الإسلامية، لإثارة حرب إسلامية عامة، حطبها خلافات الشيعة والسنة، الموجودة في كل مكان من دار الإسلام.
بعد فترة من تبني الاحتمال الأول، ودخول المعركة ضد الإسلام من بوابته، أدرك الطرف الغربي بعامة والأميركي بخاصة أن ربح الحرب لن يكون أمرا سهلا أو سريعا. عندئذ، شرع ينقل مركز اهتمامه إلى الاحتمال الثاني، لاستخدام خلافات السنة والشيعة في إشعال حرب ضروس، تستند إلى حدة وشدة انقساماتهم المذهبية، وتأخرهم السياسي والفكري، الذي يجعلهم يرجحون تناقضاتهم على التناقضات بينهم وبين الغرب.
في هذه الأثناء، كانت الثورة الإيرانية ترتكب غلطتين كبيرتين تجاوزت كل واحدة منهما خطا أحمر لم يكن جائزا الاقتراب منه، ذلك أنها: عملت لانتزاع قيادة العالم الإسلامي في معركته ضد الغرب، فبدا وكأنها تنقلب على تاريخ عمره ألف وخمسمائة عام تولت السنة خلاله حماية الإسلام وقيادته. وعملت لإزاحة الفكرة القومية العربية ولإفراغ العالم العربي من مركز ثقل يتكور حوله، وانحازت إلى منظمات معينة أمعنت في رعايتها وتسليحها، وغلّبت دورها على دور غيرها من تنظيمات المذاهب الإسلامية. أخطأت إيران، وبدا وكأنها تريد إزاحة السنة عن موقعهم ودورهم التاريخي، وأخطأت وبدا وكأنها تريد إزاحة العرب عن دورهم القيادي في الإسلام، فظهر في الحالة الأولى وكأنها تمارس سياسة مذهبية باسم عامة المسلمين، وفي الثانية وكأنها ترجح مصالحها القومية الضيقة (تجاه عربستان والجزر الثلاث والخليج العربي والعراق…) على مصلحة الإسلام والمسلمين، التي أخذت تماثلها مع مصالحها الخاصة.
أفادت الولايات المتحدة من السياسات الإيرانية في المسألتين، دون أن تكون إيران راغبة في جعلها تفيد منهما، وذلك على مستويين هما: تعميق الانقسامات المذهبية بين المسلمين إلى حد أثار أحقادا قديمة ضارة وأحكاما مسبقة عدوانية، وتحريض العالم العربي على إيران كدولة تمارس سياسات توسع قومي باسم الإسلام، يفوق خطرها على العرب خطر إسرائيل، لكونها تشبهها في الأهداف وتتفوق عليها في القدرات والطاقات وسبل ووسائل اختراق الأوضاع العربية.
بالتوتر الداخلي بين مذهبي المسلمين الرئيسيين، وبينها وبين العرب، وفرت إيران “للغرب” الأجواء اللازمة لتحويل صراعه ضد الإسلام إلى صراع بين المسلمين، وظروف ملائمة لوضع العرب، مذهبيا وقوميا، في مواجهة شريكهم في الدين، الذي لم يدرك قادته فداحة الضرر الذي يمكن لسياستهم إلحاقه بالعالم الإسلامي، وصدقوا أنه يمكن كسب العرب عبر مبالغات ومزايدات كلامية ضد العدو الإسرائيلي، احتجزت بدورها الحاجة إلى إعادة نظر جدية في سياساتهم، خصوصاً بعد تورطهم في صراعات مذهبية في العراق وأفغانستان واليمن والصومال وإيران، وظهور تباشير حرب على حدودهم مع باكستان، إن نشبت (لا سمح الله) لن يبقى مسلم واحد في العالم خارج دائرة الذبح والقتل، وسيخرج العالم الإسلامي منها، بعد زمن طويل، مدمرا بيد أبنائه، بينما ستجلس أميركا في مقعد المتفرجين، لتلقي من حين لآخر مزيدا من الحطب في نارها، بعد أن ذاقت مرارة الحرب ضد المسلمين في أفغانستان والعراق، وأرعبتها سرعة انتشار كراهيتها في العالمين العربي والإسلامي، وأدركت أن جيشها عاجز عن خوض حرب رابحة ضد الإسلام، الذي أرعبتها قدراته التعبوية الهائلة كدين وكنمط حياة وعيش، للدنيا والآخرة.
تتخلق أزمة جديدة بين إيران وباكستان. بينما يقوم جنرالات أميركا بزيارات متعاقبة إلى جمهوريات الاتحاد السوفييتي الإسلامية السابقة، ويعيدون تسليح وتدريب جيش إسرائيل، ويعززون وجود جيشهم في العالمين العربي والإسلامي، ويوسعون الحرب في أفغانستان، وتهدد الأزمة العراقية / السورية، إن هي تفاقمت وتوسعت (لا قدر الله)، بتحويل حرب العراق ضد الاحتلال إلى حرب أخوة يرجح أن تتحول إلى جزء من حرب عامة حدها الأول البحر الأبيض المتوسط والأخير الصين، هي، في حقيقتها حرب عالمية بمعنى الكلمة، وقودها العرب والمسلمون، ليس الغرب وأميركا طرفا مباشرا فيها، وإن تولى إدارتها. هل يجب التذكير، في هذا السياق، بأن الغرب كسب الحرب الباردة دون إطلاق رصاصة واحدة، وأن كسبها ترتب على حروب محلية كثيرة، خسر بعضها، أهمها حرب فيتنام؟.
تتصاعد نذر حرب إسلامية شاملة يبرمجها الغرب، ويندفع إليها بحماسة تنظيم القاعدة وبعض قادة إيران ممن يظنون أنهم يقصّون وبر أميركا، وقد يكتشفون بعد فوات الأوان أنه تم جرهم إلى كمين جز فيه وبرهم ووبر العالم الإسلامي، من أقصاه إلى أدناه ولمئات كثيرة من السنين!.
قال السيد علي خامنئي: إن أزمة إيران وباكستان تستهدف تعميق الانقسام السني / الشيعي. ليته يركز سياسة بلاده على إطفاء هذا الانقسام، وتقليص قدرة أميركا على استغلاله، ما دام فيه هلاك وهزيمة المسلمين: اليوم وغدا وفي كل حين!
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى