صفحات مختارة

الشعبوية في الخطاب الديني السياسي

د. رشيد الحاج صالح
إن المتابع للكلام السياسي الذي يقال في الجرائد والفضائيات العربية ناهيك عن الندوات والمؤتمرات التي تقيمها هذه الجهة أو تلك، سرعان ما يلاحظ الصفة الشعبوية المفرطة لهذا الخطاب. أما الغاية من وراء هذه الشعبوية السياسية فهي اجتذاب اكبر عدد من الناس والفوز بأكبر شعبية ممكنة، فالخطاب العاطفي والوجداني يقوم بإرضاء الناس ودغدغة عواطفهم السياسية، وتلبية أحلامهم في بناء الأمجاد الكبرى، الأمر الذي يريح الناس نفسياً ويخفف من الضغوطات الناتجة عن الأوضاع السياسية الصعبة التي يعيشها العالم العربي والإسلامي.
فالمستمع إلى هذا الخطاب يجد أنه يعج بالشعارات الموجهة والعبارات المسيسة والتحليلات البسيطة، كما أنه خطاب مليء بالمسلمات والبديهيات المتناقضة، ويميل إلى مخاطبة العواطف بدلاً من مخاطبة العقل، إلى استمالة الناس وتخديرهم بدلاً من مناقشتهم، وإلى إراحتهم نفسياً بدلاً من تحميلهم المسؤولية. فهذا الخطاب يفتقر إلى التحليل السياسي النظري، ونادراً ما يتناول الأحداث السياسية بمنظار منهجي علمي، يتوخى البحث عن أسباب الظواهر ونتائجها بغية فهمها وتفسيرها، والارتقاء بمستوى الوعي السياسي العام لدى الناس إلى فهم الأحداث والظواهر السياسية، فهماً عميقاً وكلياً يصل بهم إلى تكوين صورة موضوعية للواقع السياسي العربي. بل إن همه الأساسي يبقى في حدود مغازلة أحلام الناس السياسية والتغني بأمجادهم الغابرة ورسم صورة وردية لمستقبلهم، لتسكين الآلام السياسية التي يعانون منها. وهذا الأمر انعكس حتى على اللغة التي يفكر الناس من خلالها بالسياسة، بحيث أصبحت اللغة السياسية اليوم مجرد خطابات لغوية، وتسييس أعمى، وتحشيد متوتر، وشعارات رنانة، وتحزبية مفرطة لدرجة أننا اليوم لا نكاد نعثر على نقاش سياسي بقدر ما نحاصر بجدالات سياسية عقيمة، ولا نكاد نعثر على تحليل سياسي بقد ما تواجهنا بحور من السباب السياسي واتهامات التخوين والتآمر.
وإذا ما حاولنا تحليل ظاهرة التسييس الشعبوي للخطاب السياسي العربي نجد أنه يعود بالدرجة الأولى إلى طلب عدد من مفكرينا ومثقفينا للشهرة والانتشار. أما الأساس الأبيستمولوجي لمثل هذا الانتشار فهو أن الجمهور العربي لا يطرب إلا لمثل هذا الكلام المعسول ولا يريد سماع غيره. ولذلك فإن الخطباء والدعاة والمفكرين العرب فضّلوا ألا يزعجوا مواطننا العربي بالتفكير بمشاكله، وألا يذكروه بهمومه السياسية، فاكتفوا بتقديم المسكنات له. لأن المسكنات تجعل المريض ينسى مرضه، حتى يظن أنه شفي منه تماماً، ذلك أن نسيان المشاكل أسهل من حلها.
أما نتائج مثل هذا التسييس فتتمثل في:
أولاً ـ تشويه الوعي السياسي العربي وتنمية روحه الاستسلامية، بحيث يبقى الناس يعيشون أحلامهم السياسية ويتغنون ببطولاتهم، دون أن يهتموا بالواقع المرير الذي يحيط بهم. الأمر الذي يؤدي إلى ازدواجية وتشويش يدخلان في تكوين الوعي السياسي ذاته.
ثانياً ـ تعزيز النزعة الاتكالية وتخوين الآخرين. فالمشكلات دائماً سببها الآخرون والأعداء والمتآمرون والاستعمار والعملاء، وهذا كله يريح النفس بتحميل الآخرين لأسباب مشاكلها.
ثالثاً ـ الثقة المطلقة بامتلاك الحقيقة. فما إن ينتهي الناس من سماع أحدى الخطب الشعبوية، سياسية كانت أم دينية، حتى يتكون لديهم شعور عارم بأنهم يمتلكون الحقيقة بشكل مطلق وأنهم على صواب بشكل كامل، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع مستوى التعصب لدى الناس وانغلاقهم أيديولوجياً.
فهل هناك من سبيل لإيقاف هذا السيل الجارف من الخطاب الشعبوي والكشف عن حقيقته البائسة؟
أوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى