التفاوض السوري الإسرائيلي

توجه سوري محفوف بالمخاطر

null

عبد الباري عطوان

المفاوضات السرية غير المباشرة التي رعتها تركيا بين مندوبين سوريين واسرائيليين في انقرة بدأت قبل ستة اشهر، اي انها ليست وليدة الساعة، ولكن موضع التساؤل هو اختيار هذا الاسبوع للاعلان عنها في كل من دمشق وانقرة والقدس المحتلة بتنسيق مسبق، والدوافع الكامنة خلف هذا التوجه السوري نحو السلام مع اسرائيل في وقت يعتقد كثيرون ان المنطقة تتجه نحو الحرب، وان الحكومة الاسرائيلية هي الاضعف منذ قيام الدولة العبرية قبل ستين عاما.

المسؤولون السوريون متكتمون بطبعهم، وان ارادوا ان يخرجوا عن هذا التقليد، فانهم يتركون المهمة لبعض المعلقين من المحسوبين علي مؤسسة الحكم، وهؤلاء ينقسمون الي قسمين، الاول يغرق في التعبيرات الانشائية دون ان يقول شيئا محددا، ويتعمد عدم الاجابة عن السؤال المطروح. اما الثاني فيتحدث كما لو اننا نعيش زمن الحرب الباردة، ويردد خطابات مرحلة السبعينات، وكأن المفاوضات لم تحدث علي الاطلاق، او ان سورية ما زالت تقود جبهة الصمود والتصدي.

الأمر المرجح ان هناك دوافع سورية ملحة، وقوية، بعضها اقتصادي خانق وبعضها الآخر سياسي ذو بعد اقليمي ودولي، دفعت في الاتجاه التفاوضي الحالي، في توقيت يعتقد كثيرون انه غير ملائم، علاوة علي المخاطر التي يمكن ان تترتب عليه، في حال نجاحه او تعثره. ولا بد ان القيادة السورية قد اجرت عملية حسابية دقيقة لكل الاحتمالات هذه، ولا يملك المراقب الا اللجوء الي التكهن ومحاولة القراءة بين سطور التصريحات الرسمية، والتقارير الاخبارية القادمة من دمشق.

ولا شك ان المحكمة الدولية المتعلقة بجريمة اغتيال السيد رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، والمتهم فيها بعض المسؤولين السوريين واللبنانيين، تشكل محور ارتكاز اساسيا في معظم الخطط السياسية والاستراتيجية للنظام في دمشق، لانها يمكن ان تستخدم كورقة لتقويضه، مثلما جري استخدام ذريعة اسلحة الدمار الشامل العراقية لاحتلال العراق وإطاحة نظامه.

في سورية مدرستان رئيسيتان، لكل واحدة وجهة نظرها، وأساتذتها وبالتالي تلاميذها، الاولي يقودها السيد وليد المعلم وزير الخارجية ومهندس الدبلوماسية السورية الحديثة، وهي مدرسة تميل الي الاعتدال، وفتح قنوات مباشرة مع الولايات المتحدة، واخري غير مباشرة ربما تتحول الي مباشرة لاحقا، مع اسرائيل، بهدف التوصل الي صفقة ما تخفف من اخطار المحكمة الدولية وتداعياتها، وبما يؤدي في نهاية المطاف الي انقاذ النظام والبلاد. اما المدرسة الثانية ويقودها السيد فاروق الشرع فتميل الي التشدد، وعدم التفريط في ثوابت السياسة السورية، والاستمرار في خط الممانعة الحالي، والحفاظ علي تحالفات سورية مع الاتحاد الروسي والصين وايران بالطبع، وعدم التخلي عن اوراق القوة التي تملكها، خاصة حركات المقاومة في لبنان (حزب الله) وفي فلسطين (حماس) و(الجهاد الاسلامي).

المدرسة الاولي، اي مدرسة المرونة والانفتاح بكل الطرق والوسائل علي الولايات المتحدة، وفتح قنوات معها، تعتمد النموذج الليبي كمصدر إلهام، وكمخرج من مأزق المحاكمة الدولية واحتمالات تسييسها، فالتنازلات الليبية التي تمثلت بالتجاوب مع كل الطلبات الامريكية من حيث تفكيك وتسليم المعامل البيولوجية والكيماوية، والبرنامج النووي الوليد، والتعاون بالكامل في الحرب علي الارهاب، وتسليم كل المعلومات المطلوبة بشأن المتعاونين مع منظمات الارهاب في ايرلندا وامريكا اللاتينية، علاوة علي الأفراد والشركات التي زودت ليبيا بالمعدات والخبرات النووية مثل المهندس عبد القدير خان أبي القنبلة النووية الباكستانية، هذه التنازلات، ساهمت في انقاذ النظام الليبي، وتجنيبه استحقاق التغيير الامريكي. فعندما سئل السيد عبد الرحمن شلقم وزير خارجية ليبيا عن تبريره لدفع مبلغ ثلاثة مليارات دولار لضحايا لوكربي، قال ان بلاده اشترت امنها واستقرارها ورفع الحصار عنها.

اصحاب هذه المدرسة يعتقدون ان البوابة الاسرائيلية يمكن ان تقود بطريقة مباشرة او غير مباشرة الي صفقة مع واشنطن علي غرار الصفقة الليبية، اي حصر الاتهامات في ضابطين كبيرين او اكثر، وابعادها عن رؤوس النظام، حتي لو كانت سورية بريئة من جميع التهم الموجهة اليها، وربما تكون كذلك فعلا، تماما مثلما هو حال ليبيا في ما يتعلق بجريمة لوكربي التي الصقت بها.

واللافت ان السيد احمد قذاف الدم رجل المهام الصعبة ومبعوث الزعيم الليبي معمر القذافي لم يكف طوال العامين الماضيين عن التردد علي دمشق في زيارات شبه مكوكية، وكأنه يقدم لنظرائه السوريين حصيلة التجربة الليبية التفاوضية الصعبة مع الامريكان والانكليز، وكيفية ادارة الأزمة بما يؤدي الي تجنب الاخطاء والوصول الي افضل النتائج.

المدرسة الثانية، تري ان النموذج الليبي قد لا يصلح كمقياس بسبب الفارق الكبير بين محكمة لوكربي، ومحكمة الحريري، وكذلك بين مكانة ليبيا ومكانة سورية في المنطقة، مضافا الي ذلك ان ليبيا وجدت نيلسون مانديلا ومن خلفه القارة الافريقية بأسرها تدعم موقفها وتكسر الحصار المفروض عليها، علاوة علي حاضنة عربية مساندة، تمثلت في وساطة سعودية واخري مصرية وثالثة قطرية مع الولايات المتحدة، وفوق هذا وذاك 60 مليار دولار من الدخل النفطي السنوي، بينما تجد سورية نفسها حاليا محسوبة علي محور الشر وفي عزلة عربية.

ويجادل انصار هذه المدرسة بأن النموذج الأقرب لسورية هو العراق، فقد حاول النظام العراقي السابق ابداء كل المرونة مع واشنطن ورضخ لكل طلباتها في ما يتعلق بتنفيذ قرارات الامم المتحدة، وتفكيك اسلحة الدمار الشامل التي في حوزته، ومع ذلك تعثرت مساعيه كليا. ويعتقد هؤلاء اي انصار هذه المدرسة، ان سورية يجب ان تصمد في وجه الضغوط الحالية، وان تظل في محورها الحالي، لأن المشروع الامريكي في المنطقة يواجه الفشل تلو الآخر، والحكومة الاسرائيلية الحالية اضعف من ان توقع اتفاقات سلام تقوم علي تنازلات مؤلمة .

من الواضح ان مدرسة الواقعية السورية انتصرت، ونجحت في اقناع القيادة بتبني وجهة نظرها، والانخراط في مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل عبر البوابة التركية، وبما يعطي اشارة للبيت الابيض، بأن سورية مستعدة للانتقال الي المعسكر التركي، الذي يقف في مواجهة المعسكر الايراني، ويقيم علاقات طيبة مع الغرب بسبب عضويته في حلف الناتو، بالاضافة الي العلاقة الأطيب مع اسرائيل. ولكن ما هو غير واضح ما اذا كان هذا التحول استراتيجيا، ام انه تحول تكتيكي الهدف منه كسب الوقت.

المآخذ علي اصحاب هذه المدرسة كثيرة، ابرزها انها بالاعلان عن المفاوضات مع اسرائيل، اخرجت سورية بالكامل من معسكر الممانعة، وافقدتها الكثير من اوراق القوة التي في يدها حتي قبل ان تبدأ المفاوضات. فاستعدادها الضمني للتجاوب مع الطلبات الاسرائيلية في التخلي عن منظمات المقاومة والخروج من المعسكر الايراني مقابل استعادة الجولان، نقلها الي معسكر المعتدلين عمليا، وهو المعسكر الذي ظلت الأدبيات السورية تعارضه وتنتقده حتي قبل اسبوع، فحتي لو تعثرت المفاوضات، وارادت سورية التراجع عن خطها التفاوضي الحالي، فانه من الصعب عليها اقناع الكثيرين بجديتها هذه المرة، لان مصداقيتها قد تكون تضررت بشكل كبير، واستردادها يحتاج الي جهود كبيرة وإن كانت غير مضمونة النتائج.

القيادة السورية تبدي اعجابا ملحوظا بالتجربة الصينية التي تقوم علي الاصلاح الاقتصادي دون اجراء اصلاحات سياسية تحاكي النموذج الديمقراطي الغربي. واوفدت العديد من خبرائها لدراسة هذه التجربة علي امل تطبيقها لاحقا، وهو اجتهاد منطقي، وان كنا نختلف مع بعض جوانبه، لاختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والاقليمية في البلدين، ولكن ما يجب ان تدرسه القيادة السورية وخبراؤها في الصين ايضا، هو كيفية ادارة القيادة الصينية لمسألتي هونغ كونغ وتايوان، فقد صبرت تسعين عاما علي الاحتلال البريطاني للأولي حتي استعادتها دون اطلاق رصاصة واحدة، وباتت علي وشك استعادة الثانية وبالطريقة نفسها، ودون ان تقدم تنازلا واحدا في الحالين.

مرة اخري نقول ان سورية تستطيع ان تعيش، وتزدهر، دون دفع ثمن باهظ لاستعادة الجولان، يمكن ان يؤدي الي تقويض اسس النظام وليس انقاذه، والجولان حتما ستعود اليها، والخط البياني لاسرائيل ككيان في انحدار بعد هزيمتها في لبنان، وتفاقم اعمال المقاومة ضدها في فلسطين، وتململ العالم الغربي من الاعباء الضخمة التي باتت تشكلها بالنسبة الي استقراره وأمنه، واهمها تصاعد وتيرة الارهاب العالمي.

لا يعارض احد استعادة سورية لاراضيها كاملة، والعيش بسلام، ولكن شريطة ان يكون الثمن ملائما، وان لا يعود هذا السلام بنتائج عكسية علي امنها الداخلي واستقرارها ونسيجها الاجتماعي، وإرثها الوطني العظيم. فاسرائيل تحاول استخدام الورقة السورية لاسباب داخلية، واللعب علي المسارات، والهروب من المسار الفلسطيني بفتح مسار سوري دون اي ضمانات بالنجاح.

ننصح القيادة السورية التي تدرس التجربة الليبية بعناية وتحاول الاستفادة منها، ان توجه الدعوة ايضا الي الرئيس الفلسطيني محمود عباس للاستفادة من تجربته التفاوضية العبثية مع الحكومة الاسرائيلية، لعلها تستفيد منها ايضا.

القدس العربي


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى