الدور التركي في المنطقةصفحات العالم

الفجوة الداخلية في الإندفاعة الخارجية التركية

مصطفى اللباد
لم تعد اسطنبول مجرد رمز لتاريخ غابر أو مكاناً للبكاء على أطلال آخر سلطنات الشرق العظام، أو حتى مناسبة لتذكر روابط تاريخية وثقافية مضت، بل أصبحت إحدى عواصم القرار في الشرق الأوسط، منذ عادت تركيا قبل سنوات قليلة لتموضع نفسها في بؤرة المشهد الإقليمي.
تهبط بك الطائرة للمرة الرابعة هذا العام في مطار اسطنبول، تلبية لدعوة من جامعة يلديز العريقة في اسطنبول لإلقاء محاضرة بعنوان “توازنات الشرق الأوسط الجديد” في الحادي عشر من كانون الاول الجاري، وللمشاركة في اليوم التالي في ندوة عمل مهمة ينظمها مركز الأبحاث التركي “تيسيف” عن “المبادرة الديبلوماسية الجديدة في الشرق الأوسط”. تخرج من المطار مشغولاً بما أوردته الأرصاد الجوية على الانترنت من أن الطقس سيكون بارداً جداً في تركيا، ومهتماً بمعرفة ردود الفعل المختلفة على قرار المحكمة الدستورية العليا في تركيا بحظر حزب المجتمع الديموقراطي الكردي. صحيح أن الطقس كان بارداً، ولكن أجواء اسطنبول السياسية كانت حارة أكثر من أي زيارة سابقة. ربما كانت قضية التعامل مع الأكراد محكاً تقاس عليه قدرات حزب العدالة والتنمية في ترتيب البيت الداخلي التركي، ومن ثم إزاحة أهم العوائق عن قيام تركيا بأدوار إقليمية جديدة.
تبدو شروط النضوج التركي لدور إقليمي وقد اكتملت في اللحظة التاريخية الحالية، فتركيا هي اكبر اقتصاد في المنطقة وحجم اقتصادها هو السابع عشر عالمياً، وهي تسبق في ذلك المملكة العربية السعودية التي تصدر النفط في حين تستورده تركيا. وينمو الاقتصاد التركي بمعدل يراوح بين خمسة وسبعة في المئة سنوياً، وهي نتيجة تحققت طوال سنوات حكم حزب العدالة والتنمية، وحتى الآن.
الأهم من كل ذلك أن تركيا التي تصدر بكثافة ملحوظة لا تضع التصدير كمحرك لاقتصادها مثل دول كثيرة، بل إن الطبقة الوسطى التركية الكبيرة نسبياً تستهلك شطراً كبيراً من المنتجات التركية داخل البلاد. وتركيا تمتلك أكبر الجيوش في المنطقة، وهي قبل كل ذلك تقدم النموذج السياسي الأفضل للتناوب على السلطة في منطقة أصبحت فريسة للتناحر بين الأصولية والديكتاتورية. من المعلوم أن أي دولة لا تستطيع أن تلعب دوراً إقليمياً نافذاً في محيطها سوى عبر توافر اشتراطات عدة تأتي في مقدمها الأوضاع الداخلية المواتية، ولما كان حظر الحزب الكردي، أي حزب المجتمع الديموقراطي يضر بصورة تركيا ويكبح اندفاعتها للعب دور إقليمي كبير في الشرق الأوسط، يكتسب قرار الحظر أبعاداً إقليمية وليس تركية فقط.
تستقل سيارة أجرة من المطار إلى الفندق وبمجرد أن تدخل إلى السيارة تلحظ موسيقى الأناضول وهي تخرج من جهاز التسجيل في مقدمها. تسأل السائق عن مدينته الأصلية، لعلمك أن اسطنبول هي أيضاً ملتقى الكثير من المواطنين الأتراك القادمين من الأناضول في جنوب شرق تركيا. يجيب السائق: ملاطيا، وهي المدينة الواقعة على البحر الأبيض المتوسط والتي تضم بين سكانها الأتراك والأكراد والعرب. تسأله عن اللغات التي يتحدثها فيقول باعتزاز: الكردية والتركية.
تعود “المسألة الكردية” إلى أوائل القرن السادس عشر الميلادي، عندما انتصر السلطان العثماني سليم الأول على الشاه إسماعيل الصفوي حاكم إيران في موقعة سهل تشالديران. سيطرت الجيوش العثمانية من وقتها على مدائن الأناضول وماردين وأورفه وغالبية أجزاء الأناضول، إثر هذه الموقعة العسكرية التي تعود إلى خمسة قرون مضت فقد الأكراد وحدتهم الجغرافية، وصاروا مشتتين بين إيران والسلطنة العثمانية. وبعد استقلال العراق وسوريا في بدايات القرن العشرين شهدت كردستان تقسيمها التاريخي الثاني، إذ أصبح الأكراد موزعين على الأناضول في تركيا (وريثة السلطنة العثمانية) وإيران والعراق وسوريا. ولم تتفق الدول المذكورة يوماً على قضية مشتركة سوى على منع قيام أي شكل من أشكال السيادة للأكراد على أي جزء من كردستان التاريخية، على أساس أن هذا الكيان سوف يكون نواة لدولة كردية تتسع لتشمل كل أجزاء “كردستان التاريخية”.
لعب الغطاء الإسلامي للإمبراطورية العثمانية وتشكيلتها المتعددة العرق، إلى جانب التحديات الأوروبية الخارجية دوراً مهماً في تغليب العوامل الخارجية على الداخلية، وفي تراجع الطموحات القومية للأعراق المكونة للإمبراطورية العثمانية -ومنها الأكراد- لمصلحة التكاتف لصد العدوان الأوروبي على ديار الإسلام. وعندما انهارت دولة الخلافة الإسلامية العثمانية بسبب الضغوط الخارجية، ظهرت القضية الكردية إلى الوجود من جديد. وكانت معاهدة سيفر في العام 1920 قد ضمنت للأكراد حكماً ذاتياً في الأناضول وبضمانات أوروبية، ولكن إصرار مصطفى كمال أتاتورك على وحدة الأراضي التركية عدّل الموقف القانوني بمقتضى اتفاقية لوزان الموقعة في العام 1923.
تفتق ذهن القادة الأتراك ابتداءً من الأربعينات عن فكرة تفريغ الأناضول من ساكنيه الأكراد وتهجيرهم إلى مدن الغرب التركي المتقدمة نسبياً، مستهدفين رفد الصناعة التركية الناشئة بعمالة رخيصة من ناحية، وتلطيف حدة التمركز الجغرافي للأكراد من ناحية أخرى. من وقتها تعرف اسطنبول كثافة عددية نسبية للمواطنين الأتراك من أصل كردي يقدرها البعض بحوالى ربع السكان. تترك نفسك لمتابعة الطريق من مطار أتاتورك الدولي إلى شارع استقلال في وسط المدينة حيث يقع الفندق، وألحان الأناضول تتسرب إلى أذنيك في إيقاع شرقي حزين مع زخات قوية من الأمطار. تلاحظ الحضور المكثف للأعلام التركية على قوارب الصيد المنتشرة في البوغاز، وعلى واجهات المصالح الحكومية والشركات الكبرى، تمر بجوار سوق السمك الشهيرة في اسطنبول، ولاحقاً إلى حي بيشيكتاش الذي ينتمي إليه فريق كرة القدم الشهير فتعرف أن الفندق أصبح قريباً.
(مدير مركز الشرق للدراسات الإقليمية والإستراتيجية – القاهرة)
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى