صفحات مختارة

من على خطأ… النخب أم المجتمع؟

كرم الحلو
المتتبع للخطاب السياسي العربي في نصف القرن الماضي، خصوصاً في مرحلة ما بعد نكسة حزيران 67، يدرك أن ثمة أزمة تواصل بين النخبة والمجتمع في العالم العربي، وأن صوراً من الفصام والقطيعة أو العداء والكراهية تسم علاقتهما على كل المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية، حيث تسود الفوقية والخداع والديماغوجية والشعارات الكاذبة والمضللة.
على المستوى السياسي تعتبر العــلاقة بين النخبة السياسية الحاكمة، والمجتمع صورة نموذجية لأزمة التواصل هذه. فالدولة التسلطية، الشكل الأكثر شيوعاً للحكم في العالم العربي، تنظر دائما الى الناس كمصدر قلق وخطر وتهديد لسلطانها، تحيط نفسها بالمخابرات والأجهزة الأمنية والقوى الخاصة، وترى بعين الشك والريبة الى كل تحرك يتجاوز حدود رقابتها. تخشى أي تقدم يحرزه المجتمع المدني، فتعمد الى التضييق على النقابات والمؤسسات الأهلية وتحاول دائما شدها الى عنفها، باعتبار المجتمع قاصراً ومحتاجاً دائما الى وصايتها. ليس له أن يرفض مشاريعها السياسية أو يتساءل عن جدوى هذه المشاريع ومشروعيتها، بل عليه أن يكون دائما طائعاً منصاعاً مثنياً على قراراتها وإنجازاتها.
بالمقابل، فإن المجتمع عموما ينظر الى السلطة على أنها مفروضة عليه فرضا كقدر خارج عن إرادته، ينتظر ساعة الخلاص منه، وكثيراً ما راقبت الجماهير عثرات السلطة بالسخرية والشماتة، كأن ثمة حرباً خفية وغير معلنة بينهما.
تواصل النخبة السياسية مع المجتمع إذاً، تواصل مأزوم تلفه عدائية متبادلة وحذر دائم وعنف صامت يحكمه توازن رعب وباطنية خبيثة يتلطى وراءها الجميع. يتوجس الحاكم من نوايا المحكومين، فيما هم يضمرون غير ما يصرحون، ويقولون غير ما يعتقدون، أو يؤثرون الصمت بانتظار الزوال وتغيّر الأحوال. وإذ ذاك تسود الانتهازية، فيرتقي أكثر من يتنازل أكثر، ولو على حساب الحد الأدنى من الصدق مع الذات، لأن الدولة في يدها المكاسب والمنافع والعطاءات، ولأن المطلوب للفوز بغنائمها طاعة عمياء محرّم معها أي نقد أو نقاش أو مساءلة.
وثمة كذلك أزمة تواصل بين الأحزاب والمجتمع. فالأحزاب العربية لم تستطع أن تكوّن حالة جماهيرية بل ظلت بالإجمال قلاعاً مغلقة على هموم الناس أو جيوباً على هامش المجتمع. اعتبرت نفسها عقل المجتمع وطليعته الأيديولوجية، نظرت إليه على انه كتلة بشرية عمياء مستعدة للسير في الاتجاه الذي ترسمه لها. فكان أن تحولت الأحزاب العربية الى «واعظ أيديولوجي» مرفوض يمطر المجتمع بالايديولوجيا والشعارات القومية أو الاشتراكية أو العلمانية، فيما غربة قاتلة تجثم بينه وبين الناس، غربة لا يمكن تجاوزها بالتنظير والديماغوجيا ودعاوى الطليعية والريادة. وليس من الصعب ملاحظة هشاشة الأحزاب ومحدودية جماهيريتها وعجزها عن اختراق الذهنية الشعبية في غالبية الأقطار العربية.
ولا تقل أزمة التواصل بين قيادات الأحزاب وجماهيرها عن تلك القائمة بينها وبين الناس، فطالما تم اختصار الحزب في لجنته المركزية، وهذه اختصرت بدورها في أمينها العام وقائدها المؤبد العصي على النقد والمساءلة.
وربما كان تواصل النخبة الثرية مع المجتمع هو الأكثر تأزماً وتعقيداً، والأكثر إثارة لمشاعر الحقد والكراهية وانعدام الثقة، إذ إن المجتمع بأكثريـته الساحقة يعــاني الجوع والأمية والبطالة، فيما هي تكدّس آلاف بلايين الدولارات في المصارف الأجنبية، عازفة عن توظيف ثرواتها في تنمية المجتمعات العربية المتخلفة.
وليس تواصل النخب الثقافية مع المجتمع أفضل حالاً. فقد طغى على المثقفين بالإجمال إحساس التفوّق والاستعلاء والفوقية، ونظروا الى المجتمع على أنه «حالة دونية» عليهم الارتقاء بها، وطالما أعلن هؤلاء تبرمهم ويأسهم إزاء السلبية التي ووجهوا بها. فالمثقف الليبرالي رأى المجتمع العربي يذهب في غير اتجاه الحريات الليبرالية التي نادى بها منذ زهاء قرنين، والمثقف القومي ألفى العالم العربي يتجه الى التشرنق على عصبوياته بدل الاتجاه نحو الوحدة المنشودة، والمثقف العلماني فاجأته الانتماءات الأصولية المتشددة بدل التواصل الإنساني المنزه عن التعصب الطائفي الذي تطلع إليه على الدوام. وكان أن انكفأ المثقفون واغتربوا، مؤثرين مصالحهم الشخصية على مصالح المجتمع، فتقلصوا من دعاة تقدم ورسل حضارة، الى إعادة إنتاج تعيسة لواقع التخلف. ما عمّق الفراق بين النخبة المثقفة والمجتمع، حتى بات التساؤل عن دور المثقف وجدواه مبرراً ومشروعاً. أليس استشراء الأصولية العتيد دلالة مأسوية على مشروعية هذا التساؤل؟ أليس استمرار التخلّف العربي النتيجة الحتمية لحالة الصمم شبه الكامل بين النخبة المثقفة والمجتمع؟
أما النخبة التقليدية المتمثلة في الزعامات الطائفية والقبلية والعشائرية، والتي تقف في وجه التــجدد والتطــور، وتحجم عن مواكبة العصر، فيشكل اغترابها عن الأجيال الجديدة، وجهاً قديماً متجدداً من وجوه الفصام والافتراق بين النخب والمجتمع في العالم العربي.
من هنا لا بد من أجل إنهاء الفصام بين النــخبة والمجتــمع العربيين من إعادة نظر شامـلة في مفـهوم النخبة وآليات تفكــيرها وتـعاملها مع المجتمع، فضلا عن دورها وموقعــها في حركة التقــدم والنهضة. فمن الضروري أولا: أن تكف النخب عن اعتبار المجتــمع قــاصراً ومتخلفاً عنها في وعيه، وان تقلع بالتالي عن اعتبار نفسـها عقل المجتمع وروحه، فتصغي الى النبض الحقيقي للجماهير التي طالما برهنت في المنعطفات التاريخية الكبرى عن تقدم وعيها على وعي النخب. وثانيا: النظر الى المجتمع على أنه الغاية في حد ذاته، ومصدر أي شرعية سياسية أو اجتماعية أو أيديولوجية، وعدم التعامل معه كحقل اختبار لمشاريع النخب وتصوّراتها، ما يطرح الديموقراطية كقاعدة ضرورية لبناء العلاقة بين النخب والمجتمع. وثالثا: الحد من التفاوت الطبقي المتمادي وتحقيق الحد الأدنى من العدل الاقتصادي باستخدام الثروات العربية في تنمية المجتمعات العربية، مما يخفف حالة العداء التاريخي بين النخب والمجتمع. ورابعا: الكف عن الديماغوجية والتبشير الايديولوجي على حساب الواقع والتاريخ والحقيقة. فقد آن أوان معاينة الواقع العربي بعقلانية بعيدة عن الأوهام النخبوية المضللة.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى