صفحات مختارة

قضية فخري كريم مع مجلة الآداب

null

نقد الوعي “النقدي”: كردستان ـ العراق نموذجاً

سماح إدريس

(رئيس تحرير مجلة الآداب، بيروت، وهذه هي افتتاحية العدد 5-6، 2007)

أسوأُ ما في الصحافة الثقافية والإعلامِ شبهِ الثقافي هو أن يتصدّى مثقفون عرب، وباسم “الوعي النقدي

الحديث،” للبنى التقليدية المتخلِّفة، والغيبيةِ العربية، والسلطاتِ القومية المستبدّة، والظلامية الإسلامية،

واليسارِ الديكتاتوري… لكنّهم لا يلبثون أن يَمْتدحوا الاعتدالَ السعودي والوهّابي والجنبلاطي، والمرونةَ

المصرية، والواقعيةَ الفلسطينية، والعقلانيةَ الغربية. هكذا، مثلاً، نقرأ أدونيس ينتقد الهياكلَ “الثابتةَ” والأصولياتِ العربيةَ انتقادًا استشراقيّاً مليئًا بالعموميات والأحادية (على طريقة رافاييل اتاي أحيانًا)، لكنّه يكرِّس كتابًا كاملاً، اختارَ نصوصَه وقَدَّم له هو والدكتورة خالدة سعيد، في “فكر الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهّاب،” وذلك ضِمْنَ سلسلة “ديوان النهضة: دراسات ونصوص تمثِّل رؤيةً جديدةً للنهضة العربية” (بيروت: دار العلم للملايين، 1983). وهكذا تَحَوَّل أحدُ عتاة الفكر الجامد والثابت، وعلى يد أحدِ رموزِ الحداثة، إلى أحد روّاد النهضة العربية!(1) وبالمثل، وإنْ على مستوًى فكريّ أدنى بكثير، نجد شاكر النابلسي، بعد أن طَلّق الماركسيةَ والقوميةَ ثلاثًا، يَمْتدح “شِعْرَ” (نَعَمْ، بكسر الشين) الأمير خالد الفيْصل، بل ويَعُدُّه من “روّاد” الحداثة والفكر العربي.(2) وكنتُ في سنةٍ ماضيةٍ قد ذكرتُ كيف تحوَّلَ كثيرٌ من مثقفي الحداثة في لبنان إلى مبخِّرين للماكينة الحريرية، بحيث “جَيَّروا” حداثتَهم وعِلْمهم الكبيرَ في مديح الرئيس الراحل رفيق الحريري، وخليفتِه الشيخ سعد، وصديقِهما الرئيس السنيورة. طبعًا مِنْ حقِّ أيٍّ كان أن يمتدح مَنْ يعتبره أهلاً للمديح؛ ولكنْ أن يصبح الحريري “شاعرَ الأمكنة” على لسان شاعر الحداثة ول شاوول (في برنامج “خلّيك بالبيت” على شاشة المستقبل شتاءَ العام 2005)، وأن يصبح الرئيسُ الراحلُ نفسُه “مثقّفًا ما بعد حداثيًّا” (لو كان حداثيًّا فقط لَفَهِمْنا!) “ذا فكرٍ مركَّبٍ، خلاّقٍ، متعدّدِ الوجوه” على لسانِ مثقفِ “العقل التحوُّلي” والناقدِ التفكيكي لـ “أوهام النخبة” علي حرب (وعلى الشاشة نفسِها)، فذلك ما يَزْرع الشكَّ في النفوس. ولا يهمّ أن يُصوَّب الشكُّ إلى المثقفين أنفسِهم، بل إلى أفكارهم الحداثية التي أَفنَوْا عقودًا في إشاعتها؛ ذلك أنّ مثلَ هذا الشكّ، خلافًا لما توهَّمه مدّاحو السلطة والثبات “الحداثيون،” سينمِّي في عقول القرّاء التفكيرَ الأصوليَّ والفكرَ التقليدي اللذيْن حاربهما أولئك المثقفون (وبتفانٍ أحيانًا) كلَّ ذلك الزمن. تصوَّروا مثلاً حالَ الناس الذين يستمعون إلى أولئك الليبراليين الحداثيين يَمْتدحون “الاعتدالَ” السعودي بعد أنْ كالوا اللعناتِ “للاستبداد البعثي” السوري والعراقي، كيف سيفكِّرون؟ ألن يميلوا، في هذه الحال، إلى تأييد السعودية بدلاً من أفكار الحداثة؟ أو تصوِّروا الناسَ يقرأون مدحًا (وإن ادّعى الموضوعية!) للإمام محمد بن عبد الوهّاب، ألن يفضِّلوا حينَها أن يناصروا الفكرَ الوهّابي بدلاً من الفكر الحداثي؟ فإذا كان الحداثيون التقدُّميون، التحوُّليون التفكيكيون، النقديّون الواعون، يصفِّقون (“موضوعيًّا”!) للوهّابية والحريريةِ والمُباركية… فلماذا لا يميل القرّاءُ “العاديون” إلى الأصلِ الممدوحِ لا إلى النسخةِ المادحة، وإلى المصفَّقِ له لا إلى المصفِّق؟

طبعًا، هذا التحوُّل لم يأتِ وليدَ الساعة الراهنة، بل هو نتيجةٌ لعقودٍ من الهزائم والإحباطات، وعقودٍ من تراجعات اليسار، وعقودٍ من توزيع الجوائز والألقاب والأوسمة والوعود الرسمية والغربية على المثقفين العرب، وعقودٍ من “الاستضافات” العربية والغربية وتذاكرِ الدرجة الأولى وفنادقِ النجوم الخمسة. لكنّه بات يترافق، منذ سنوات أيضًا، مع تنظيرٍ مملٍّ ضدَّ ما يسمِّيه الليبراليون الجددُ بـ “الشعاراتية الفارغة” ــ وهي نفسُها، كما كَتَبَ عزمي بشارة، شعارٌ فارغٌ: إذ ما معنى إسباغ نعتِ “الاعتدال” على نظامٍ عربيٍّ يتحالف مع جزّارِ العالمِ الأعظم، أي الولاياتِ المتّحدة؛ نظامٍ يَقْمع حقوقَ الإنسان وحقوقَ المرأة والأقليّات وحريَّةَ التعبير؟(3) وما هي مصداقيةُ “المعتدلين” و”الواقعيين” و”الراغماتيين” الذين يُصرُّون على حلِّ الدولتيْن (الفلسطينية والإسرائيلية) رغم أنّ مقوِّماتِ بناء الدولة الفلسطينية على الضفّة وغزّة قد أُبيدتْ إبادةً كاملة بسبب وحشية الكيان الصهيوني بمختلف “أنظمته”؟ وما مصداقيةُ نقّادِ صدّام حسين ومقابرِه الجماعية (وهي مريعةٌ مثلَه) حين يمتدحون الطالباني والبارزاني؟

هنا آتي إلى لبّ الموضوع، إذ إنّ حالةَ كردستان ـ العراق تقدِّم نموذجًا مثاليّاً لفراغ “الشعاراتية الفارغة” نفسِها، ولتناقضِ الليبراليين الجدد (فَلْنُسمِّهم: المحافظين الجدد)، أو ـ بشكلٍ أدقّ ـ لكسلِهِمْ عن تقصّي أوهامِ الديموقراطية (العراقية) الجديدة وإزالة هالةِ الأسطورةِ عنها، بعد أن حَبّروا مئاتِ الأوراق في شتمِ عراقِ صدّام.

* * *

بين 29 نيسان و6 أيار من هذا العام أُقيم “مهرجانُ المدى الثقافي الخامس” في أربيل، عاصمةِ إقليم كردستان ـ العراق. فلم تَبْقَ جريدةٌ لم تُدْعَ إلى هذا المهرجان، وتدفّقت المدائحُ السلطانيةُ لنشاطات المهرجان وراعيه (“الرئيس” جلال الطالباني) ومديرهِ الناشرِ الزميل فخري كريم “الذي يساوي وحدَه ورشةً كاملةً” بحسبِ ما كتب الصديق أحمد بزّون في جريدة السفير.(4) وباستثناءِ انتقاداتٍ خفيفةٍ من قَبيلِ تذمُّر بعضِ الصحافيين (بزّون) من ضعفِ التنظيم أو خلوِّ شوارعِ كردستان من أيّة ملامح للُّغة العربية، أو انتقاداتٍ أقوى من قَبيلِ تذكيرِ صحافيين آخرين (وائل عبد الفتّاح) بأنّ أسبوعَ المدى الثقافي “أُقيم برعايةِ نظامٍ حَفَرتْ طريقَه الدبّابةُ الأميركيةُ” وبأنّ السيد فخري كريم صادَفَ قبل وضعه الراهن “سنواتٍ من الجدل حول أدوارِه السياسيةِ والثقافيةِ قبل السقوطِ المدوِّي لصدّام،”(5) فإنّ التغطيةَ الصحفيةَ والإعلاميةَ لمهرجان المدى أَسْقطتْ فرصةً مهمةً أمام القرّاء لمعرفة واقعِ الحال في كردستان ـ العراق، وواقعِ “المُشْرفين” على الوضعِ الثقافي في العراق ككلّ. وأكثرُ ما عَلِقَ في ذهنِ قرّاءِ الصفحات الثقافية العربية حول المهرجان المذكور هو ضخامتُه (800 مثقف عربي وكردي وأجنبي)، وشمولُه أنواعًا متعددةً من النشاطات (سياسة، اقتصاد، سينما، مسرح، غناء، مَعارض للكتب، فن تشكيلي، أزياء فولكلورية،…)، فضلاً عن ديموقراطيةِ الطالباني ومَرَحِه، والاستقرارِ الأمني في كردستان، وتطوّرِها الاقتصادي. فكأنّ ما فَعَلَه أكثرُ الصحفيين الذين ذهبوا إلى كردستان ــ العراق يُشْبه ما كان يفعله بعضُ المستشرقين السُّيّاح القُدامى: التنزُّه في ربوع الوطن وجبالِه ووديانِه، واستقاء المعلومات من أفواه الحكّام والمسؤولين وأبواقِهم. وهذا لا يَكْشف عن تآمرٍ ثقافيٍّ مسبَّقٍ على الحقيقة (أنا، مثلَكم، سئمتُ الحديثَ عن المؤامرة، لا لأنَّها غيرُ موجودة، بل لأنَّ وجودَها يَفْقأ العيونَ)، بل يَكْشف عن كسلٍ مريعٍ صار “لازمةً” من لوازم الصحافة الثقافية العربية للأسف. هكذا، صار يكفي أن يقرأَ الواحدُ من صحافيينا ومثقّفينا قصيدةً أو اثنتيْن لشاعرٍ كرديّ عظيمٍ مثلِ شيركو بيكه س،(6) أو يَحْفظَ كلمةً كرديةً أو اثنتيْن (كـ “كاكا” و”مام”)، أو يطالعَ مقالاً أو اثنيْن عن جرائمِ صدّام، حتى يستطيعَ أن يَحْكم على وضعِ كردستان الراهن… ووضعِ العراقِ بأسره!

أين العقلُ النقدي الذي فَلَقْتُمونا به أيُّها الزملاء النقديون؟

هل تَعْلمون أوضاعَ كردستان حقًّا؟ هل تَعْلمون واقعَ المرأة هناك، وحوادثَ الشرف التي تتعرّض لها؟ هل تَعْلمون واقعَ الموساد (المخابرات الإسرائيلية) هناك؟ هل تَعْلمون أوضاعَ السجون في كردستان؟ حرية التعبير؟ التوقيفات الاعتباطية؟ هل تَعْلمون كيف صارت (إذا صحّ أنّها صارت) كردستانُ “جنةً آمنةً” في العراق؟ هل تَعْلمون وضعَ العراقيين من غير الأكراد هناك؟ هل تَعْلمون مَنْ شجّع صدّامًا على أن يدمِّرَ أقسامًا كبيرةً من كردستان ـ العراق أثناء الحرب العراقية ـ الإيرانية؟ هل تَعْلمون مقدارَ الدمار الذي ألحقه الحزبان الكرديان الأساسيّان بكردستان بعد حرب الخليج سنةَ 1991؟ هل تَعْلمون مَنِ الذي “استدعاه” مسعود البرزاني لسحقِ خصمِه الكردي (الاتحادِ الوطني)، ومع مَنْ “تَعاوَنَ” جلال الطالباني لقتالِ خصمه الكردي (الحزب الديموقراطي)؟ هل تَعْلمون تاريخَ مدير المهرجان الذي امتدحتموه بالقول إنّه “فردٌ يساوي وحدَه ورشةً كاملةً”؟ هل قرأتم شيئًا عن أحوالِ كردستان قبل سفركم إلى واحةِ الديموقراطيةِ هذه، بما في ذلك ما كتبه شخصٌ تحترمونه بلا شكّ هو الشاعرُ الكبير سعدي يوسف؟

أعرف أنّكم مشغولون بأمورٍ يوميةٍ ملحّةٍ أخرى. لذا، قمتُ ببعض القراءات السريعة لملءِ الفراغ الذي خَلّفتُموه، وسأَنْقل هنا شيئًا قليلاً ممّا قرأتُه، لا في وصفه حقيقةً مُطْلقةً، بل على سبيل اكتشافِ جوانبَ أبعدَ من التقارير الصحفية الساذجة التي تُلمِّح إلى التطوّر الاقتصادي في كردستان لمجرّدِ أنّ “الرئيس” الطالباني قال إنّ السليمانية صار فيها ألفُ مليونير بدلاً من ستةٍ أثناء حُكْمِ صدّام،(7) وتتغنّى بالديموقراطية لمجرّدِ أنّ الطالباني قال إنّ في العراق “ديموقراطيةً أكثرَ من أيّ بلدٍ آخر” ـ ومن مؤشِّرات هذه الديموقراطية (صدِّقوا أو لا تصدِّقوا) “حقُّ 14 مليون شيعي بعد صدّام… في البكاء [!]”. وقد يكون أسوأَ من هذا وذاك أن تَسْكتَ تقاريرُكم الصحافيةُ عن تلطِّي الديموقراطية العراقية ـ الكردية الجديدة، القادمةِ على ظهور الدبّابات الأميركية، برمزٍ شعريِّ كبيرٍ هو المرحوم محمد مهدي الجواهري،(8) الذي نُصِّب رمزًا لمهرجان المدى الأخير مع أنَّه سبق أن رَفَضَ الغزوَ الأميركي للعراق عامَ 1991، بل وقال (على ما يروي الكاتبُ العظيم عبد الرحمن منيف) “إنَّه مستعدٌّ لأن يكون ضِمْنَ العشرةِ الأوائلِ لمواجهة الغزوِ على البصرة.”(9)

* * *

*عن الدور الإسرائيلي في كردستان ـ العراق. في حزيران 2004 كتب الصحافي الأميركي المعروف سيْمور هيرش في مجلة نيويوركر عن تنكّر إسرائيليين في شمال العراق بزيِّ رجالِ أعمال، بهدف تنظيمِ عملاء أكراد يَجْمعون لهم المعلومات، تحضيرًا لعملٍ إسرائيلي ـ أميركي محتمل ضدّ إيران. وفي الصيف الماضي تحدّثتْ هاآرتس الإسرائيلية عن شخصٍ إسرائيلي اسمُه شلومي مايكِلْز يَخْضع لتحقيقٍ إسرائيليّ رسميّ بسبب عمله في كردستان من دون ترخيصٍ من السلطات الإسرائيلية. ومؤخّرًا، في 11 نيسان 2007، كَتَبتْ لورا روزِنْ عن تحقيقٍ أجرتْه طوالَ العام الماضي، وتَبيَّن خلالَه أنّ مايكلز وشريكَه داني ياتوم (رئيسَ جهاز الموساد الإسرائيلي السابق) جزءٌ من مجهودٍ كرديّ ــ غربيّ لإعطاءِ الأكراد “مزيدًا من القوة في العراق” ولإعادة إحياء العلاقات الإسرائيلية “بحلفاء أكرادٍ تاريخيين،” وذلك من خلال أعمالِ مشتركة (إسرائيلية ــ غربية ــ كردية) تُطاوِل البنى التحتيةَ والتنميةَ الاقتصاديةَ والمشاريعَ الأمنيةَ. وقد جاء مايكِلْز (بحسب يديعوت أحرنوت الإسرائيلية) بضبّاطٍ إسرائيليين ليدرِّبوا قواتِ الأمن الكردية على “مكافحة الإرهاب” [تنظيم القاعدة وخلافها] في مخيّمٍ سريّ (اسمُه كامب زي) (في العراق، مقابلَ “بضعةِ ملايينَ من الدولارات.” لكنّ السلطات التركية (التي عَبَر الإسرائيليون بجوازاتِ سفرهم من أمامها) تنبّهتْ للأمر وأَخْطرت السلطاتِ الإسرائيليةَ، فأَجْرَتْ هذه الأخيرةُ تحقيقاتٍ مع مايكِلْز وغيرِه، بيْد أنّها وافقتْ عمليًّا على إرسال المعدّات الدفاعية والاتصالية إلى كردستان ـ العراق من أجل “تنميةِ وجودٍ لها في المنطقة الكردية.”(10)

لا يَنْفي ممثِّلو الحكومة الكردية أنفسُهم الوجودَ الإسرائيليَّ عندهم، وإنْ كانوا يَحْصرونه بـ “القطاع الخاصّ” (وكأنّ هذا في ذاته أمرٌ بسيط). وهو ما اعترف به، أمام لورا روزنْ، ابنُ الرئيس جلال الطالباني، ممثِّلُ الحكومةِ الكرديةِ في واشنطن، متبجِّجًا بأنّ كردستان ستكون “البوّابةَ إلى العراق.”

ولكنْ، بوّابةُ مَنْ، نَسْأل؟

أما في أربيل، حيث ذهب الصحفيون العربُ لتغطية مهرجان المدى، فهناك مكتبٌ للموساد، اعترف رئيسُه السابق أليعازر جيزي تسافرير، أمام الصحفية روزِنْ، بأنَّه ساعد المخابراتِ الكرديةَ والملاّ مصطفى البارزاني: “فقد تقدّموا [أي الأكرادُ] إلينا، قائلين إنّ أحدًا لا يساعدهم في العالم، وإنّ شعبَنا [الكرديَّ] عانى هو أيضًا [مثلَ اليهود]. فزوَّدناهم [أي الإسرائيليون] بالمدافعِ، والبنادقِ، والمعدّاتِ المضادّةِ للطائرات، وشتّى أنواع المعدّات الأخرى، بل وساعدناهم بأعمالِ الكَوْلَسة أيضًا.” وخَتَمَ تسافرير تصريحَه لروزِنْ بالقول: “الاتصالاتُ بيننا، والتعاطفُ بيننا، ستدوم أجيالاً قادمة [!]”

أن تكونَ كردستانُ ـ العراق واحةً للديموقراطية وحقوقِ الإنسان، فذلك ما سنتحقّق من صحّته للتوّ. لكنّها بالتأكيد، وللأسف، ساحةٌ اليومَ لرجالِ الأعمالِ الإسرائيليين وللموسادِ الإسرائيلي (والـ سي. آي إي طبعًا) ضدّ بلدانٍ مجاورةٍ، وضدّ الشعبِ العراقي نفسِه.

* حقوق الإنسان (والمرأة) في كردستان ـ العراق. يخصِّص تقريرُ “بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق

قسمًا مهمّاً لتقصّي حقوقِ الإنسان في المنطقة الشمالية من العراق خلال الشهور الأولى من هذا العام. صَدَر التقريرُ في نيسان 2007 ويتحدّث عن “قلقٍ جدّيّ” حيال حريةِ التعبير، والتوقيفاتِ، وظروفِ المرأةِ في كردستان. وفي حين أَنْكر مسؤولو الحكومة (التي تُشْرف على أربيل والسليمانية ودَهوك) ذلك، أَكَّدَ ناشطون أكرادٌ من داخل أربيل (حيث مهرجانُ المدى) أنّ تقريرَ الأمم المتحدة “قَصَّرَ” عن ذِكْرِ كلِّ الانتهاكات في كردستان واكتفى بذِكْر أَبْرزِها. يقول في هذا الصدد ناشطٌ كرديٌّ يُدعى ربين رَسُول إسماعيل: “تُبيِّن الحقيقةُ الراهنةُ أنّ حقوقَ الإنسان (هنا) سيّئةٌ جدًّا، ولستُ متفائلاً بخصوصِ مستقبلِ حقوق الإنسان في كردستان والعراق.”(11)

هذا، ويركِّز تقريرُ الأمم المتحدة على ثلاثة أمور في كردستان: جرائم الشرف، وأوضاع السجناء، وحرية التعبير. ففي ما يتعلّق بجرائم الشرف، يتحدّث التقرير عن إحراق 358 امرأةً أنفسَهنَّ حتى الموت في محافظة أربيل منذ العام 2003 (هل شاهَدَ زوّارُ المهرجان قبورَ أيٍّ منهنّ بالمناسبة؟)، وعن محاولةِ 218 امرأةً أُخرى القيامَ بالأمرِ نفسِه؛ وكلُّ ذلك بسبب “الضغوطِ المتزايدةِ من قِبَلِ الذكور في العائلة.” وهذا يعني أنّ الديموقراطيةَ الكرديةَ في أربيل، إنْ صحّ وجودُها، لم تصلْ بعدُ إلى المرأة، التي يتغنّى بها، وبضرورةِ تحرُّرها الكاملِ، مثقفو الحداثة العربُ، بل ويَعْتبرون (مصيبين) أنْ لا ديموقراطية حقيقية من دون حرية المرأة.

أما بخصوص السجناء، “ولاسيّما المشتَبه بقيامهم بأعمال إرهابية،” فإنّ تقريرَ الأمم المتحدة المذكور يتّهم السلطاتِ الكرديةَ المحليّة باستخدام “التعذيب وسوءِ المعاملة ضدّ الموقوفين،” ويؤكِّد أنّ “كثيرين اعتُقِلوا فتراتٍ طويلةً من دون أيّ اتّهام.” ويعقِّب الناشطُ الكردي (إسماعيل) على التقرير بأنّه “لا يُمْكن وضعُ الناس خلف القضبان سنواتٍ عديدةً لمجرّد الاشتباهِ في أنّهم يشكِّلون تهديدًا للنظام السياسي أو الاجتماعي.”

وأخيرًا، فإنّ تقرير الأمم المتحدة أعلاه يضع تباهي حكّام كردستان ـ العراق بـ “حرية التعبير النسبية” موضعَ شكٍّ وتساؤل. فقد أُوقفَ كثيرٌ من الصحافيين خلال السنوات الماضية على يد قوات الأمن الكردية، وهُدِّد آخرون أو ضُربوا “مِنْ قِبل أشخاصٍ مجهولين.” وقال فرهاد عوني، رئيسُ نقابة صحافيي كردستان: “إنَّنا نَشْعر بأنَّ الصحافيين أحيانًا ضحيّةٌ للمزاجِ السياسي لقواتِ الأمن.”

وضِمْنَ مجال انتهاك حقوق الإنسان ينبغي أن يُضافَ إلى ذلك كلِّه وضعُ العرب داخل كردستان (هل يهتمّ المثقفون الزّوّارُ العربُ كثيرًا بأوضاع “الجالية العربية” هناك؟!). فبعضُ التقارير يتحدّث عن وجود 150ألف عراقي عربي لاجئ في كردستان، وأنَّ الأكراد لا يَنْسَوْن كيف عامَلَهم صدّام (العربي)؛ ولذا فهم يَنْظرون بحقدٍ إلى العرب. وفي المقابل، يَشْعر كثيرٌ من العراقيين غيرِ الأكراد بأنَّهم “يعامَلون في كردستان وكأنَّهم درجةٌ ثانيةٌ”؛ وهذا ما يُفْصح عنه موظّفٌ في فندق في أربيل، من الطائفة المسيحية الأشورية، اسمُه ولاء متّي، كان قد هَرَبَ من الموصل، ويصيح بألم: “أنا عراقي، وهذه بلادي، لكنِّي أُحسّ هنا كأنَّني غريب.”(12) ويَشْعر العراقيون العربُ أيضًا بالاستياء (وربما الحقد) حين يَسْمعون بالأماكن والمنتجعات السياحية في مناطق الأكراد مثل “القرية البريطانية” و”مدينة الحُلُم”، في حين تُستباح بغدادُ وغيرُها على يد الأميركان.(13) وهم لا يرضَوْن أن يكون الاحتلالُ ثمنًا لرخاءِ بعضِ المتموِّلين الأكراد (وغيرِ الأكراد).

* مسؤوليةُ تدمير كردستان ـ العراق. يبدو أنّ أكثر الصحفيين الليبراليين العرب نَسُوا مَنْ دمَّر كردستانَ ـ العراق خلال العقديْن الأخيريْن. فتنشيطًا لذاكرتهم ربّما، نورد أنّ أجزاءً كبيرةً من كردستان دُمِّرتْ خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية (1980 ـ 1988) التي بدأها صدّام حسين فعلاً، ولكنْ بتشجيعٍ وتحريضٍ وتمويلٍ وتسليحٍ وتأييدٍ من قِبل الولايات المتحدة الأميركية والأنظمةِ الخليجية وغيرِ الخليجية المواليةِ لها.(14) وشَنَّتِ الولاياتُ المتحدةُ وحلفاؤها حربًا على العراق عامَ 1991، وحَوَّلتْ كردستانَ إلى “منطقة آمنةٍ” (أو محميّةٍ أميركيةٍ بالأحرى) يتقاسمها حزبان: الاتحادُ الوطني والحزبُ الديموقراطي. لكنّ الحزبيْن شَرَعا في الاقتتال في ما بينهما، فكان أن استدعى مسعود البرزاني (الحزب الديموقراطي) صدّامًا ليَسْحَقا، معًا، مَنْ كان آنذاك عدوَّ البارزاني اللدودَ، السيّد جلال الطالباني (الاتحاد الوطني)، المستنجِدَ بدوره بإيران، وذلك بعد عاميْن من القتال الداخلي ذَهَب ضحيّتَه آلافُ الأكراد. أما جلال الطالباني نفسُه، الذي يَصِفُه اللبناني الصهيوني فؤاد عجمي اليومَ بـ “العَلْماني الكردي ذي التمدُّن والعِلْم الكبيريْن”(15) (وهو وصفٌ يُذكِّر بوصف بعض الصحفيين للطالباني أثناء لقائهم به في كردستان مع مئتيْ مثقفٍ عربي آخر)، فقد سبق أنْ “تعاوَنَ” علنًا وبوحشيةٍ مع حزب البعث الحاكم ضدّ حزب البارزاني.(16) وممّا يُضاف إلى سجلّه الديموقراطي الباهر و”تمدُّنِه وعِلْمِه الكبيريْن” ما كتبه الشاعرُ العراقي سعدي يوسف في العام 2005، وهو أنّ الطالباني متَّهمٌ بـ “قتل عشراتٍ من النَّصِيراتِ والأنصارِ الشيوعيين العرب الذين كانوا يقاتلون نظامَ صدّام حسين” في ما عُرِفَ بأحداثِ بشت آشان سنةَ 1983، وذلك بطلبٍ مباشرٍ من صدّام نفسِه!(17)

إذا كان بعضُ المثقفين العرب نَسُوا ذلك لأنّه حَدَثَ قبل زمنٍ طويل، فهل نسُوا أنّ الطالباني هو الذي وَقّع، بعد شهور فقط من اجتياح بغداد عامَ 2003، وثيقةَ الاستسلام أمام الغزوِ الأميركي؟!

ولكنْ، أهو النسيانُ فعلاً؟

يحكي سعدي يوسف عن محاولة الرئيس الطالباني شراءَ المثقفين العراقيين المقيمين في الخارج لكمّ أفواههم (وهذا يذكِّر بما فعله صدّام نفسُه، وإنْ بأموالٍ أضخم كما يرجَّح). ويضع سعدي في هذا السياق تشكُّلَ اتحاداتٍ وجمعياتٍ “ثقافية” في السويد وألمانيا وهولندا وأستراليا، بدعمٍ وبتمويلٍ “من الممثّليات الديبلوماسية للإدارة [العراقية] العميلة.”(18) فهل يَنْدرج مهرجانُ المدى ضمن خطوات الطالباني (ومستشاريه الثقافيين) لشراءِ ضمائرِ المثقفين والصحفيين العراقيين والعرب، وكمِّ أفواههم عن قولِ الحقيقة، وجعلِهم أَشْبهَ ببغاءاتٍ سوفياتيةٍ يردِّدون ما يقوله الملكُ الجديد؟

* فخري كريم. وأخيرًا، لا آخرًا، هل يَعْرف المدعوّون إلى مهرجان المدى، ممّن طَبَّلَ وزَمَّرَ لإنجازاتِ كردستان الديموقراطية، مَنْ هو مديرُ مهرجان المدى، الأستاذ فخري كريم؟

إنّ شبكةَ الانترنت تكاد تختنقُ بما يُكتب دوريًّا عن هذا الزميل الناشر. وكثيرٌ من الأخبار والتعليقات مكتوبٌ بالعربية، إنْ كان مثقفونا ومراسلونا لا يُتْقنون لغاتٍ أخرى. فإذا كانوا ما يزالون يَجْهلون استخدامَ الانترنت أيضًا (وهو أمرٌ مشكوكٌ فيه)، فيكفي أن يَلْتقوا بأيِّ شيوعيّ عراقيّ، مخضرمٍ نظيفٍ، من حزبِ الرفيق فهد، ليَعْلموا أين آلت أموالُ الحزب الشيوعي العراقي، أموالُ الفقراءِ والطلاّبِ وعائلاتِ الشهداء، وأموالُ مجلة النهج ودار المدى، وليَعْلموا صِلاتِ بعض “الشيوعيين” العراقيين القدامى/الجدد بمخابراتِ صدّام نفسِه في الستينيات والسبعينيات، فضلاً عن المخابرات العربية والأميركية والبريطانية في ما تلا ذلك من عقود. أمْ أنّ ذلك كلَّه لا يهمّ ما دام بعضُ المتموّلين العراقيين الكبار، الحديثي النّعْمة، يقيمون المهرجاناتِ الثقافيةَ، ويَدْعمون الثقافةَ الشعبيةَ بكتابٍ مجّانيّ يوزَّع بالملايين كلَّ شهر، ويُقيلون عثرةَ بعضِ الشيوعيين السابقين ممّن قرّروا لحسَ ماضيهم و”محاكمةَ” ماركس ولينين والإشادةَ بالديموقراطيةِ العراقيةِ الجديدة؟

* * *

إنّ وطننا، الوطنَ العربي، في مأساة لا لأنَّنا ابتُلينا بأنظمةٍ مستبدّةٍ فحسب، وبأطماعٍ إمبرياليةٍ وصهيونيةٍ متعجرفةٍ فقط، بل لأنَّنا أيضًا إزاء تراجُعٍ حادٍّ في الوعي النقدي الحقيقي. إنّ أدعياءَ الوعي النقدي اليومَ يهاجِمون ظالمين مستبدّين، لكنّهم يَسْكتون عن ظالمين مستبدِّين آخرين. وكانوا قبل سنة 2003 يندِّدون بالاحتلالِ والديكتاتوريةِ معًا، ولكنْ حين سَقطت الديكتاتوريةُ سَكَتوا عن الاحتلال وصنائعه واكتفوا بالتنديد بالديكتاتوريةِ… والديكتاتورية (السابقةِ طبعًا). بل إنّ أحدَهم لم يتورَّعْ عن القولِ في مهرجان المدى في كردستان العامَ الماضي: “إنَّني سعيدٌ الآن لأنَّني في مؤتمرٍ حرٍّ على أرضٍ حرّة!”(19)

بئسَ هذه الحريةُ التي ثَمَنُها سبعُمئةِ ألفِ ضحيةٍ عراقية بريئة خلال أربع سنوات، وتقسيمُ الشعبِ والوطنِ العراقييْن، وتغلغلُ الموساد، وتزايدُ جرائمِ الشرف، وتدهورُ حقوقِ الإنسان وحريةِ التعبير داخل القسم “المحرَّرِ” نفسِه.

وبئس هذا الوعيُ النقديُّ المزيَّف!

الهوامش

1 ـ راجع في هذا الصدد ما كتبه صبري حافظ في “قضايانا أمْ قضايا أدونيس الراهنة؟”، الآداب 3/4، 1995، ص 34 ــ 37؛ وأيضًا ما كَتَبه صبحي حديدي في الآداب 7/8 من السنة نفسها بعنوان “أدونيس والمحاججةُ الفقيرة،” وذلك ردًّا على ردّ أدونيس على منتقديه في الآداب (راجع: أدونيس، “الثقافة، الجريمة، التسلية،” الآداب 5/6، 1995، ص 4 ــ 8).

2ـ من مقابلةٍ أجرتْها محطةُ أنْ بي أنْ اللبنانية التلفزيونية مطلعَ هذا الشهر مع النابلسي، الذي يدعو نفسَه، منذ زمن، “ليبراليًّا.”

3 ـ عزمي بشارة، “الشعاراتية الفارغة شعارًا فارغًا،” جريدة الأخبار، 2/4/2007.

4 ـ أحمد بزّون، “الطالباني في لقاء مع مثقفين عرب،” السفير، 4/5/2007.

5 ـ وائل عبد الفتّاح، “إلى كردستان ذهبنا ورأينا،” الأخبار، 12/5/2007.

6 ـ من أجمل ما قرأتُه له، بالمناسبة، كتابُه الصادرُ عن دار الآداب عامَ 2002، وهو بعنوان إناء الألوان. نَقَله عن الكردية: شاهو سعيد.

7 ـ السفير، مصدر مذكور.

8 ـ السفير، 9/5/2007، ص 18.

9 ـ عبد الرحمن منيف، مجلة الطريق، العدد السادس، 1997، ص 101.

Laura Rozen, “Kurdistan’s Covert Back – Channels”,10 ـ

www.motherjones.com.

Mohammed A. Salih, “Iraq: UN Report Sparks Uproar in11ـ Kurdistan”, http://ipsnews.net/news.asp?idnews-37630.

Andrew Lee Butters, “Kurdistan: Iraq‘s Next 12-13

Battleground”? April 12, 2007, Time, www.time.com/time/printout.

Husayn Al-Kurdi, “The CIA in Kurdistan,” Dec. 1996,14 ـ www.zmag.org/zmag/artictes/dec96kurdi.htm.

“A secular Kurd, of great civility and learning.”15 ـ www.iris.org.il/bt09/archives/2335-The Great Circle-of-Enmity.html.

Husayn Al-Kurdi, op.cit.16 ـ

17 ـ سعدي يوسف، “جلال الطالباني إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي،” 18/2/2005 (www.rezgar.com).

18 ـ سعدي يوسف، “تأطير المثقفين العراقيين في الخارج استعماريًّا،” 2/10/2006، www.saadiyousif.com/Syasa/21.html

19 ـ الزميل الشاعر عبّاس بيضون، في كلمةٍ وزّعتْها على الانترنت جهاتٌ عراقيةٌ معارضة.

كلمة الشاعر عباس بيضون في مؤتمر المثقفين العراقيين

هذه أول مرة أطأ فيها ترابا عراقيا وانا سعيد لان انتظاري كوفئ اخيرا وها انا الان من هنا.. أطل على العراق العظيم بشماله وجنوبه وشرقه وغربه ووسطه.. على بغداد الجريحة الصابرة وعلى كل رقعة عراقية دامية اريد لها ان تتجرع حريتها وتخلص من الطغيان عصفاً وآلاما. أطأ لاول مرة ترابا عراقيا وكنت تجنبت ان البي اي دعوة الى العراق لانني ما كنت احل لنفسي ان ادخل بقدمي الى عراق مغلق عن صفوته وومبدعيه. ما كنت لابتذل الشعر بتلاوته تحت صورة الطاغية او اتيح للطغيان بخفة او دراية ان يسرق صوتي ويزوره. وانا سعيد الان لانني في مؤتمر حر على ارض حرة واذا كان في القلب غصة لاننا بعيدون عن بغداد جوهرة ثقافتنا في القدم والحديث فان في انعقاد هذا المهرجان في شمال العراق فرصة اعتذار للشعب الكردي الذي قال شقاؤنا الخاص ان نولي عذاباته والامه عنايتنا ودعمنا، لم نغضب بما يكفي له وتركناه في احيان كثيرة يواجه وحده النار والتصفية والقتل الجماعي، اعتذر عن نفسي وربما عن غيري اذا حق لي ذلك لان في اهمالنا هذا شبهة انكفاء ينبغي ان ننزه ثقافتنا وانفسنا عنها ولاننا غفلنا عن اننا بدون ان ننتصر لاخوتنا في الارض والتاريخ لا نستحق ان ننظر لانفسنا ولان الثقافة قبل كل شيء وخارج أي انتماء لمذهب او عرق ينبغي ان تخدم الحرية وان تصون بذلك شرفها الخاص.

ايها الاخوة

سعداء نحن لاننا في العراق الذي تتساوى كل حبة تراب فيه بكل حبة تراب اخرى وتتساوى فيه الميمنة والميسرة والقلب. لكننا مضطرون لاننا لا نستطيع ان نبتعد فيه الى اكثر من هذا الحد. ان قوسا من الدخان والنار يخيم على ارضه بدلا من قوس قزح الثقافة والعلم الذي شع دائما فيه من المؤلم ان يستخف مثقفون عرب اليوم بما يدبر للعراق او يدبر فيه ان يستخفوا بالقائه طعمتا لنيران الحرب الاهلية فهذا الثمن افدح من اي مسألة او قضية او خلاف. لايقوم دين ولا تقوم قومية ولا يقوم تحرر ولا استقلال بنار كهذه ومن الكذب على النفس وعلى الله وعلى الامة ان نسمي هذه المجزرة اليومية بغير اسمها الحقيقي.

كما ان من التردي والانحطاط الى ابعد مدى ان تتوسل اتجاهات مسماة وطنية وتحررية وحديثة الطلامية الاشد سوادا سلاحا اوحد أو أملا اوحد لها ولمعركتها. العراق على شفير حرب اهلية وفي حال كهذه يغدو سوء الفهم واختلاط الامور خطرا ومشبوها. في حال كهذه تكون المسؤولية هائلة على من يريدون ان يكون العراق ارضا مروقة او مختبر للعنف او مكباً لكل السلبيات والمشاكل والنزاعات، وانا العائد من حرب اهلية ادرى من غيري بالخلاصة البائسة والعقيم لمغامرة كهذه.

مع العراق العظيم بدون مراعاة ومجاملة، العراق الرائد في القديم والحديث مع عراق السياب وعلي الوردي وجواد سليم وسعدي يوسف وشيريكو بيكس لا مع عراق الظلاميات في كمل صف والانكفاءات من كل نوع والقوة الباغية خارج القانون والقتل العادي والثار والثأر المضاد والغلبة الجاهلة والتعدي على الاقليات الضئيلة والعسف العام والتطهير المذهبي والعرقي. ان عراق كهذا لا يشكل ندامة وذنبا لاهله فحسب بل يشكل ذنبا للمنطقة كلها وللثقافة العربية بوجه عام، ان تدمير حاضرة كبرى كالعراق يعني ان لا تكون حاضرة بعد كما يعني اننا اخترنا لانفسنا ان نغدو في عولمة كاسحة ووحشية نافلة في التاريخ وسقط متاع في العالم والعصر. لست ادري اذا كان نداء كهذا مسموعا لكن قوله ليس على سبيل ان يسمع في العراق فقط بل ان يسمع في ثقافتنا كلها لان ما يجري في العراق والمواقف من العراق هي رهان ثقافتنا العربية اليوم والخلط في امور كهذه لا يعني إلا ان الظلامية باسمائها الشتى قد استولت على ثقافتنا ولن تقوم لنا قائمة بعد اجيال.

أيها الأخوة

نحن الآن أمام الرهان العراقي وهو اليوم بحق رهان مستقبلنا ومنطقتنا وإذا خسرناه فقد ضيعنا أنفسنا، أنه رهان تحرر يقوم بقوتنا وقدرتنا ويتعامل لدا للد مع العالم، رهان استقلال نستحقه بمقدار ما نعي مصالحنا داخل التجاذب الدولي والإقليمي. رهان ثورة ثانية في العلم والادب والفن رهان تجديد لمعركة التحديث والعلمانية والديمقراطية رهان استخدام عقلاني لمصادر القوة رهان التخلص من الاستثناء الاستبدادي العربي وبأي ثمن كان، رهان التعددية التي بدون ان تتحول نموذجاً عربياً لا نستطيع أن نواجه التمييز الدولي والتمييز الإسرائيلي ضد الحق الفلسطيني. ليكن العراق هذه الرهانات مجتمعة، ولنعلم أن من هنا نبدأ وإذا فضلنا أن نختبئ وراء أصابعنا فإن العالم لن يرحمنا إذ لن نكون شيئاً بدون أن نربح رفعة عصرنا أولاً وأن نتكلم في مستواه.

أخيراً شكراً لـ(المدى) التي جمعتنا

شكر للعراق الكردي الذي استقبلنا

لتحيى الثقافة وليحيى العراق

والسلام

الثقافة وذاكرة الناس

سماح إدريس *

تعقيباً على حملة الحقد التي يؤجِّجها فخري كريم ضدّ مجلة «الآداب» وضدّي، والتي تجلّت بصورة خاصة في المقابلتَين اللتَين أجرتْهما معه أخيراً محطةُ «العربية» و«الاي.أن.بي».، يهمنيّ أن أوضح ما يأتي:

أوّلاً: لقد جاءت أقوالُ السيّد كريم في المقابلة التي أجرتْها معه المحطة الثانية مليئة بالمغالطات (كالإيحاء بأنّني تناولتُ في افتتاحيّتي في حزيران الماضي شرفَ زوجته!). كما تضمّنت شتائم بحقّ مثقفين لبنانيين وعرب (خير الدين حسيب ومعن بشّور بالاسم)، فضلاً عن تناوله بالتلميح شخصَ دولة الرئيس سليم الحصّ لتوقيعه «ميثاق الشرف» (الذي سمّاه كريم «ميثاقَ العيب»).

ثانياً: أستغرب في هذا الصدد جهلَ مقدِّم المقابلة على «الاي.ان.بي». الزميل طانيوس دعيبس مضمون «ميثاق الشرف». فهذا الميثاق، الذي وقّعه حتى الآن حوالى خمسمئة عامل في الشأن الثقافيّ والنشاطيّ، دعا إلى الردّ على الكلمة بالكلمة؛ فإذا امتنع الناشرُ عن نشر الردّ، صار اللجوء إلى القضاء مشروعاً من الناحية الأخلاقية. كما أنّ المقدِّم وضيفه الكريمين يتجاهلان أنّ افتتاحيتي في «الآداب» في الربيع الماضي لم تشجب مَن ذهب إلى كردستان ـــــ العراق أو إلى مهرجان «المدى»، وإنّما شجبت المثقفين الذين ذهبوا ولم يذكروا جرائمَ «الديموقراطية» الأميركية وفسادَ حلفائها هناك، وتغاضَوْا عن انتهاك حقوق الصحافيين، وتغلغلِ الموساد الإسرائيلي، وتاريخ «الرئيس» الطالباني، وارتكابات الحزبَين الكرديَين الحاكمَين في الماضي والحاضر، وتاريخ فخري كريم السياسيّ نفسه. إنّ المقابلة، والحقُّ يقال، كانت نموذجًا للإعلام الذي يتماهى فيه مقدّمُ البرنامج مع ضيفه.

ثالثاً: يصوِّر كريم نفسَه مستهدَفاً ومظلوماً، وأنّه يترفع عن توجيه الاتهامات. وأما الواقع، فإنّ جريدته «المدى» ومقابلتَيه على المحطّتَين المذكورتَين مليئة بالتهم الباطلة (من قبيل زعمه استقائي المعلومات من السفارات والمخابرات العراقية السابقة)، ومليئة بالشتائم (كقوله إنّ كلَّ مَنْ عارضوه طوال ثلاثة عقود هم «زبالة وحثالة الوضع السياسي»). وقد وَصفت جريدتُه في افتتاحية أحد أعدادها أنصارَ «ميثاق الشرف» ومجلة «الآداب» بـ«أُجَراء الثقافة وتُجّار الأسلحة» و«زُمر عناصر المخابرات العراقية السابقة والمستفيدين من مدفوعاتها». ووصف أحدُ كتّابها (محمد مزيد) أنصارَ «الميثاق» و«الآداب» بأنّهم «لا يقلُّون فتكًا» عن أولئك العرب الذين «وَجدوا في المفخّخات والعبوات الناسفة التي تفتك بالجسد العراقيّ البريء تنفيساً لغلواء نفوسهم المحتقنة». ووَصف كاتبٌ آخر، يضاهي محمد مزيد موهبةً، وهو عبد الرزاق رشيد الناصري، أنصارَ «الآداب» بـ«الجوقة التي رافقت سماح إدريس في عوائه الكريه (كذا!) وزعيقه المنكر». بل ذهب الأمر بأنصار جريدة «المدى» إلى إصدار بيان يتّهم «ميثاقَ الشرف» بأنّه «محاولة مريبة لتوفير غطاء نظريّ وتشريعيّ يعطِّل القانون ويَسمح بانفلات أخلاقيّ يكون مجاله الإعلان ووسائل الثقافة». وزعم البيان أنّ «الميثاق» يمهِّد الأرض أمام «البعض» للقيام «بمحاولات اغتيال» (أهذا تهديد مبطّن لـ«الآداب» وأنصارها بالمناسبة؟!).

ترى مَن هم الذين يوفّرون مثلَ ذلك الغطاء النظريّ والتشريعيّ، ومثلَ هذه الأرضية الإرهابية؟ الرئيس سليم الحص؟ د. أنيس صايغ الذي تَشهد عيناه وأصابعُه على الإرهاب الإسرائيلي؟ الأستاذ شفيق الحوت؟ الوزير د. جورج قرم؟ المخرج المسرحي روجيه عسّاف؟ الرسّام كمال بلاطة؟ الخبير الاقتصادي د. كمال حمدان؟ الناقد الأدبيّ د. محمد برّادة؟ عالم الاجتماع د. مسعود ضاهر؟ الموسيقيّ د. نداء أبو مراد…؟ علمًا أنّ العرائض الأخرى المدافعة عن «الآداب» والرافضة لدعوى كريم عليها تتضمّن هاماتٍ ثقافيةً وأدبيةً أخرى لم يُعرف عنها لجوؤها إلى التحريض على الاغتيالات، أمثال الروائي صنع الله إبراهيم، والمثقف الكبير نعوم تشومسكي.

رابعاً: إنّ آخر ما كان يهمّ افتتاحيةَ «الآداب» هو فخري كريم، كشخص. فالافتتاحية شبهُ مكرّسة لفضح المثقفين الذين سكتوا عن سلبيات التجربة العراقية الجديدة، وسكتوا تحديداً عن جرائم الاحتلال الأميركي للعراق وخنوع المتعاونين معه وقمعهم وفسادهم… بحجّة جرائم النظام السابق وقمعه وفساده! ولو كان ثمة سوءُ نية مقصودٌ ضدّ شخص كريم بالذات، لا ضدّ ما يَرمز إليه، لما نشرت «الآداب» (وهي غير مجبرة قانونيّاً) نصَّ الدعوى المرفوعة ضدّها وضدّي وضدّ مديرها المسؤول ــ وهي دعوى مليئة بالمدائح السلطانية لكريم بوصفه «شخصية مرموقة مشهوداً لها ماضياً وحاضراً…» وربّما ما بعد الأبد!

كما أنّ محاولة تشويه الافتتاحية كأنّها معادية للعراق، ولشعب العراق، ولأكراده، ولمثقّفيه، لا يصدِّقها أحد، بمن في ذلك الحاقدون على مسيرتها. فـ«الآداب» كانت وتبقى مجلة لكلِّ الناس في الوطن العربي، وبخاصةٍ لشعب العراق بكل مكوِّناته، ولا سيّما منذ الحصار الأميركي الجائر عليه. وكلُّ ما تطرَّقت إليه افتتاحيتي في ما يخصّ شخصَ فخري كريم لا يتعدّى السطور، وهو يتنزّل جزءاً لا يتجزأ من نقد تلك الافتتاحية للّيبراليين الجدد الذين تخلوا عن وعيهم النقدي بقدرة قادر؛ بل هو، على كلّ حال، غيضٌ من فيض ما يتداوله الناسُ عن الزميل كريم وعن تاريخه. فليَرفع الدعوى، إذن، ضدّ أكثر من سبعمئة مثقف وقّعوا ستّ عرائض (صدرت في لبنان والأردن والولايات المتحدة ومصر وتونس)، وليرفعها تحديداً ضدّ مَن طرح تساؤلات أكبر وشكوكًا أعظم عن أدواره الملتبسة أمثال: رشاد أبو شاور وعبد الحقّ لبيض وعلاء اللاّمي ونوري المرادي وطارق الدليمي وشوكت خازندار ومنذر سليمان وكمال خلف الطويل وطارق الكحلاوي وبيار أبي صعب ونهلا الشهال وأسعد أبو خليل وغسان بن خليفة ورحيم عجينة وباقر إبراهيم وجمال محمد تقي وعدنان حافظ الرمالي وسالم حسّون وحسقيل قوجمان وإبراهيم علوش وهشام البستاني وقيس عبدالله والحزب الشيوعيّ العراقيّ ـــــ المقاومة الشعبية والحزب الشيوعيّ العراقيّ ــــــ اللجنة القيادية والعشرات الآخرين (ولا أتبنّى أساليب بعضهم ولا بعض عباراتهم المهينة فعلاً بالمناسبة) الذين كتبوا صفحات لا سطوراً في هذه «الشخصية المرموقة».

خامساً: إنّ محاولة كريم تصويري وكأنَّي موالٍ لصدّام حسين لا تنطلي على مَن يعرفني، بل ولا على مَن اكتفَى بقراءة الافتتاحية موضوع الدعوى. فهل يكون صدّاميّاً مَنْ يكتب أنّ صدّام حسين هو الذي بدأ الحرب ضدّ إيران «ولكن بتشجيع وتحريض وتمويل وتسليح وتأييد من جانب الولايات المتحدة الأميركية والأنظمة الخليجية وغير الخليجية الموالية لها»؟ وهل صدّاميّ مَن يصف صدّام حسين بالديكتاتور؟ ولكنّ هذا شيء، والسكوت عن الاحتلال الأجنبيّ والاستبدادات والممارسات القمعية الجديدة على ما يفعل أدعياءُ «الوعي النقدي»، شيء آخر. إنّ ما فعله صدّام حسين ينبغي ألاّ يبرِّئ الولايات المتحدة من إزهاق أرواح مليون عراقي أثناء الحصار، ومليون آخرين منذ الاحتلال الأميركي عام 2003.. وكلُّه باسم الحرية وبناء الدولة!

سادساً وأخيراً: قد ينجح فخري كريم في أن يُطلّ على الفضائيات يوماً بعد يوم، وخاصة بسبب موقعه الجديد «المرموق» مستشاراً لرئيس العراق (تحت الاحتلال وبسبب الاحتلال). لكنّ معركة الثقافة الحقيقية تكمن في الضمائر، وفي ذاكرة القرّاء جيلاً بعد جيل؛ فهم وحدهم الذين يقرِّرون مَن يُحبُّ العراقَ وشعراءَ العراق ومثقفي العراق!.

* رئيس تحرير مجلة «الآداب»

شهادات من سوريا

إعداد: مايا جاموس وعبد الوهاب عزاوي

سمع معظمنا بالدعوى التي أقامها السيد فخري كريم على مجلة «الآداب». وصُدمنا لتعرّض هذا المنبر، بإرثه العريق والتقدمي، لحملة تسعى إلى تحويله إلى متهم أمام القضاء اللبناني… وكأنّ تاريخ «الآداب»، وذاكرةَ القراء، وأحلامَهم توضع في دائرة الاتهام.

رغبنا في أن يكون الملف استطلاعاً لآراء مجموعة واسعة من المثقفين السوريين من دون أيّ توجيه من طرفنا. لكنّ الكثير منهم رفضوا المشاركة. فمنهم من اعتذر بسبب موقفه السياسي المتعارض مع توجه «الآداب» الذي ينحاز للطرف الآخر ولا يودّ الإفصاح عنه. وبعضهم ـــــ كما نعتقد ـــــ يخشى ضمناً خسارة العلاقة مع مؤسسة «المدى» القوية اقتصادياً. وآخرون عزلوا أنفسهم عن الحياة، أو اكتفوا بخلقها داخلياً ضمن إبداعاتهم. وهناك من لا يملك أيّ اهتمام بالموضوع، ويعتقد أنّ الصراع بين المثقفين أمر يجب الابتعاد عنه. ورفض قسمٌ آخر المشاركة، لأنه صديق لكل من سماح إدريس وفخري كريم. والاعتذار الوحيد المبرر الذي وجدناه كان من شاعرة رفضت المشاركة في مهرجان المدى الخامس في أربيل، لكنها لا تريد أن تهاجم الذين شاركوا. وقد قدم العديد ممن يرفضون المشاركة موقفاً سلبياً من السيد كريم، مبنياً على عدد من ممارساته ومواقفه.

ومعظم الآراء التي حصلنا عليها سياسي في جوهره، متعلّق بالموقف الرافض للمشروع الأميركي وأعوانه. وهناك مَن كتب من منطلق الوفاء لـ«الآداب» لكونها من أهم الرموز الثقافية العربية. وما سبق يتقاطع مع وجهة نظرنا، نحن معدّي الملف، الذين نرى أنّ جوهر الصراع سياسيٌ يتجلّى في هجمة المشروع الأميركي في إطار ما يسميه المفكر عزمي بشارة «الليبرالية الجديدة المتوحشة» على المشروع القومي العربي بشقه اليساري تحديداً. وقد مثلت «الآداب» طوال عقود حاملاً لهذا الفكر عبر مشروعها التنويري والنقدي، وبالتالي يأتي تعاطفُنا من باب الدفاع عن الذات والهوية، وليس تعاطفاً مع سماح إدريس بشخصه رغم أهميته أو مع مجلةٍ ودار نشر فقط. ولابد أن نؤكد أنّ احتجاجنا على السيد فخري كريم وما يمثله من منصب سياسي لا يؤثر إطلاقاً على احترامنا وتقديرنا البالغين لمجلة «المدى» أو دار المدى ومن عمل أو يعمل فيهما، ومن بينهم أصدقاء حميمون وشعراء أسهموا في تكوين ذائقتنا الجمالية؛ ونخصّ بالذكر الشعراء: نزيه أبوعفش وبندر عبدالحميد وسعدي يوسف الذي وقف بشكلٍ صارخٍ ضد الاحتلال الأميركي وعملائه وضد الطالباني بوصفه «مجرم حرب».

أعدّ هذا الملفَّ شبابٌ في سورية مازالوا قادرين على الحلم، وما زالوا مؤمنين بذلك التاريخ النضالي الذي تعرض للكثير من الطعنات والتشويه. فقد أسهم ذلك التاريخ في الحفاظ على القليل من ملامحهم وقدرتهم على النطق ضمن جيلٍ مهمشٍ. ومن ثم، فإنّ الوفاء لهذا التاريخ هو وفاءٌ لأرواحهم وقدرتهم على الخلق والتطوير والنقد والدفاع عن الهوية في مواجهة المشروع الأميركي. ونقول كما قال مارسيل خليفة ذات يوم: «الثقافة حصننا الأخير»، ولهذا ندافع عن «الآداب» بنبض أرواحنا

يوسف عبدلكي

فخري كريمفخري كريممن البداهة أن نتضامن مع حرية الكلمة. وأنا أتضامن مع حرية الكلمة الجارحة، في زمن الرخاوة، وضياع المعايير، وانحسار قيم الحداثة والتقدم، وتبعثر الحدود، وتهافتِ أوضاع العرب السياسية والثقافية أمام مد القمع العسكري والديني والوهابي.

من له اعتراض على كلام سماح ادريس، فالمكتبات مليئة بالأوراق والأقلام، والصحف في كل مكان وعلى قارعة كل رصيف.

منذ عقود مع انحسار المشاريع القومية واليسارية، والحوارُ يتراجع في المجتمع وفي السياسة وفي الثقافة، وتنتشر أفكارُ الحزب الواحد، والسلطة الواحدة، عسكرية كانت أو مَلَكية دينية، وتملأ الساحات منفردةً. في هذا المستنقع إذا رميتَ حجراً يهتزّ السطح وتنتشر الروائح السقيمة لابسةً ثوبَ المحاكم. فعندما يُمنع حوار المواطن مع المواطن، والمثقف مع المثقف، والمواطن مع الحاكم، لا يبقى من جواب على الكلمة إلا هزّ العصا في وجهها.

لا يمكن شراء كل المثقفين كل الوقت، يا سيد فخري كريم. وكلام سماح ادريس لسانُ حال الآلاف منذ عقود ممن يفكرون كما يفكر، ويقولون في أحاديثهم ما يقول، ولكنهم لا يملكون الشجاعة لنشره كما فعل.

شكراً سماح ادريس.

فنان تشكيلي

محمد حمدان

يمر الواقع العربي بحالة تردٍّ شديد على الصعد السياسية والاجتماعية والفكرية، مع تراجع المشروع القومي العربي وانحسار الحركات الممثلة له. وتأتي مقالة سماح إدريس ضرورةً ملحّةً في هذه المرحلة بالذات، لفضح ممارسات النموذج الذي يمثّله فخري كريم، الذي يبدّل سلاحَه بحسب مصالحه الانتهازية. إنّ المعركة الحقيقية الآن هي في فضح التيار الليبرالي الجديد العميل للمشروع الأميركي، الذي جاء أفرادُه من مرجعياتٍ مختلفة يسارية وقومية، ولكنهم حافظوا على العقلية الانتهازية. من المخزي أن يتحول شيوعي بين ليلةٍ وأخرى إلى ليبرالي، إذ أيُّ فكرٍ كان يحمله في ما مضى، وأيُّ فكرٍ بات يحمله الآن؟! ولا بدّ من الإشارة أخيراً إلى أن أمل هذه البلاد ما زال يقوم على إحياء المشروع القومي العربي وتطويره، لتصبح المواطَنة بديلاً من الانقسامات الطائفية والعصبيات القبلية.

شاعر

قاسم عزاوي

سماح إدريسسماح إدريسخلال خمسة عقود أخذت «الآداب» دوراً رائداً في الفكر التقدمي، مع رصد وتبنٍّ للحداثة العربية، بالترافق مع مجلة «شعر» رغم اختلاف خطيهما. وقد حافظت على تألّقها بالرغم من التحولات المتعددة في مسيرتها، وبشكلٍ خاصّ في السنوات الأخيرة، إذ ركّزت على فتح الملفّات الأكثر إلحاحاً في الثقافة العربية عموماً والسورية خصوصاً، ومنها الرقابة والديموقراطية والعلمانية؛ وهذا ما منحها خصوصيةً عاليةً بين العديد من المجلات الثقافية. والتضامن معها يأتي في إطار التضامن مع خطها الملتزم. وما قدّمه سماح إدريس في مقالته يمثِّل صفعةً ضروريةً للوسط الثقافي بكل نفاقه المتعلق بالحداثة والتحرر الذهني لينساق بسرعة وراء أموال أمراء الخليج.

وبالنسبة إلى الدعوى، هناك نقطتان أساسيتان:

الأولى: أنّ الدعوى تقسم إلى حق شخصي باسم فخري كريم، وهذا أمر لنا أن نختلف فيه… وإلى حق عامّ دفاعاً عن الطالباني بوصفه رئيسَ دولة عربية، وهذه ظاهرة خطيرة ومريضة ومخجلة على الثقافة العربية. والأسخف أن يربط فخري كريم اسمه بشكلٍ مباشر ووقح باسم الطالباني، المجرم المشارك في العديد من المؤامرات والمذابح بحق الجميع، بمن فيهم الأكراد. والثانية: جاء في نص الدعوى أن ترخيص «الآداب» يقوم على أنها مجلة ثقافية، وبالتالي ممنوعٌ أن يُكتب فيها أيُّ مقال ذي صبغة سياسية. وهذا فكر سلطوي قمعي، ويقدّم أحطَّ التفاسير لكلمة «ثقافي» لأنه يعزلها عزلاً مطلقاً عن البنية السياسية.

النقطتان السابقتان وحدهما كفيلتان بالوقوف ضد فخري كريم وعملاء الاحتلال الأميركي من ورائه، بغضّ النظر عن احترامنا البالغ لـ«الآداب» واقتناعنا بموقفها.

شاعر وطبيب وعضو في المؤتمر القومي العربي

محمد جمال باروت

الدعوى المقامة على مجلة «الآداب» دعوى سلطوية غاشمة، مسلّحة بالمال، وبعلاقاتٍ مشبوهة مع محتلين، على منبر الكلمة المستقلة الذي تمثله مجلةُ «الآداب» بوصفها آخرَ مجلة ثقافية مستقلة بالاسم والفعل في الثقافة العربية.

ناقد وكاتب

نذير جزماتي

فخري كريم اتّبع الغدر سبيلاً للارتزاق والاغتناء. ومن فضائحه إبعاد الرفيق المناضل الكبير ميشيل كامل لأسباب شخصية عن هيئة تحرير مجلة «النهج» التي حوّلها فخري إلى ملكٍ شخصي بالنيابة عن الحزب الشيوعي العراقي، الذي باعته قيادتُه إلى الأميركيين المحتلين. وسبق لميشيل أن كشف في الجلسة المعقودة في موسكو في 26/10/1989 (انظر مجلة «النهج» عدد 29عام 1990) عن حقيقة فخري الذي اتخذ قرار الإبعاد في جلسة سابقة دون علم الرفيق ميشيل وربما دون علم اللجنة: فهو كان ينوب عنها في كل شيء، وبالدرجة الأولى في قبض الأموال وتحويلها إلى حسابه الخاص. كما كشف ميشيل عن المناهج الستالينية البيروقراطية، وقرارات التكفير والتحريم، وبيّن أن فخري كان رئيساً لمجموعة من الذين استمرأوا بدعة انتزاع شرعية الممثل الأوحد للماركسيين في هذا البلد أو ذاك، بالإضافة إلى سرقة أموال الحزب في المرحلة السوفياتية. وبالتالي فهو أحد مظاهر الأزمة الموغلة التي تجتاح البلدان الاشتراكية والحركة الأممية وأحزابها. ويبدو أن مثل هذا الفساد المطلق ضروري لرئاسة الجمهورية العراقية التي عينت فخري كريم كبيراً لمستشاريها.

كاتب ومترجم

محمد سيد رصاص

تعلّق سيمون دو بوفوار (في «قوة الأشياء») على محاكمة روبير برازياك، الذي كان رئيس تحرير صحيفة موالية لحكومة فيشي الفرنسية المتعاونة مع الاحتلال الألماني، وتتوجت بالحكم عليه بالإعدام وتنفيذه لاحقاً: «لقد كانت سيمون وايل تطالب بأن يَمثل أمام المحكمة أولئك الذين يستعملون الكتابة ليكذبوا على الناس. وإني أفهم موقفها. فهناك كلمات أشدّ قتلاً من غرفة غاز، وكلمات سلّحت قاتلَ جوريس، وكلمات دفعت سالنغرو إلى الانتحار. ولم تكن القضية في أمر برازياك قضية جريمة رأي، فهو بوشاياته وبنداءاته للقتل والإبادة قد تعاون تعاوناً مباشراً مع الغستابو».

للأسف، لا نجد عندنا حالة مشابهة لتلك الفرنسية تجاه عهد فيشي، بل يبدو من تجربة السنوات الخمس السابقة من عمر الاحتلال الأميركي للعراق أنّ هناك تطبيعاً ذهنياً مع ظواهر مثل أحمد الجلبي. فلا يرفّ جفنُ أحد ـــــ في الفضائيات والصحف العربية ـــــ عندما تلفظ عبارات مثل: «رئيس الوزراء المالكي» أو «الرئيس الطالباني»، وكأنّ هذه المسميات أو الألقاب تعبير عن سلطة فعلية!

لا يشمل هذا كثيراً من العراقيين فقط، بل يمتدّ إلى أغلب المثقفين العرب والكثير من الساسة المعارضين، وإن كان أغلب هؤلاء مما يسمى «التيار الليبرالي الجديد»، مع أنّ معظمهم لا يعرفون شيئاً عن الليبرالية، ولم يسمعوا بلوك ومِل؛ فالأمر ليس أكثر من ركوب موجة عالمية، تماماً ـــــ وأحياناً عند الأشخاص أنفسهم ـــــ كما كان الأمر مع الماركسية السوفياتية بين عامي 1945و1975.

في ظل وضع كهذا، يجد الناشر والسياسي العراقي فخري كريم نفسه في حالة وضع هجومي تجاه إنسان عروبي معادٍ للاحتلال الأميركي مثل الكاتب سماح إدريس؛ فيما كان المتعاون الفرنسي مع الاحتلال الألماني في وضعية المنكسر النفسي أمام المقاوم الفرنسي للاحتلال، حتى في ذروة انتصارات الألمان.

لا يأتي هذا الوضع عند كريم من قوة الجنرال بترايوس في بلاد الرافدين فقط، بل أيضاً من أولئك الكتَّاب العرب الذين احتشدوا عنده يومها في ذلك المهرجان بأربيل، والذين يمثّلون أسماء لامعة في الصحافة والثقافة عند العرب… هذا إذا لم نتحدث عن الكثيرين من الذين لم يذهبوا (أو لم يتح لهم ذلك) إلى هناك ويتملّكهم «الاتجاهُ الأميركاني»، وهم يحتلون الآن واجهات السياسة والثقافة والأدب في أكثر من عاصمة عربية.

المفارقة في هذه القضية تتجاوز حدود الشخصين، لتصل إلى حدود الفرق بين بغداد (والعرب) تحت الاحتلال الأميركي، وأوضاع الفرنسيين تحت الاحتلال الألماني، وكل شعب تحت الاحتلال في العصر الحديث: لقد حان الوقت لكي ينظر العرب إلى أنفسهم من خلال المرآة!

ملاحظة شخصية: المسألة عامة وتتعلق بالآراء. ولكي لا أُفهم خطأً، فإني أسجّل هنا أنّ تعامل الناشر فخري كريم معي، من خلال مجلة «النهج»، كان أفضل من تعامل الناشر سماح ادريس عبر مجلة «الآداب».

كاتب

حسيبة عبد الرحمن

إن التعاطي مع المسألة المثارة بين السيدين إدريس وكريم يعيد السؤال القديم عن المثقف ودوره وعلاقته بالسلطات الحاكمة، ذلك لأن كريم يؤدي دور المستشار للرئيس الطالباني (وأنا لست بمعرض انتقاد سياسة الطالباني أو غيره)، فخسر حياديته تجاه الانتقادات التي توجه «للسلطة الحاكمة» تحت ظل الاحتلال الأميركي. وأنا لم أكن أتمنى له أو لغيره من المثقفين الالتحاق بالنظم الحاكمة، وذلك لكي يبقى المثقف عيناً راصدة للأخطاء وضميراً للناس.

ومن المستغرب أيضاً ردة فعل السيد كريم العنيفة؛ فهذه ليست المرة الأولى التي يثار اللغط حول اسمه، وقد سبق وقرأنا كتابات متعددة في الإنترنت عن كابونات النفط، وأموال الحزب الشيوعي العراقي (وعلى الحزب الشيوعي أن يقول رأيه)، فلماذا إثارة الدعوات القضائية بوجه د. إدريس، والسيد كريم يستطع الرد؟ وأظن أن الأمر أصبح يستحق بذل الجهد منه لتبيان الوقائع إذا كانت التهم تزعجه، أو تجاهلها وكأنها لم تصدر.

روائية

فاتح جاموس

من العبث الهرب من هذه المعركة السياسية ـــــ الثقافية مهما كانت الأسباب؛ فلا معارك ثقافية صرفة أبداً. وما كتبه إدريس هو في جوهر هذا العنوان، كما أن المهرجان الذي جرى في أربيل ينضوي بامتياز تحت هذا العنوان. ولا يحق لإدريس أن يستغرب لجوء كريم إلى «القضاء اللبناني» مادام كريم شخصاً سياسياً أولاً، ويعمل في الثقافة ثانياً، ويريد أن يطور معركته مستخدماً كلَّ «أسلحته».

كثير من القوى، وخاصة اليسار الجديد الذي اكتوى طويلاً بنار الاستبداد والعدوان الخارجي، كان يتمنى في كثير من اللحظات أن تكون مثل هذه المعارك في حينه واضحة. لكن العلاقات التحالفية، باسم «الحاجات السياسية»، للعديد من القوى، وبخاصة الشيوعية (الرسمية)، جعلت مثل هذه المعارك محدودة وملتبسة. الكثير من هذه القوى التجأ إلى نظم استبدادية وطلب معونتها ولم يمارس أيّ عملية تضامن مع العديد من القوى التي مورس عليها القمع من هذه الأنظمة، بل كنا نتمنى أيّ مستوى من العلاقة بين بعض هذه القوى في سورية ومنظومة قوى المعارضة العراقية التي لجأت آنذاك إلى سورية. الآن بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وقيام «رب أرضي» هو الإدارة الأميركية، يُراد مرة أخرى أن تكون مثل هذه المعارك ملتبسة وغامضة.

كم أتمنى أن تُطرح كل المسائل للجدل السياسي الثقافي. وكم أتمنى على من يعرف الحقائق المتعلقة بالتهم والشكوك المثارة الآن أن يدلي بدلوه ما دام الأمر قد فُتح وغدا أمام القضاء اللبناني.

ناشط سياسي وكاتب

قضية حرية التشهير بصفتها آخر الحريات

دلال البزري

قد تكون حرية التشهير بأمانة الخصم في الرأي وبكرامته وبذمّته وبوطنيته، ومن موقع المحصن برأي أهله…. أقوى الحريات في عالمنا العربي. زادت هذه الحرية مؤخراً، بعدما اشتدّ الانقسام السياسي والفكري بين «مقاومين» يريدون فتح كل الجبهات على «المشروع الاميركي الصهيوني»، وبين آخرين لا يرون في هذه «الفتوحات» غير خراب بخراب.

«أشرف الناس! اكرم الناس! انظف الناس!». هكذا يرى «الممانعون» انفسهم. وبهذا الوصف لهم مطلق الحرية الاخلاقية في ان يمرّغوا خصومهم من غير الموافقين على اجندتهم في وحول الخساسة والعمالة والاستزلام والتبعية والتخاذل و»القبض» والسرقة والتعامي عن الحقائق التي لا يراها غير «الوطنيين الشرفاء».

هذا لا يعني أن صفوف «عديمي المقاومة» المستهدفين بالتجريح هم ملائكة الحجة الموضوعية الهادئة. فهم ايضا لهم قاموسهم التشهيري. وبينهم، فوق ذلك، من لا يردّ على الاختلاف الفكري (أو حتى على اختلاف في وجهة النظر) الا بالتشهير الشخصي وبالتشكيك في الذمة والكرامة. لكن الفرق ان «اشرف الناس» المقاومين اقوى منهم جماهيرياً وإعلامياً وثقافياً. اكثر منهم تنعّما بالتالي بحرية التشهير. مع هذا فالجميع سواسية في هذا العيب الخُلقي الفكري-الاخلاقي.

هل من حاجة الى امثلة عن هذه الحرية المقدسة؟ آخر الحريات؟

مثل واحد يكفي. ربما بسبب الضجة الاعلامية التي اثارها صاحب المثل:

افتتاحية الدكتور سماح ادريس الاخيرة في مجلة «الآداب» اللبنانية. عنوانها «نقد الوعي «النقدي»: كردستان العراق نموذجا». وفيه «تشريح» لحالة كردستان العراقية، من الدور الاسرائيلي فيها، الى حقوق الانسان والمرأة، الى تدمير كردستان… الخ. وفي هذا التشريح شيء من الحقيقة. لكن لغته الكارهة واليقينية أضعفت موضوعيته؛ وكذلك رؤيته المؤطرة بالهيكلية التنظيرية «الممانعة»، المعجَبة بخشَبيتها والمصرّة عليها… والتي لا ترى مسؤولية إلا في «المشروع الاميركي الصهيوني».

نتابع: كل هذا الوضع «المزْري» لكردستان العراق هو مسؤولية مثقف معروف ونشيط، هو فخري كريم. فالافتتاحية منكبّة عليه في بدايتها حيث «تنقد» تعامي المهرجان الضخم الذي ينظمه سنوياً عن هذه الحقائق التي تكشفها حول كردستان؛ وتتهم منظّمه بإخفاء حقائق كردستان عن مئات من المثقفين المدعوين الى هذا المهرجان. وهذا ايضا ليس مشكلة عويصة.

المشكلة الحقيقية ان الافتتاحية تنتهي بفقرة هي بيت القصيد: اذ تدعو القراء الى «تصفح الانترنت» او»الالتقاء بأي شيوعي عراقي نظيف» ليعلموا «أين آلت اموال الحزب الشيوعي العراقي وأموال الفقراء والطلاب وعائلات الشهداء، اموال مجلة النهج ودار المدى، ليعلموا صلات بعض «الشيوعيين» القدامى-الجدد بمخابرات صدام نفسه في الستينات والسبعينات، فضلا عن المخابرات العربية والاميركية والبريطانية…». (الآداب. ص96).

ردة الفعل جاءت سريعة: دعوى رفعها فخري كريم ضد سماح ادريس و»دار الآداب»؛ وفي احدى فقرات الدعوى: «للسيد ادريس حقه باتخاذ الموقف السياسي الذي يريد (…) لكن ليس من حقه ان يتجاوز حدود النقد المباح (…) الى سلوك الكراهية والاهانة وتعمد المساس بكرامة فخري كريم (…) والتشهير به وتحقيره من خلال اتهامه بارتكاب جرائم مخلّة بشرفه واخلاقه (…) افتراءات لا اساس لها من الصحة».

اما الرد على الرد فيكون بـ»ميثاق شرف» يُدعى فيه المثقفون الى التوقيع، وعنوانه «ميثاق شرف بين أنصار الكلمة الحرة». ميثاق يستند الى الدستور اللبناني حول الحرية والديموقراطية، ويحرم اللجؤ الى المحاكم «إنطلاقا من الاختلاف في الرأي او المعلومة او الدليل»! هكذا تتحول قضية النيل من الذمة المالية او الاخلاقية الى «فكر لا يجابه الا بالفكر»؛ أو الى «حقائق لا تدحضها الا حقائق». أو ايضا «ليس من اجل مجلة الآداب فقط، بل من اجل حرية كل مواطن عربي»! (بحسب ميثاق الشرف). هل من حاجة الى المزيد؟ حرية كل مواطن عربي يحميها توقيع عدد من المثقفين على هذا الميثاق دفاعاً عن «افتتاحية جريئة لاقت اعجابا من الكثيرين لا لجرأتها (هل تحتاج هكذا افتتاحية الى كل هذه الجرأة؟) في هذا الزمن الصعب فحسب، بل لوضوحها…» الخ.

ولا ينسى «ميثاق الشرف» في حملة التوقيع هذه أن يذكّر بجَميل مجلة إدريس، أو بالاحرى سلطته على الموقِّعين المفترضين، بعدما أُخذ على الخصم استقواؤه بسلطة رئيس جمهورية بلاده، اذ يقول «كم من شاعر وروائي وقاص وناقد -ما بين المحيط والخليج- صعد على صفحات الآداب….».

هذا والملف كله مع الميثاق واسماء الموقعين والدعوى القضائية المقامة ضد «الآداب»، تجدها جميعاً في صدارة صحيفة يومية مقروءة ومعروفة بمقاومتها للمشاريع الاميركية والصهيونية في المنطقة. وعنوان هذا الملف: «تضامنا مع «الآداب» وسماح ادريس»؛ وهذا فقط لقياس مدى الحملة الاعلامية ونشاطها في وجه «العميل… غير النظيف»، فخري كريم. وقد وقعت على هذا الميثاق شخصيات سياسية وثقافية بعضها نافذ جدا… وينتمي جلها الى المعسكر «المقاوم» نفسه.

الآن: قد يكون فخري كريم قد ربح القضية ضد «الآداب»، وقد يكون خسرها. بل اكثر من ذلك: قد تكون ذمة فخري كريم نظيفة وقد لا تكون. لكن المشكلة ليست هنا: ليست في الشخص نفسه، بل في النهج التشهيري الحر المعتمد بين الخصوم السياسيين او الفكريين.

والسؤال الذي يفرضه هذا النهج هو: اذا افترضنا أننا بتنا معسكرين كبيرين: بين «مقاومين» وبين «محذرين من خراب هكذا مقاومة»، بين معسكرين يرى كل واحد فيه في المعسكر الآخر انه «شر مطلق»، ولا يرى في نفسه الا «خيرا مطلقا»… فهل هذا تصور واقعي؟ «واقعي» بمعنى مطابق للواقع…؟ ان يكون كل المقاومين خيّرين نظفاء شرفاء، وغير المقاومين اشراراً مشبوهين عملاء ملوثين؟ وهل يعقل العكس ايضا؟

ميثاق التضامن مع سماح ادريس ينتمي الى مدرسة التشهير التي نعاني منها كلنا. اذا كان هناك من ميثاق فبين متخاصمين، ليس بين متحابين. وهذا هو الامتحان الحقيقي ضد عيب التشهير الذي لا ينال من المشهَّر بهم فحسب، بل من ممارسيه ايضاً.

الحياة – 10/02/08

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى