صفحات ثقافية

مُجازفات الشَّابي النثرية: أو ‘ قصيدة النثر ‘ كما كتبها الشَّابي

null
صلاح بوسريف
[1] كانت التَّجربة الرومانسية، في الشِّعر العربي الحديث، أَوَّل ما عَقَدَ علاقَتِي بالشِّعر. جبران، هو الدَّهشة الأولى، التي وَضَعَتْنِي في طريقِ كتابَة، فَهِمْتُ، فيما بعد، أنَّها، خَرَجَت عن سياق الكتابة التقليدية، التي كانت مُعَاصِرَةً له. أعني شوقي، تحديداً، باعتباره الأكثر حُضُوراً وتأثيراً آنذاك.
سيأتي الشَّابي، في علاقتي بالرومانسية، من جهةٍ، وبهذا النمط من الكتابة ذات المَنْحَى الذاتي، الخارج عن طَوْقِ التقليدية، من جهة أخرى، بعد جبران، الذي سأعرفُ، بعد مُصَاحَبَتِي لَهُما، طبيعة التأثير الذي كان لجبران على الشَّابي.
ما كان يَشُدُّنِي لجبران، هو انفتاح الشكل الشِّعري عنده، وأنَّه، كان غير مَعْنِيٍّ بِتَسْمِيَةِ ما يكتبه، فهو اكتفى بالكتابة، لِيَتْرُكَ التَّسْمِيَةَ لغيره.
[2]
قَرَأْتُ الشَّابي، بِفَرَحٍ، وَوَجَدْتُ في شعره انْشِراحاً، ساعَدَنِي على اكْتِشَاف العلاقة بيـن الإنسان والطبيعة، وهو ما كان جبـران هَيَّأَ نَفْسِـي لقبـولِه. لم تَعُـد ‘ الكائنات’، كما كُنْتُ أفهمُها، هي الإنسان، وغيره، مما يوجد في عالم الطبيعة من دَوَابّ، وحيوانات مختلفة. فالطبيعة، بِشَجَرِها، وما تَحْفَلُ به من خُضْرَةٍ وماءٍ، بَـدَتْ، لِـي، من خـلال قِراءتـي للشَّابي، هـي، أيضاً، من ‘ الكائنات’.
لم تَكُن الرومانسية، مُجَرَّد كتابة، تَبْدُو فيها الذات حَاضِرَةً، قياساً بالشِّعر الذي، انْتَفَت فيه الذَّات، وتلاشَتْ، أو احْتَجَبَتْ خلف ذوات غيرها، فهي كانت برنامجاً كاملاً، فيه كانت الشِّعريَة الرومانسيةُ تحتفي بالكون، أو كانت، بالأحرى، تحتفي بالوُجود. لم يكُن فقط الإنسان، أو ‘ الموجود’، بالمعنى الهايدغري، هو ما يَدْخُل في صُلْبِ اهتمامها، فهي وَضَعَت الكُلَّ في وَاحِدٍ، ونَظَرَت إلى الوُجُود، بما فيه من مَوْجُودَاتٍ، بلا فَرْقٍ، أو مسافةٍ.
في مفهوم ‘ الغَابِ’، وهو من المفاهيم الأثيرة عند جبران، الشَّابي بدوره استعمل نفس المفهوم، ما يكشف عن هذا المعنـى، أو البرنامـج الرومانسي، البعيد، الذي، يمكن، في ضَوْئِه، أن نقرأ كتابات، هذين الشاعرين، وما صَاحَبَهُما من كتابات، لها علاقة بنفس الموضوع.
[3]
في كتابه ‘ الخيال الشِّعري عند العرب’، تَكَشَّفَت بوُضُوح، هذه الرؤية عند الشَّابي، فهو حين انْتَقَدَ ‘ السُّلُوك ‘ الشِّعريّ، عند العرب، أو ما سمَّاهُ هو، بـ ‘ الخيال الشِّعري’، بما وَضَعَهُ له من تقسيماتٍ، كان يَضَعُ، في الحقيقة، أُسُسَ رؤيته الشِّعرية، في المِحَكِّ، وكان، يضع، بنوع من الوعي الشِّعْرِيِّ الحُرِّ، مفاهيم، كاملةً، أمام نفسها، من مثل ‘ المعنى’ في الشِِّعر، لكن، في ضوء، هذه الرؤية، التي صار فيها الوُجُود، عنده، هو الموجود ذاته.
مَنْ يقـرأ الشَّابي، من خـارج كتاباته النظريـة والنقديـة، بما فيها رسائله، ومذكـراته، وما كتبه، عن بعض الشُّعَـراء العـرب، من بينهم المغاربـة، لا يستطيع وَضْعَ اليَدِ على ما كان يَشْغَلُ الشَّابي، بخلاف جبران، هنا، كأُفُق شِعريٍّ، كان أحد أبعاد برنامَجِه الشَّخْصِيِّ.
لا ينبغي أن نكتفي بقراءة الشَّاعر، في علاقته بغيره، فعلاقة الشَّاعر بنفسه، أعني بكتاباته، هو، ربما ما سيسمح لنا بإزالة كثير من الالتباسات التي نقعُ فيها، حين نرى شِعْرَهُ، بعيداً عن نقده، أو عن مشروعه الشِّعريِّ، طبعاً، حين يكون له مشروع.
[4]
مُصَاحَبَتِي المُتَوَاصِلَة للشَّابي، ساعدتني على معرفته، وعلى إدراك، بعض خُيوط تجربته. قَرَأْتُ الشَّابي بِحُرِّيَة. لم أُلْزِم نفسي ببحث، فيه إكراه الجامعةِ، أو ما قد يكون نوعاً من القـراءة الآتية من غير هذا الاختيار الحُرّ والسَّعيد. وهذا هو ما عَمَّق صداقتي بالشَّابي، وقبله بجبران، الذي كُنْتُ اسْتَضَفْتُه في أطروحتي، بنفس الحُرِّيَة.
رغم أنَّ مسافة الكتابة والتجـربة، تَفْصِلُ بيني وبين هذا الشَّاعـر الصديق، ورغم أنَّ لُغتَه، ليست هي لُغَتِي، ولا اختياره الشِّعري، وفق ما أشرتُ إليه، أصبح بعيداً عن تجربتي، لكن جَوْهَر مفهوم الشَّابي لـ ‘ الكائن’، يبقى هو نفسُ مفهومي له، لكن بما أصبح يَعْتَرِي هذا المفهوم، اليومَ من رَعَشَاتٍ، نَأَتْ بالمفهوم عن ظاهره، لِتَضَعَهُ في المَهَبِّ. لم يبقَ ‘ الكائن’ جَواباً، بل صار، في سياق المعرفة الحديثة سؤالاً. وها أنذا أبتعد عن الشَّابي، فيما أقتربُ منه، في الاحتفاء بالوُجود، غير مُنْفَصِلٍ عن وُجُودِهِ.
[5]
قرأتُ الشَّابي مَوْزُوناً، ورغم ما في شِعْره، من تَلْيينٍ للوزن، الذي كان الشَّابي يُقَابِلُه بِـرَهَافَة اللُّغَة، وسلاسَتِها، بتعبير القديمين، وها أنـا أكْتَشِفُه عارياً من الوزن.
للشَّابي كِتَابٌ، وهو مَنْ كان يَحْرِصُ على إنجاز أعماله، وفق برنامج، أشْرَف عليه بنفسه. هو مَنْ هَيَّأَ ديوانه للنشر، ولم يَتْرُكُه في يَدِ غيره، رغم أنَّ الطبعات المتوالية لديوانه ‘ أغاني الحياة’، بقيتْ هي غير ما رَتَّبَهُ هو نفسُه.
الكِتَاب الذي صدر عن ‘ بيت الحكمة’ التونسي ( 2009)، إعداد سُوف عبيد، هو ما كان الشَّابي أشار إلى عنوانه ‘ صفحات من كتاب الوُجُود ‘، لِنَنْتَبِه إلى العنوان، في رسالة كتبها لصديقه محمد لحليوي سنة 1929، وفيها أيضاً، كشف عن ‘ قُدرته الاستثنائية على المُجَازَفَة’، حين سَمَّى نصّاً من نصوص الكتاب، بـ ‘ قطعة من الشِّعر المنثور’.
كان الشَّابي، فـي ما كتبـه، وَزْنـاً، يُـزَاوِلُ مُجَازَفاتهِ، بالحفاظ علـى بنـاء ‘ القصيدة’، المأزق الذي لم يَقَع فيه جبران، إلاَّ نادراً. فَتَخَلِّيه عن بعض مُصَاحِبات بناء ‘ القصيدة’، لم يكن يعني تَخَلِّيه عن الخليل، فهو من داخل بيت الخليل، حَبَكَ نسيج إيقاعاتٍ، ساعَدَت، كما أشرتُ من قبل، لُغَة الشَّابي في تَلْيينِها، وفي وَضْع بعض حِجَارَتِها جانباً. لكن ‘ القصيدة’، حتى، في بنائها الأندلسي، بقيت عند الشَّابي تَسْتَوْحِي خَلَجَات النموذج القديم، أعني البناء تحديداً.
[6]
ستكون سنة 1925، تاريخاً مُهِمّاً في تجربة الكتابة عند الشَّابي. وكما أشار سُوف عبيد، إنَّ الشَّابي، رغم شُـرُوعه فـي خَوْضِ الكتابة، من خارج الوزن، فهو ظَلَّ حَريصاً على علاقته بالماضي، لم يَتَنَكَّر لهذه العلاقة، فهو يُؤَكِّدُها، في قوله: ‘ إنني إذا كنتُ أدعـو إلى التجديد أعملُ له فإن ذلك لا يدفعني إلى الهُزْءِ والسخـرية بأدب الأجداد بل إنني لأؤمن كل الإيمان بما فيها من جمال فنـي وسحر قوي’. ما يعني، مُزَاوَجَتَهُ بين الشَّكْلَيْن، أو النمطين. وهو في اعتقادي، ما تَرَتَّب عنه، وجود آثار القديم، في الجديد، أو خَلَجات الوزن، في النثر عنده.
لمْ يَتَوقَّف الشَّابي عن كتابةِ قصائده الموزونة، فَحِرْصُهُ على تأريخ قصائده، يَدُلُّ على هذا الزواج الذي بَقِيَ قائماً، بين ‘ الشِّعْرِيِّ ‘ و’ النثرِيِّ’. لكن تَأَمُّلَ هذه القصائد، بقدر ما يضَعُنا في مُواجَهَة نَصَّيْنِ، كُتِبَا وفق اختيارين مُخْتَلِفَيْن، بقدر ما يجعلُنا نطرح سؤالَ القطيعة، أو الاختلاف، بين النَّصَّيْنِ، في مستوى العلاقة بتجربة الشاعر.
لم يخرج الشَّابي عن طريقته في الكتابة، أعني بشكل خاص، لُغَته وأُسلوبه. فالصُّوَرُ هي نفسُها، والتراكيب البلاغية، لَمْ تَخْرُج عن السياقات التعبيرية التي بها كتب في تجربته الشِّعرية الموزونة، وَحْدَهُ الوزن اخْتَفَى، أو تَوَارَى، رغم أنَّ آثار حُضُوره بَدَتْ فـي التكرارات المتتاليـة، لصيغ وتعابيـر صوتيـة، أو صرفية مُحددة، وأيضاً حضور القافية، أو بعض تَرَسُّبَاتِها في ثنايا هذه النصوص.
فهذا التَّأَرْجُحُ بين ‘ الحداثة’ و’ التقليد ‘، يَشِي، في جَوْهَره، بقُوَّة النَّفَس التقليدي، في تجربة الشَّاعر، وما كانت تفرضه عليه ثقافتُه العربية الأصيلة، رغم قراءاته لبعض ترجمات الشِّعر العالمي. حدود المُجَازَفَة كانت مُحَدَّدَةً في الوزن دون غيره، ولَمْ تَطل بنية ‘ القصيدة ‘، كما لم تَطل دلالاتِها، أو ذلك المعنى الرومانسيّ البعيد، الذي بَقِيَ أحد أُسُس البرنامج الرومانسي، عند الشَّابي.
يقول مُعِدّ الكتاب: ‘ فالشَّابي يعبر عن وجدانه وأشجانه بشتى الأنواع الشعرية والنثرية ويظل محافظاً على خصائص أسلوبه ومعتمداً على دعائم أفكاره رغم انتقاله من جنس في الكتابة إلى آخر ورغم تنوع الشكل داخل ذلك الجنس الأدبي نفسه لكـأن أبا القاسم الشَّابي يعـزف أشعاره ونصوصه الأخـرى على آلات موسيقية متنوعـة’ فنحنُ، بهذا المعنـى، أمام شاعـر ‘يصدر عـن وجـدان واحد’.
[7]
مَنْ لا يُدْرِكُ الوزن، بديهةً، لا يستطيع تمييز الشَّكْلَيْنِ عنده. ثمَّةَ، غلاف شَفيِف، خلفَه تَتَخَفَّى هذه النمطية الموسيقية التي لها علاقة بهذا ‘ الوجدان الشِّعْرِيِّ ‘ القديم، أو الوعي الشفاهي، الذي كان مَدار مُمَارسةٍ شِعريةٍ، لها قوانينها التي تأسَّست على الصَّوْت، وعلى اللِّسان، لا على الممارسة الكِتَابية، أو ما نُسَمِّيه عادةً، بالوعي الكِتابي.
لكن أهمَّ ما يُمَيِّزُ عَمَلَ الشَّابي كشاعر، سواء فـي ‘ أغانـي الحياة’، أو فـي ‘ صفحات من كتاب الوجـود’، هـو اشتغالُهُ على ما يمكن اعتباره، تجـاوُزاً بـ ‘ العمل الشِّعريّ’. لم يكن يترك النصوص تَتَجَمَّع لتصير كتاباً، فهو كان، منذ البدايـة، يُخَطِّط ليكون عمله كتاباً. أي أنَّه كان يكتُبُ قصائده، وفق فكرة، أو معنىً واحدٍ، ووفق برنامج، لا يَحْدُثُ بالصُّدْفَة. لكن الشَّابي، سيظلُّ مُخْلِصاً، فـي الشَّكْلَيْن معاً، لنفس التجربة، ولنفس الرؤية التـي كانت مَدَار برنامجه، أو مشروعه الشعريّ. لهذا حضور الوزن أو غيابه، في كتاباته، لم يكن له تأثير كبير على مُجازَفَتِه، أو لم يخرج به إلى مُنْعَطَف شِعْرِيٍّ بديلٍ.
[8]
ما تكشف عنه ‘ القصائد النثرية’ للشّابي، في هذا الكتاب، هو هذا الوعي بشعريَة النص الشِّعْرِيِّ خارج شَرْطِ الوزن. لم يكن زَمَن الشَّابي يقبلُ بالابتعاد عن الوزن كشرط شِعْرِيٍّ رئيسيّ ٍ في الشِّعر، كُلُّ ما يأتي بغير هذا المعنى، فهو ليس شعراً، أو ثمَّة، بالأحرى، خَلَل ما في بنائه. أَنْ يذهبَ الشَّابي إلى إفراغ الشِعر من شرطه القديم، أو من ماضيهِ، إذا شئنا الوُضُوح، فهذا معناه، الذَّهاب إلى أراضٍ، لا أحد كان يستطيع السَّيْرَ في رِمالِها.
فكما خاضَ الشَّابي، خلخلة الماضي، بقراءة بنية الخيال عند العرب، وفَضَح ذهنية الشَّاعـر العربي، في علاقته بالمرأة، فهو، فـي قصائده النثرية، سعـى
لِخَلْخَلَة أَسَاسَ البناء في ‘ القصيدة’.
ليس هَيِّناً على أَيٍّ مِمَّن كتبوا بالوزن، في هذا الزَّمَن وقَبْلَه، أن يقبل بوضع النص في العَراء، أو في مواجهة نفسه، أي أن يكون حُرّاً، قائماً بذاته لا بغيره. فأن تُخْلِيَ ‘ البيتَ’ من ‘ موسيقاه’، ومن هذه الأصوات التي تتوالى فيه بنفس الوتيرة، لا معنى لهذا سِوى أن تُجازفَ بوضع تجربتك في مَهَبِّ النسيان. هذا ما حَدَثَ لـ ‘ كتاب الوُجود’ الذي انتظر منذ سنة كتابته 1925، إلى سنة 1965، لِيَجِدَ من يُخْرِجَه إلى النُّور.
النقـد بدوره، كما يـرى سُوف عبيد، لم يتساءل حـول طبيعة هذه الكتـابات وشِعْرِيَتها، فهو اكتفى باعتبارها ‘ محدودة القيمة’، أو ‘محاولات أولى في الكتابة فحسب’.
[9]
تؤكِّدُ هذه الأمور أنَّ الشِّعر، في نماذجه الابتداعية البعيدة، كان، دائماً، يأتي من المُستقبل. لا يَتَعَجَّلُ الحُضُورَ، ولا يعبأ بما يطاله من إهمالٍ، أو نسيان.
الشَّابي كان واعياً بهذا المصير، وكان مُدِرِكاً لهامش المُجازفَة التي هو مُقْدِمٌ عليها. في إحدى مُذَكِّراته، بتاريخ 7 كانون الثاني ( يناير) 1930، كتب يقول:
‘ الآن أدركتُ أنني غريب بين أبناء بلادي. وليت شعري هل أتى ذلك اليوم الذي تعانق فيه أحلامي قلوب البشر، فترتّل أغانـيّ أرواح الشباب المستيقظة، وتدرك حنين قلبي وأشواقه أدمغةٌ مفكّرةٌ سيخلقُها المستقبل البعيد…’ وهو هنا إنما يتحدّثُ عن ‘ غربة الشاعر’، وعن هذا النسيان الذي عاشه الشَّابي بعد موته، ولم يَتِمّ الانتباه إليه إلاَّ بعد مرور زمن ليس بالقصير.
[10]
في نفس اليوم، كتب أيضاً يقول مُخاطباً نفسه، وهو مُدْرِك لأبعاد كلامه:
‘ لستَ والله غير طائر غريب يترنّم بين قوم لا يفهمون أغاني الطّيور؟ كلاّ!…سِر في سبيلك يا قلبي. ولا تحفل بصفير الأبالسة، فإنّ وراءك أرواحاً تتّبع خُطاك’.
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى