صفحات سورية

في الذكرى السابعة والأربعين لإعلان حالة الطوارئ: متى تخرج سوريا من نظام الاستثناء؟

null
ما يميز ذكرى إعلان حالة الطوارئ في سوريا هذا العام، هو تزامنها مع مرور نحو عشر سنوات على تولي “العهد الجديد” مقاليد الحكم في سوريا، في حزيران من عام 2000.
حالة الطوارئ التي أعلنت في صباح الثامن من آذار عام 1963 إثر الاستيلاء على السلطة بانقلاب عسكري، أضحت لعقود عديدة تالية في عهد الأسد الراحل، نظاما متكاملا للحكم، وليست مجرد التسويغ “القانوني” للقمع والتنكيل واحتكار السلطة.
وإذا كان التشريع الدستوري الحديث قد أدرج قانون الطوارئ في مواده، واعتبره من أسس سيادة الدولة، فقد قيد إعلان حالة الطوارئ بحالات استثنائية، هي حالات الحروب والكوارث ولمدد زمنية محدودة ووفق شروط دستورية وقانونية معروفة. ولم تخرج الدساتير السورية كافة عن ذلك ، بما فيها الدستور الراهن والمعمول به منذ عام 1973.
لكن ماحدث في تاريخ سوريا بعد 1963، كان مخالفا لكل تلك المفاهيم والأصول التشريعية للدولة الوطنية الحديثة، فقد أعلنت حالة الطوارئ مرة كي تستمر للأبد. بذلك تحول الاستثناء إلى قاعدة، والطارئ إلى دائم ومستمر، وكان من الطبيعي أن يرتبط ذلك بمجمل سياسات النظام، بل وأن يكون وجها آخر للاستثناء الأكبرالمتحقق، ألا وهو إخراج المواطنين السوريين من أي مشاركة في إدارة شؤون بلدهم.
كانت حصيلة الطوارئ والاستثناء مع نهاية القرن العشرين، مئات آلاف المفقودين والمعتقلين والمنفيين، مجتمع مهمش ومكبل بالقمع والخوف، مؤسسات متهالكة في العجز والبيروقراطية والفساد، وأوضاع اقتصادية متردية لا تستثني إلا رموز الفساد والسلطة وحلفائهم، بالإضافة إلى أجهزة أمنية متضخمة، لا محدودة الصلاحيات، ومتغلغلة تدخلا وتقييدا وتحكما في أبسط وأشد خصوصيات المواطنين وتفاصيل حياتهم.
وبعد نحو عشر سنوات على “العهد الجديد”، يبدو أن نظام الاستثناء لم يحافظ على استمراريته ورسوخه فقط، بل خضع لعملية تجديد وتنشيط بما يلائم مقتضيات مرحلة ” التطوير والتحديث”! .
لم يجر لا تجميد ولا تقليص لحالة الطوارئ كما حاول إعلام السلطة أن يشيع في بداية “العهد الجديد”؛ بل أوكل لنظام الاستثناء مهام جديدة، تقضي بالإضافة إلى إدامة أوضاع القمع وكم الأفواه، بحراسة مصالح “الرموز” الاقتصادية السلطوية الصاعدة، التي تجني من “اقتصاد السوق الاجتماعي” ما جناه أسلافها من “الاقتصاد الاشتراكي” المنغلق طيلة عقود. وبحيث تضبط عملية الانفتاح الاقتصادي المتسارع باضطراد عبر سياسة احتكارية فاقعة الملامح، تمعن في إفقار شرائح متزايدة من السكان وتركيز الثروة في يد الأجيال الجديدة من مافيات السلطة.
نظام الاستثناء ليس مجرد أداة مساعدة للحكم المتسلط في سوريا، بل هو الرئة التي يتنفس عبرها لإدامة امتيازاته وتسلطه؛ لكنه أيضا النظام الذي عمل تفتيتا وهدما في أسس المجتمع السوري وانسجام مكوناته وائتلافه، والذي أفقده الثقة بنفسه ومقدراته وبلده.
هذا الاستثناء، الذي أمن الاستمرار لطرف عاث في الأطراف الأخرى خرابا، يهدد حاضر ومستقبل سوريا مجتمعا ودولة. ومن الواضح أن مقاومته لم تعد مجدية بتغيير طارئ أواستثنائي، سيكون بطلبيعة الحال على منواله، لكن الخلاص منه بحاجة ماسة إلى تغيير مكين ودائم، هو كما يقول الديمقراطيون السوريون: إصلاح سلمي تدرجي علني وآمن، يبدأ في القانون والثقافة والمجتمع كما في السياسة وغيرها، وهو وحده ما يعول عليه للخروج من نظام الطوارئ الذي طالما استثنى سوريا والسوريين!
موقع اعلان دمشق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى