صفحات ثقافية

في مديح الأقلوية: قصيدة النثر نموذجاً

null
ناظم السيد
إذا كان الأدب، والشعر على وجه الخصوص، فناً أقلوياً في العالم العربي والعالم عموماً، هل يمكن الحديث عن أقلوية داخل هذا الفن الأقلوي؟ هذا السؤال ما أود مناقشته في هذه المداخلة التي تكاد أن تكون شفهية على كتابيتها. وهو سؤال يفترض إجابة تكاد أن تشبه المنزلق، ذلك أنني أتخذ في هذه المداخلة زاوية قاسية للنظر، قافزاً على اعتبارات كثيرة تخرج الأدب عن كونه صراعاً بين أقليات وأكثريات. وإذ أكتب ما سيأتي بعد قليل، مدركاً هذه الاعتبارات ومتجاهلاً إياها، أتوقع أن يثير كلامي هذا اعتراضات من قبل البعض، وهي اعتراضات مصونة بحق الاختلاف. مع ذلك أراني مقوداً إلى فكرتي، كما تقود الأعمى يدان متوهمتان.
إن اختياري للأقلوية في الأدب العربي الحديث، ينطلق من عنوان هذه المحاضرة. وهو عنوان إشكالي وفضفاض وواسع، ذلك أن المعاصرة في النقد الأدبي غير الحداثة، وكلاهما يحتاج إلى إعادة تعريف مستمرة على ضوء العصر. فالمعاصرة ليست معطى زمنياً فحسب وإنما هي معنى وشكل. هكذا يمكن أن نحدد مفهوم المعاصرة بناء على النص الأدبي الذي بين أيدينا. بكلام آخر، قد نقرأ نصاً معاصراً مكتوباً قبل عقود طويلة، في حين أن نصوصاً تعاصرنا في الزمن لكنها تتخلف عن زمنها. طبعاً ليست هذه المساءلة للتعريف إلا مدخلاً للأقلوية التي أود الحديث عنها.
أظن أن الحداثة في جوهرها تقوم على فكرة الأقلوية. حين نضع أي حداثة في العالم ضمن سياق تاريخي نجد أن الأتباع الأوائل يكونون عادة قليلي العدد. لهذا فإن مشاريع التحديث الأدبي الكبرى التي رافقت مشاريع التغيير السياسي أو ما عرف باسم ثورات العروبيين انتهت إلى أدب ديماغوجي حيناً ودعائي حيناً آخر وخطابي أحياناً. ذلك أن تلك المشاريع انطلقت من أفكار شمولية، من لغات جامعة وجماعية. وهنا أميّز ما بين الأدب العروبي الذي رافق الناصرية والبعث بفرعيه الأساسيين وبين أدب الصراع العربي- الإسرائيلي الذي قدّم نماذج جميلة من أمل دنقل في مصر إلى محمود درويش وغسان كنفاني في فلسطين إلى شوقي بزيع ومحمد علي شمس الدين والياس خوري في لبنان وغيرهم من الأسماء التي أطلقها هنا اعتباطاً لا سبيل الإحصاء والحصر. ما حصل فعلاً أن هذا الأدب العروبي، انتهى مع إخفاق الثورات العربية الحالمة بالتغيير في مصر والعراق وسورية على وجه الخصوص. ما بدا أدباً حالماً انتهى أدباً دعائياً بفعل التلويث السياسي الذي أحدثته الانقلابات القومية في البلاد آنفة الذكر ( ولا يخفى أن تأثير هذه الانقلابات تجاوز بلدانها إلى المحيط من لبنان إلى الأردن إلى السودان إلى اليمن والجزائر وغيرها). هكذا كان يمكننا أن نشاهد تهاوي مرحلة أدبية كاملة بسقوط مرحلة سياسية كاملة أخلاقياً وعملياً وإن كان بعض تلك الأنظمة لا يزال قائماً بالقوة لا بالفعل كما يقال في لغة الفلسفة.
الحداثة الفعلية قامت على النقيض من هذا الأدب الجمعوي والجماعي. لقد قامت على الأقلوية المناهضة للعروبة. قد تكون قصيدة النثر في لبنان والتي صدرت عن أقليات نموذجاً لهذه الحداثة الأقلوية التي تختلط فيها أقلوية الكتابة الأدبية كفن مع الأقلوية المذهبية كديانة كما هي حال أعضاء مجلة ‘شعر’ من مسيحيين كيوسف الخال وأنسي الحاج وفؤاد رفقة وشوقي أبي شقرا وعلويين كأدونيس وإسماعيليين كمحمد الماغوط ولاحقاً آشوريين كسركون بولص ( أستثني هنا شاعراً وروائياً حفر عميقاً في اللغة العربية المعجمية هو الكردي السوري سليم بركات). قد لا يحب هؤلاء الشعراء أن أتكلم عنهم بهذه المباشرة، وقد لا يكونون معنيين بهذه الأقلوية المذهبية، لكن مثالاً كبيراً بينهم يدل على هذه الأقلوية هو أدونيس الذي أعاد كتابة التراث العربي والإسلامي من منطلق أقلوي في كتابه الموسوم ‘ الثابت والمتحول’. لقد أعاد أدونيس تعريف التاريخ وفق منطق أكثري هو الثابت ومنطق آخر مجدد بحسب رأيه هو المتحول. قد يكون أدونيس أول من هدانا إلى عدم اكتراث الأقليات بالثوابت سواء في الفقه أم في اللغة أم في العادات والتقاليد. عدم اكتراث أو عدم حرص أنتجا تحديثاً مثله سابقاً أشخاص مثل أبي نواس وبشار بن برد والمعتزلة والصوفيين ( الصوفيون هم سنّة في معظمهم لكنهم يمثلون القراءة الدينية الأقلوية للنص القرآني داخل السنة). إذاً، نتجت قصيدة النثر عن هذه الأقلوية. لكن كيف تجسّدت هذه الأقلوية في النص الأدبي نفسه؟
إن أقلوية شعراء قصيدة النثر- كنموذج – أنتجت موضوعات شعرية أقل مركزية في العالم العربي. لم تكن شعرية أعضاء مجلة ‘ شعر’ شعرية موضوعات قومية كبرى. نعم هناك قضايا كبرى في شعرية هؤلاء كالحرية عند أنسي الحاج وأدونيس. لكن قضايا راهنة لم تكن لتعني لهم الكثير من بينها الصراع العربي – الإسرائيلي، والمد القومي الناصري والبعثي، والأمة الواحدة وغير ذلك، لا بل على العكس، وقف هؤلاء الشعراء موقفاً من هذا المد القومي حين جعلوا الحرية مقدَّمة على الوحدة، والفرد مقدَّماً على الجماعة. بهذا المعنى كان هؤلاء الشعراء يؤكدون أقلويتهم في ظل تلك الجماهير المحتشدة في الخارج والهاتفة بأمة واحدة وبرسالة خالدة.
إذا استثنينا أدونيس من بين جميع أعضاء مجلة ‘ شعر’ الذي ظلَّ خطابه السياسي والثقافي مباشراً، أي ظل متمسكاً بقضية كبرى يدعوها الحرية، وبلغة تنقض التراث لكنها تعيد إنتاجه، فإن شعراء الأقليات بدوا أقل حرصاً على اللغة العربية كما تصوّرها العروبيون نظاماً وساسة وأدباء. كان ما يسمّى التفجير لدى أنسي الحاج والتكسير لدى شوقي أبي شقرا والمباشرة واليومية وربما الركاكة لدى محمد الماغوط والمحكية التي كتبها ودعا إليها لاحقاً يوسف الخال، كان كل هذا تجديفاً بالعروبة وبلغتها. في المقابل كان للعروبيين تصورهم الجامع والمانع عن اللغة، بوصف اللغة العربية ليست فناً تعبيرياً فحسب وإنما أداة في المعركة ضد العدو، العدو الخارجي والعدو الداخلي. ولم يكن من قبيل المصادفة أن تُستدعى إلى المعركة بين العروبيين والحداثويين مفردات كالعدو والخيانة والعملاء والانعزاليين. كانت معركة سياسية تخاض بأدوات أدبية والعكس ربما صحيح. لنقل إنها معركة اختلط فيها السياسي بالأدبي.
الآن، وهذا المهم، نحن ورثة الحداثة الأولى، ما زلنا نحافظ على تلك الأقلوية. الفرق الوحيد أننا اليوم – أقليات وأكثريات – نشترك في هذه الأقلوية الأدبية. لقد وضعنا وراء ظهورنا قضايا سياسية كبرى، وضعنا خلفنا ثورات مجهضة أو ثورات غدت استبداداً، وضعنا وراءنا كل مشروع يسقط – كالسر- ما إن يتجاوز الاثنين. موضوعاتنا اليوم أكثر هامشية من آبائنا، أي أكثر أقلوية. جمهورنا اليوم أقل عدداً من جمهور آبائنا. لغتنا اليوم تبدو أكثر انطواء على ذاتها. لقد عدنا إلى الواحد الذي فينا. ليس الواحد المطلق كالله، بل الواحد المعوّق في داخلنا. لقد عدنا كما قال خمينيز على ما أعتقد: أقلية تكتب لأقلية.
مداخلة ألقيت ضمن الأنشطة التي نظمتها في بيروت مؤسسة ‘ هاي فيستيفال’ البريطانية بالتعاون مع وزارة الثقافة اللبنانية في مناسبة جائزة ‘ بيروت 39’.
شاعر من لبنان
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى