صفحات ثقافية

ممدوح عدوان في ذكراه الخامسة حيث الطريق رصيف يتسوّل لقمته من رصيف

null
راسم المدهون
لم تعرف الحياة الثقافية السورية وحتى العربية مبدعاً صاخب الحضور كما هو ممدوح عدوان، الشاعر والكاتب المسرحي والمترجم والكاتب الصحافي، بل وكاتب الدراما التلفزيوني المبدع، وصاحب المسلسلات السورية الأكثر حضورا في ذاكرة المشاهدين.
ينتسب ممدوح عدوان لجيل الستينات في الشعر السوري، وهو انتساب يأخذه أيضا إلى انتساب آخر أكثر فداحة بالتأكيد: جيل حزيران 1967، كيف لا وهو صاحب القصائد الحزيرانية اللافتة، خصوصا بانتباهاته الحادّة والجارحة لاختلالات الحياة العربية الكثيرة التي سمحت للهزيمة أن تكون ممكنة الوقوع.
ممدوح عدوان المولود في قرية قيرون ـ دير ماما قرب مدينة مصياف عام 1941 أتى دمشق طالبا في قسم اللّغة الإنكليزية بكلية الآداب مسكونا بالشعر والسياسية معا. في تلك السنوات كانت مدرّجات الجامعة ساحات للشّعر وجدالاته الممتزجة بالسياسة والشأن الفكري عموما، والفتى القادم من ريف محافظة حماه وجد نفسه في ركب مسيرة شعرية تتجاور مع بعض من أصدقاء العمر والشعر، علي كنعان ومحمد عمران وفوز عيد، ولزمن أطول وأكثر التصاقا علي الجندي صعلوك الحياة الأدبية ورفيق السهر والحياة.
في محاولة مقاربة تجربته الإبداعية يصحّ أن ننحاز للشاعر في ممدوح، ولكن ذلك الانحياز لا يغنينا عن الإشارة إليه ككاتب مسرحي مرموق، قدم للحياة الفنية والأدبية مجموعة كبيرة من المسرحيات الهامة والجميلة، مثلما لا نستطيع إغفال كتاباته التلفزيونية وبالذّات “الزير سالم”.
في حادثة لا تغيب من البال أتذكّر أن مخرجا تلفزيونيا سوريا شابا كان قد أطلق تصريحا لافتا قال فيه أنه لا يرغب في إخراج “الزير سالم” لأن ملحمة الزير هي “أسوأ حادثة ثأر في التاريخ”، وانتظرنا مع المشاهدين والنقّاد عرض حلقات المسلسل على الشاشة الصغيرة، لنكتشف البراعة التي عالج بها عدوان تلك السيرة الشعبية العربية الأكثر حضورا في حياة الناس، وأعني بشكل أكثر تحديدا براعته في أنسنة الشخصيات والأحداث معا، وتخليص السيرة من أسطرة أبطالها ونمذجتهم الثابتة. من تلك النظرة للتراث بالذات يمكنني اليوم رؤية تجربة الشاعر الراحل كلّها، وهي رؤية قامت على تقديم قراءات جدلية لا ترى في التراث هدية من السلف ينبغي تقديسها والاحتفال بها، بل قراءتها ونقدها واستعادة روحها وما يظلّ منها.
قدّم ممدوح عدوان ما يزيد قليلاً عن عشرين مجموعة شعرية بدأها بمجموعته “تلويحة الأيدي المتعبة”، التي أعلنت حضوراً بهياً لصاحبها ولفتت الأنظار بالذات إلى تلك النبرة الغنائية المشبعة بهتاف حار يذهب نحو الوجع السياسي والاجتماعي، ولكنه يظل محتفظا بمسافة كافية كي يقف في أرض الشعر. وكما مجايليه من شعراء الستينات السوريين والعرب عاش هو أيضا صخب الجدالات النقدية عن الشعر وحوله. من المهم أن نشير هنا إلى أن الرّاحل قدم تجربتين روائيتين أولاهما “الأبتر” في بدايات حياته الأدبية، ثم “أعدائي” في سنواته الأخيرة، والتي حقّقت نجاحاً لافتاً.
أتذكّره اليوم فأتذكّر بالذات حضوره الكبير في الحياة الثقافية في العاصمة السورية دمشق، سواء من خلال أعماله الكثيرة والمتنوعة، أو من خلال كتاباته الصحافية وترجماته، وبالذات ترجمته لكازانتزاكي، وهو الذي ظل طيلة عمره وفيّا لفكرة الترجمة الانتقائية التي يختار خلالها ما يحب من الإبداعات الأدبية العالمية.
حين أتيت دمشق عام 1970 وجدتني أجاوره في أمسيات شعرية كثيرة في كليّات مختلفة من جامعة دمشق، ثم بعد ذلك في العلاقة معه كمحرّر ثقافي في جريدة الثورة اليومية. ممدوح في كلّ هذه النشاطات كان يؤمن بدور الثقافة، وأهمية حضورها إنطلاقا من فكرته الأهم في أن الهزيمة والتخلف هما بالدرجة الأولى “حادثتين ثقافيتين” تدلان على فداحة تقصير الثقافة العربية في مهمة القبض على السياسة العربية وتوجيهها بدلا من الحالة التي رآها مقلوبة حيث السياسة بألاعيبها ودناءاتها هي التي تقبض على الثقافة وتكبح مسيرها. هنا بالذات أمكن ملاحظة الرّبط اللافت عنده بين الإبداع الأدبي وبين كلّ ما يتّصل بالشأن العام، السياسي والاجتماعي، ولعلّنا نعثر على صورة هذا الرّبط وتجلّياته في مقالاته وزواياه الصحافية الأسبوعية، التي تناولت بلغة رشيقة وبالغة التكثيف شؤونا حياتية مختلفة بنفس الاهتمام الذي كتب فيه عن قضايا سياسية كبرى.
مع ذلك يلاحظ من يعود اليوم لتجربته الشعرية تمكّنه من البقاء في أرض الشباب وعالمهم المتحرك: ممدوح عدوان الذي بدأ شاعر تفعيلة تسكنه هموم الهزيمة ويكتب من وطأتها، تمكن ببراعة لافتة من تقديم تجريبية شعرية مهمة وذات جماليات عالية حين عمد إلى نظر شعري مختلف كما في مجموعته اللافتة “وهذا أنا أيضا”، ثم بعد ذلك في مجموعاته الأخيرة كلّها، حيث تخفف من هتافه القديم الذي ميّزه ذات يوم، واقترب أكثر من قصيدة الروح الفردية واغتراباتها، فقدم قصائد بالغة الجمالية وذات تعبيرية حارّة.
الحديث عن ممدوح عدوان الشاعر والكاتب لا يلغي من البال استعادة شخصيته وحضوره في المجالس والسهرات الأدبية: هنا بالذات يتذكر كلُ من عرفوه ضحكته المجلجلة التي كانت ترافقه دائما وهو يجلس جنبا إلى جنب مع صديق حياته الأثير علي الجندي، وهي السهرات التي جعلته يعترف في سنوات حياته الأخيرة أنه يشعر بالندم لأن نصف عمره كما قال ذهب دون تدبير أي دون أن يملأه بالقراءة، وهو اعتراف لافت من شاعر كانت الثقافة الغزيرة والمتنوعة أبرز صفاته.
قبل أعوام من وفاته راقبته خلال احتفالية “يوم المسرح العالمي” التي كرّمت الراحل سعد الله ونوس، كان هادئا حزينا، ينظر بلا أمل كبير إلى صديقه المسرحي البارز والسرطان ينهشه.
سوف تمرّ أيام بعد ذلك لنفاجأ به أيضا يقع فريسة المرض ذاته، ويقف في مواجهته بالشجاعة ذاتها فيواصل الحياة ويكتب وكأنه بالكتابة يكافح موتا كان يراه يقترب ويدب في أوصاله.
هكذا أطبق الموت على حياته صباح التاسع عشر من كانون الأول ديسمبر من العام 2004 ليشيع في بلدته الصغيرة الهادئة، فتنتهي رحلته معنا لتبدأ رحلتنا نحن مع أدبه وترجماته وأعماله المسرحية التي لا تنطفئ.
سنوات خمس طويلة مضت منذ رحيله، ولكننا نقرأه بالشغف ذاته، ونعيد التأمّل في تلك الروح الوثّابة لذلك الفتى الجميل الذي جاء المدينة من قرية وادعة فكان فتاها الأسطع حضوراً والأكثر شغباً وصخباً، عاش الحياة بتفاصيلها الصغيرة، أحب فقراءها، وأنشد لهم:

وبلادي طريق رصيفاه جوع رصيف تسوّل لقمته من رصيف
والطريق بأيدي الغزاة رغيف وبلادي مشت مجبرة
كل نبعة رأته مضت خلفه وصلت قبلها المقبرة.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى