صفحات ثقافية

ولادات ثقافية على أراضٍ مستعمرة: الأدب تحت سماء غريبة

null
سلام عبود
الفصل بين السياسي والثقافي مطلب نظري مشروع بحثياً، بواسطته يتمكن النشاط العلمي من تحقيق قدر ضروري من الاستقلالية النسبية عن ضغط السياسة، كسلطة خارجية قاهرة، وهو هدف فني نبيل إبداعياً أيضا، بواسطته يستطيع الفن أن يكون حراً على نحو كاف. بيد أن ظواهر الواقع تختلط أحيانا إختلاطا لا فكاك فيه، يجعل من سياسة الفصل بين المتعارضات أمرا عسيرا. فهناك ما هو ثقافي خالص يولد في رحم السياسي، وهناك ما هو سياسي خالص ينبثق من خلايا الفاعلية الثقافية المتمردة على سلطة الخارج السياسي. حتى اللغة، باعتبارها وسيلة للاتصال والتعبير، تغدو أحيانا مشروعا سياسياً، حينما لا تستطيع مواجهة ضغط الحرية: استلاب الحرية أو امتلاكها، أو معضلة صناعة التوازن المستحيل بين الاستلاب والامتلاك.

اعتاد دارسو الظاهرة الاستعمارية على تناول العلاقة بين هذه الظاهرة والثقافة، من طريق رصد الآثار الأدبية والفكرية، التي أُنتجت تحت تأثير الظاهرة، سلبا أو إيجابا. لكنهم لم يعنوا كثيرا في أمر المنتجين الثقافيين أنفسهم، كمصائر وذوات تفاعلية حاملة للخبرات العقلية والفنية، وناقلة ومطورة لها، أي باعتبارهم مادة ثقافية أيضا، وموضوعا من موضوعات وجود الظاهرة. فقد درس المعنيون بالشأن الثقافي والأدبي هؤلاء الأدباء كأشخاص منفردين، وتمت معاينة تجاربهم في الظروف الاستعمارية باعتبارها معايشة فردية وحصيلة للخبرة الحياتية الشخصية. لم يقم دارسو الأدب بحصرهم وتجميعهم وتأطيرهم في كتلة موحدة، واستنباط ما هو عام ومشترك في تجاربهم الخاصة. ما الوحدة التي تربط هؤلاء؟ وهل يجوز النظر اليهم كظاهرة خاصة تجمع في ثناياها تجارب مختلفة وأفكارا متضاربة ومصائر شخصية غير متجانسة، لكنّها تنتظم جميعها في إطار واحد: الولادة على أرض مستعمرة؟
قد لا تستطيع هذه العجالة البحثية أن تكتشف مواطن الاشتراك العميقة التي تربط حلقات الكتّاب المولودين على أراضٍ مستعمرة. ولعلّ الإشكالين الوجودي والسياسي، اللذين طبعا حياة أبرز ممثلي هذا الاتجاه: كبلنغ، أورويل، كامو، كانا الملمح الجامع الأوّل، الذي وحّد تلك المصائر المتناقضة. أمّا الإشكال اللغوي وامتداداته الثقافية والاجتماعية فلم يزل يهيمن على المشهد اللغوي الجزائري والهندي، باعتبار الجزائر والهند أبرز غنائم الحرب الاستعمارية، وأكثر أمثلتها عمقا في الجانب الثقافي واللغوي. الصحافة والسينما، جذبتا أغلب هؤلاء. كبلنغ، ثاكري، مونرو، أورويل، كامو، مارسوا الصحافة، أمّا السينما فقدت جذبت مارغريت دورا، آسيا جبار، لويس غارديل؛ حتى لورنس دوريل ربط بموجة الكتابة الفرنسية الجديدة وبالسينما الجديدة. من جانبها، انجذبت السينما بقوة الى خيال الروائيين المولودين والجوالين في بقاع مستعمرة: كبلنغ، أورويل، مالرو، كونراد. لم تكتف النصوص البارزة لأولئك الكتّاب بإحداث شغب ولغط عقليين في جبهات الثقافة المتصارعة، بل تعدت ذلك الى مقدرتها الفريدة على الإفلات من قبضة الأسر الايديولوجي الصارم، والتوجه نحو غايات أبعد، تتجاوز حدود الانتفاع التعبوي السياسي الآني، الى الغايات الإنسانية الشاملة. من الظواهر الملحوظة، كثرة وجود اليهود في صفوف الكتّاب المهاجرين من الجزائر، المولودين على أرضها. ما يميز هؤلاء عن يهود العراق أنهم لا يملكون الإحساس بالمواطنة الجزائرية كاليهود العراقيين، وقد لعبت اللغة دورا عظيما في تعزيز مشاعر الانفصال عن الوطن الأم، وفي فك الإرتباط بالأرض الأمّ؛ لأنّ اللغة- مقروءة أو مكتوبة أو مضمرة- هي حبل السرّة الثقافي السريّ. أمّا ظاهرة “الأقدام السود” أو المعمرين في البلدان التي تقوم على مبادئ الفصل العنصري، كإسرائيل وجنوب إفريقيا، فهي أشد تعقيدا من سواها، بسبب اختلاط عناصر كثيرة في لبّها: لغوية وايديولوجية وسياسية وتاريخية.
ظاهرة أنجبت كتّابها

لم تنتج ظاهرة التمدّد الاستعماريّ ثقافة تعبّر عن محتواها فحسب، بل أنتجت أيضا كتّابها، الذين هم أنفسهم، كبشر، جزء من عملية التمدّد ذاتها. في شخصية روديارد كبلنغ (1936 – 1865)  الإنكليزيّ المولود في بومباي بالهند، مثال صريح على وحدة إنتاج الثقافة والإنسان في الحقبة الاستعماريّة. حاز كبلنغ جائزة نوبل عام 1907، وتضاربت الآراء فيه وفي كتاباته. خبراته الحياتية المباشرة ورحلاته المتعددة وعمله في الصحافة، مكّنته من أن يكون عينا ثاقبة رأت الكثير، ودفعت الكثيرين الى الاختلاف في تقويم مغازي إنتاجه الأدبي. فقد أتهم بأنّه مثّل ثقافة الحقبة الاستعمارية من خلال قصصه عن الحرب والجنود والشعوب المستعمرة. بعض قصصه القصيرة الصادمة، مثل قصة “الصاحب”، التي نشرت عام 1901، أضحت مصدرا للتأويلات المتناقضة، فمنهم من جعل عنصر الصدمة الناجم عن تصوير قسوة التعامل الاستعماري ضد سكان المستعمرات، في حرب البوير الثانية، نقطة ثقافية ايجابية وهدفاً فنياً نزيهاً من أهداف القصة، لأنّها مكّنت القارئ من اكتشاف عنف الأساليب الاستعمارية وبربريتها. لكنّ قراءات أخرى جعلتها شيئا معاكسا تماما بدءا من عنوانها “الصاحب”، ذي الدلالة الاستعمارية الخادعة، والذي يعني السيد الأبيض، في ثقافة الهند المستعمرة، الى بطل القصة السيخي عمر سينغ، الذي يشهد حربا بين السكان المحليين والقوات الأجنبية، التي يرى أنّها لا تخلو من “السذاجة” في تعاملها الإنساني المبالغ فيه مع جماعات بشرية متخلفة ناكرة للجميل الحضاري، جُبلت على الغدر والخيانة وكره الأغراب! يذهب عمر سينغ – هو فم كبلنغ، وفم اللحظة التاريخية بكل تأويلاتها-  لرصد حياة أقوام يبعدون عن أرض بلاده آلاف الأميال، تصحبه قوات مدربة على فنون القتل والتدمير جاءت من أعلى البحار: انكلترا، كندا، اوستراليا (في القصة) بهدف صناعة وطن متحضر للبيض على أرض مغتصبة. كيف نفسر هذا النص؟ كيف نقوّم حرب الصاحب، السيد الأبيض، عام 1901؟ هذا السيد الذي اضطر الى الاعتراف بهزيمته ولكن بعد قرن كامل من السيادة العرقية. نستطيع تأويل هذا النص كما نشاء، لكنه يظل في النهاية صورة حيّة من صور الصدام بين المصالح البشرية المتناقضة في عالم يخلو من التكافؤ بين البشر، لأنه صراع بين سادة وتابعين.
شاعت عن كبلنغ أقوال – مقاطع شعرية في الأصل- فُسّرت على أنها شعارات إيديولوجية: “الشرق شرق والغرب غرب”، و”عبء الرجل الأبيض”، التي غدت أمثلة شائعة للتعبير عن الثقافة العنصرية. لكن، بعيدا من هذا الضرب من التأويل المتناقض، ينظر الأدب الغربي الى كبلنغ بطريقة مغايرة ودقيقة، حيث تسمو مكانته الأدبية كلّما خلا نصه من عناصر الايديولوجيا. نستطيع أن نضيف بثقة تامة أيضا، أنّه يتماهى مع المكوّن الإيديولوجي حينما يطابق خطابه الفردي مغازي الظاهرة العامة، فيغدو هو أيضا، وليس إبداعه الأدبي فحسب، منتجا من منتجات الظاهرة الاستعمارية.
مزاج ساخر وصرامة واقعية

في كلكوتا بالهند ولد الروائي الإنكليزي وليم ثاكري (1811-1863) لأب عمل في شركة الهند الشرقية. عُدّ ثاكري بمشاهده الاريستوقراطية القطب الأدبي المقابل لتشارلز ديكنز، صاحب النظرة الفاحصة لقطاع البؤس اللندني. عمل ثاكري في الصحافة أيضا، ومثّل جو الشرائح الاجتماعية العليا فنيّا، من دون أن ينخرط في تصوير السياسة الاستعمارية على طريقة كبلنغ. بدأ حياته الثقافية في نشر الرسوم والصور الساخرة. يجمعه بديكنز مزاجه الهجائي الأخلاقي، لكنه أكثر صرامة في واقعيته وأعمق في مزاجه الساخر.
في بورما (ماينمار) ولد الكاتب القصصي الإنكليزي هكتور هوغ مونرو
(1870-1916) لأب عمل مفتشا عاما في الشرطة إبّان الاحتلال البريطاني لبورما. وهو عسكري تأهّل ليكون ضابطا في الشرطة البورمية، لكنّ مناخ بورما لم يلائمه. عمل مراسلا صحافيا وكتب قصصا ساخرة تحت اسم مستعار “ساكي”، الذي يعتقد أنه مأخوذ من رباعيات عمر الخيام، ويعني ساقي الخمر. قتل مونرو في فرنسا في العام الثاني للحرب العالمية الأولى.
في الاسكندرية ولد أحد أبرز المستشرقين الإنكليز، هاملتون جيب (1895)، الذي أحدث نقلة استشراقية مهمة بتحوله من دراسة التراث العربي الإسلامي الى دراسة الواقع الإسلامي المعاصر، فأضحى تأثيره كبيرا في طرفي معادلة الاستشراق: العالم الغربي، الذي أفاد منه سياسيا، والثقافة المدروسة، التي اقتفت بعض آثاره. لذلك يُعتقد أنّه كان محفّزا مباشرا لظهور فكرة طه حسين عن الأدب الجاهلي. بيد أن أثره الحقيقي العميق يكمن في مواصلة تلميذه الإنكليزي الأصل، الأميركي الولاء، برنارد لويس، نهج الجمع بشكل وثيق بين الاستشراق والمعاصرة في كتاباته عن الثقافة العربية الإسلامية، فغدا تأثيره عظيما على جيل من الممارسين الثقافيين العرب المتأمركين، الذين يشغلون الأوراق الثقافية من خلال وسائل الإعلام العصرية، السريعة، والسطحية، التي وجدت في أفكار الدعاية الايديولوجية غير المعمّقة والهشّة، مادة ترفيهية وتعبوية سهلة الرواج.
الإشكال الوجودي

بيد أنّ الحياة أقوى من المُثل الاستعماريّة والإيديولوجيا المرتبطة بها، فجورج أورويل (1903 – 1950) الإنكليزي، المولود في الهند أيضا، كان النقيض المباشر لفكر كبلنغ الدعائيّ، بصرف النظر عن التباس نهايته الفكريّة والسياسيّة وغموضها.
من مفارقات التاريخ الثقافي أن النقاد الذين اختصموا حول كبلنغ وراحوا يتفننون في جذبه الى منطقتي الحرام والحلال السياسية، من طريق تنزيه مناصريه له من لوثة التعبير عن السياسة الاستعمارية، أو جرّه بإحكام الى منطقة الاتهام السافر والمطلق، تعامل هؤلاء بالحماسة نفسها مع نقيضه المباشر جورج أورويل، الذي واجه ثورة عنيفة تهدف الى إدانته بتهمة ممالأة السياسة الحكومية البريطانية، واتهامه بأعمال تجسس لصالح المخابرات، قيل فيها إنّه قدّم قائمة بأسماء 39 كاتبا وصحافيا بريطانيا من ذوي الميول الشيوعية. ذهبت حملة النيل منه بعيدا جدا، عقب وفاته بسنوات، حينما أوغلت تنبش في الماضي، باحثةً عن سقطات محتملة، فاكتشفت أنّه ساهم يوما ما، إبّان وجوده في بورما المستعمرة، في “قتل فيل هائج”، وشهد وقوع عملية إعدام أيضا!
إنّ المعضلة الكبرى التي خلّفها أورويل (اريك بلير) بعده تكمن في أنه مات وهو يؤمن بأنه اشتراكي، ولكنه ناقد للشيوعية السوفياتية وللنزعة الستالينية. لذلك لم يظهر خلاف في تأويل قصته “مزرعة الحيوانات” الصادرة عام 1945، التي فُسّرت على أنها هجاء للستالينية وللحكم الشمولي. بيد أن مفاهيمه الناقدة استخدمت ضد الاشتراكية التي آمن بها. فقد جرى تأويل أهمّ أعماله الروائية “1984”، على أنها تعريض بالنظام الاشتراكي، وأن “الأخ الأكبر” هو ستالين. لكنّ عمق تجربة أورويل وأصالتها فاقتا حدود الاستثمار المعادي للاشتراكية، وبدأت أفكار الرواية تنقلب مجددا ضد ميول السيطرة السياسية الخفية الشاملة لنظام العولمة، وضد سيطرة نظام السوق السياسي والاجتماعي والفني، الذي جعل الحياة بأكملها تحت عين “الأخ الأكبر، المعاصر: النظام الاجتماعي المسيّر سياسيا وأمنيا وايديولوجبا وتكنولوجيا من سلطة رأس المال العالمي. بذلك اخترقت رواية “1984”، التي صدرت قبل عام من وفاة الكاتب، حدودها المفترضة من أعداء الاشتراكية، وذهبت الى حيث أراد أورويل نفسه، الذي رسم يوتوبيا مضادة لليوتوبيا الليبيرالية القائمة على الأرض. لقد خلّف أورويل طائفة من التعابير الاصطلاحية أضحت جزءا من القاموس الثقافي العالمي: “الأخ الأكبر” رمز السيطرة الشمولية، و”اللاشخص” رمز تجريد المواطن المختلِف من وجوده البشري العياني، و”شرطة الأفكار” التي لا تكتفي بمطاردة المواطن لما يفعله، بل لما يفكر فيه أيضا، و”إزدواج التفكير” حينما يتقبل العقل فكرتين متضادتين في الوقت نفسه، كما شاع في ثقافة التعبئة العراقية إبّان الحرب مع ايران: “الحرب هي السلام” و”الموت هو الحياة”. إن أورويل هو الوارث الشرعي، المعمق، لأدب جوناثان سوفيت ورحلاته الخيالية بحثا عن مدن عجيبة مقارنة. لقد صنع أورويل في “مزرعة الحيوان” و”1984″، ضربا من اليوتوبيا الهجائية، المضادة ليوتوبيات أخريات، مشيّدة على أرض الواقع.
الوجه الغريب

إذا كان أورويل عمل وقتا ما في سلك الشرطة وفي قوات الجيش الاستعماريّ في المستعمرة السابقة بورما 1922 – 1927، وعمل في الصحافة، واشترك في الحرب الأهلية الإسبانية الى جانب الجمهوريين، وظل يحمل صفة اليساري الإنساني الراديكالي، الناقد للشيوعية، فقد عمل الإنكليزي الإيرلندي، المولود في الهند، لورنس دوريل  (1912 – 1990) موظفا إعلاميّا في السفارة البريطانيّة في  مصر واليونان، وهي مهنة قريبة مما كان أهله يتمنونه له، وعمل في سلك الشرطة أيضا لفترة من حياته. بدأ دوريل حياته عازف بيانو ومصورا وشاعرا. ولادة دوريل، العالميّ النزعة، على أرض مستعمرة، وعمله في جهاز السيطرة الاستعمارية، لم يمنعاه من وضع رواية من طراز فريد عن الحياة الأجنبيّة في بيئة عربيّة، يمكن أن نعدّها ضربا من ضروب “الأدب الغريب”، الإنسانيّ. فقد عني في “رباعية الاسكندرية” 1957-1960، بتصوير الوجه الغريب، “اللا مصري”، من مصر.
في القاهرة ولد القاص والرحّالة سيسل سكوت فورستر (1899-1966)، صاحب رويات البحر التاريخيّة من العصر النابوليونيّ، الذي تضمنت نصوصه خبراته الشخصية ورحلاته. وهو غير إدوارد مورغان فورستر (1879 – 1970) صاحب رواية “رحلة الى الهند” (1924)، الشاعر والصحافي والروائي الليبيرالي والناقد للعقلية الاستعمارية المتميز، الذي عاش في مصر إبّان الحرب العالمية الأولى وزار الهند وكتب عنها مصورا “الصعوبات التي تعترض طريق المثقف الانكليزي والهندي، اللذين يسعيان الى إقامة لقاء حقيقي بينهما”.
أزمة الذات

أما التمدّد الاستعماريّ الفرنسيّ فقد أنتج بعض كتّابه المرموقين أيضا، كألبر كامو، الذي ولد في الجزائر عام 1913، ومات في حادث سير في فرنسا عام 1960. وهو ابن لأب “معمّر” قُتل في الحرب العالمية الأولى. لم تزل تجربة كامو، على رغم نزوعه الإنساني الأكيد، وعلى رغم خلو نصوصه من الدعاية الايديولوجية، مصدر خلاف بين التيارات السياسية المتصارعة. حصل كامو على جائزة نوبل عام 1957، لكنّ عدم تحبيذه للشيوعية جعل اليسار يتفنن في ايذائه فكريا وإقصائه عنهم، على الرغم من إصراره، كصاحب مواقف وكشخص، على أن يكون معبّرا بصدق فردي فريد عن انحياز تام للإنسان في ظلّ أزمة الذات الأوروبية العامة الخانقة، التي ولّدتها الهيمنة العالمية، الناتجة من التمدد الاستعماري. ففي الوقت الذي اتهمه اليسار التقليدي والسارتري بالضبابية في تعامله مع القضية الجزائرية، تقلّب أنصار الاتجاهات الموالية للهيمنة الاستعمارية بزيها القديم أو الجديد في استثمار ما يمكن استثماره لمصلحة الدعاية الفكرية المعادية للنزوع التحريري ونزعة الاستقلال، باسم الميل الى الروح الفرنسية، وفي الوقت عينه أدانوا تأييده للجمهورية الإسبانية. بيد أنّ الحقيقة الجوهرية التي تقف فوق الجميع، هي أنّ كامو، بضبابيته الوجودية، كان يمثل لحظة التناقض التاريخية بين تطور القيم الإنسانية للمجتمع والفكر الفرنسي من جهة، وسلطة استعمارية تتحدث باسم أمة كاملة من جهة أخرى.
تأثرات

في انتاناناريفا، مدغشقر، ولد أحد ممثلي الرواية الفرنسية الجديدة كلود سيمون (1913 – 1983)، الذي بدأ حياته رساما، ثم انتقل الى الأدب عام 1945. قتل أبوه في السنة الأولى للحرب العالمية الأولى. اعتمد سيمون على خزين تجربته الشخصية في تكوين أسلوبه الروائي الذي نضج تحت تأثير بروست وفوكنر (التداعي الحر، العودة الى الوراء، التقطيع)، وأثرت معايشته للثورة الإسبانية ومشاهد الحرب على مناخه القصصي، وعمّق حضورُ عين الرسام في نصّه حدّة تركيز صوره.  في الجزائر ولدت ماري كاردينال (1929 – 2001)، وولدت مارغريت دورا (1914 – 1996) في الهند الصينيّة. وقد أثّرت تجربة العيش في المستعمرات على أهم أعمال كاردينال ودورا الأدبيّة وعلى مجرى حياتهما. فبعد غياب طويل، عادت كاردينال الى الجزائر لتقتنص خيالا روائيا قطعته الأحداث التي لبثت تطاردها أينما ذهبت. ففي 1977 كتبت عن طفولتها وشبابها إبان السيطرة الفرنسية، وسجلت طفولتها في “بلد جذوري” (1980)، أمّا دورا فتوجت حضورها العالمي بسيناريو “هيروشيما حبيبتي”. وفي الجزائر ولد جاك بيرك ( 1910 – 1995)، أعظم المفكرين الاستشراقيين تأثيرا على الثقافة الاستشراقيّة في ثوبها البنائيّ، النقديّ، وأبعدهم أثرا في فهم بنية الثقافة العربيّة. الى جاك بيرك ينسب البعض شيوع مفهوم الثابت والمتحول، الذي فهمه خطأً أبرز منظّري الشعر العربي المعاصرين، حينما جُعل مساويا لمفهومي المتخلف والمتطور. هذا المثال مقرونا بمثال طه حسين، يبيّنان لنا كيف ساهم الفكر الاستشراقي في ولادة عقل عربي ناقد، لكنّه مقيد في التكوين وفي الفهم وفي الحركة ببعض إشكالات الفكر الاستشراقي. فأضحى هذا التأثير سلبيا بشكل مضاعف، لأنّ المتلقي لم يمحّص مصادره نقديا، بل فهمها وتقبلها وأعاد إنتاجها مبتورة. من جانب آخر أضحى هذا النقد مرجعية نقدية قومية تؤثر في وعي المجتمع وتخلق بدورها أجيالا جديدة من التفكير المعوق.
ندوب الذات العربية

لقد خلّف الاستعمار الفرنسي ندوبا عميقة في الذات العربية في شمال أفريقيا وفي صميم ثقافتها، ولا سيما في الذات الوطنية الجزائرية. وهي ندوب لن تمحى بيسر بسبب عمق الاستيطان الفرنسي وشراسته، الذي وطّن ما يقرب من مليون أجنبي فيها، كان ثمانون في المئة منهم قد ولدوا منحدرين من أسر أوروبية، وتمتعوا بحكم السيطرة الاستعمارية بأفضليات المواطنة، قياسا بالجزائري، بما في ذلك أفضليات اللسان الجديد، الذي كاد أن يخنق اللسان الوطني. ففي الجزائر المستعمرة ولدت أجيال من المستوطنين، أضحى لبعضهم شأن كبير في مجالات عديدة من أوجه الممارسة الثقافية: السينما، الصحافة، الفنون التشكيلية، ومن هؤلاء أحد منظّري المذهب التفكيكي جاك دريدا (1930- 2004)، الذي ولد في الجزائر وغادرها عند الاستقلال 1962، ومنهم لويس غارديل، روائي وناشر، ولد في الجزائر (1939)، وساهم في كتابة سيناريو الهند الصينية الحائز الأوسكار، وأندره شوراكي الذي ولد في الجزائر 1917 وترجم القرآن وكرّس حياته للعمل في إسرائيل، وفي البليدة ولد عام 1931 عالم الفيزياء الحيوية هنري اتلان، وفي عام 1920 ولد في البليدة أيضا جان دانيال الكاتب والصحافي الشهير، مدير مجلة “لو نوفال اوبسرفاتور” الفرنسية، الذي أسس عام 1947 مجلة “كاليبان”، التي أشرف على تحريرها البر كامو. دانيال يهودي، مثل من سبق ذكرهم، لكنّه مناصر علنيّ للقضايا العربية، ولقضية وجود دولة إسرائيل وقيام دولة فلسطينية مستقلة.
ولادة أدباء على أراض مستعمرة، حقيقة تاريخية عيانية تثبت أثر التمدد الاستعماري في صناعة الأفكار ومنتجيها على حد سواء؛ وهي ظاهرة تستحق العناية وإعادة النظر في مكوّناتها باعتبارها وجها من وجوه الصلات الثقافية القسرية، ربما ساهمت دراسة خصوصيتها في مدّ الباحثين ببعض العون العقلي، الذي يساعد في توضيح الملامح الحقيقية للوحة التبادل الثقافي العالمي. لقد انعكست المشكلة الاستعماريّة، ووجهها اللاإنسانيّ في الثقافتين الفرنسية والإنكليزية في كتابات العديد من الأدباء، الروائيين خاصة، كأورويل وإ. م. فورستر. وشكّل الفرنسي اندره مالرو حلقة متطورة من حلقات البحث عن جذور الصدام بين المؤسسة الاستعماريّة والذات الوطنيّة والمحليّة. وهو الكاتب الأكثر وضوحا في معادلة “تفكيك الاستعمار”. أمّا الأدب الإنكليزي فقد أنجب كاتبته المتميزة دوريس ليسينغ (1919)، المولودة في إيران والمترعرعة في روديسيا، التي وجهت نظرها صوب عالم غدا مادة للتقاسم الاستعماريّ والعنف الاجتماعيّ، وعلى وجه خاص: روديسيا.
لقد جذبت المستعمرات بسحر غموضها وبقسوة واقعها عددا كبيرا من أبناء الدول الغازية، فاتخذوا منها وسيلة للتعبير عن مواقفهم تجاه ما يحدث في بلدانهم الأم.
لعل جوزف كونراد (1857 – 1924)، ابن بريطانيا بالتبني، البولونيّ الأصل، أكثر راكبي البحر المعاصرين ميلا الى ربط العزلة الداخليّة للإنسان وصراعه ضد الشر بالمشكلة الاستعماريّة. فكونراد يجسد في شخصه سلسلة من المفقودات: الوطن، اللغة، الأمان الداخليّ، ويحكم ربطها بطابع العصر، وبالتمدد السياسيّ والثقافيّ والصراع ضدّ الشرّ والعزلة. فرحلة مارلو في “قلب الظلام” للبحث عن كورتز، تلخيص صادق لرحلة الطفل، الذي ترغمه الأقدار على فقدان أمنه الداخلي ووطنه ولغته وثقافته ويابسته، وتلقي به في بقاع غريبة. إنّها رحلة نهريّة للبحث عن “الهوية” المفقودة، عن جذور الفرد، وصراعه مع ذاته، في عالم قائم على التنافس بين نظم وقيم وثقاقات مختلفة، يحكمها الصراع الأزليّ الدائر بين الخير والشرّ.
وإذا كان كبلنغ وثاكري وأورويل ودوريل بعض أبناء “بريطانيا العظمى” المولودين في الهند، فإن الهند ذاتها، تحت تأثير الثقافة الإنكليزيّة أنتجت أدباء محليين، وصلوا الى شهرتهم العالميّة من طريق اللغة الإنكليزيّة. فرابندرانث طاغور (1861 – 1941)، الذي كتب بالبنغالية، كان غالبا ما يقوم بترجمة أدبه الى الإنكليزية بنفسه. وقد أتاح له ذلك مجالا رحبا لكي يصل الى القارئ الغربي، فكان أول كاتب من العالم “الآخر” يحصل على جائزة نوبل للأدب عام 1913. وكذلك الحال مع ساروجيني نايدو (1879 – 1949)، التي وصلت الى القارئ الأوروبي عبر كتاباتها الإنكليزية، فقد نشرت ثلاثا من مجموعاتها الشعرية في انكلترا.
اللغة بوصفها غنيمة حرب

كانت الجزائر، التي لعبت دور الهند الإنكليزية في الثقافة الفرنسية، قد أنجبت كتّابها المجددين الكبار: كاتب ياسين (1929 – 1989)، محمد ديب (1920-2003)، مولود فرعون (1913-1962) الذي اغتالته منظمة الجيش السريّ الفرنسيّة “أواس”، ومالك حداد (1927-1978)، الذين ولدوا فنيا من خلال لغة الدولة المستعمرة، “اللغة بوصفها غنيمة حرب”، كما رأى كاتب ياسين، الأمازيغيّ، الذي أصدر في باريس عام 1956 أكثر الروايات الجزائريّة جزائريّة “نجمة”، ولكن بالفرنسيّة.
أحدثت الثقافة الأجنبيّة المرافقة للاحتلال تناقضا عميقا في الذات الثقافيّة الوطنيّة، سمّاه البعض شرخا، وقد أشار الكاتب الإنكليزي إدوارد مورغان فورستر الى هذا اللقاء القسري والجارح بين مثقفي المستعمرات وأبناء الأمم الاستعمارية من المثقفين وعدّه مأزقا حضاريا. لكنّ بعض الذين ولدوا على أرض مستعمرة لا يزالون ينظرون بإيجابية تامة الى دور اللغة الاستعمارية الثقافي. ففي مقابلة أجرتها “لو بوان” الفرنسية ضمن العدد 1862 في 22 أيار 2008 المخصص للأقدام السوداء، نقلا عن صحيفة “صوت الأحرار” الجزائرية،  تحدث الروائي والناشر لويس غارديل قائلا: “أحسن هدية قدمت الى الجزائر هي اسهام اللغة الفرنسية وإشعاعها في الجزائر”. هذا يعني أنّ المأزق الثقافي لم يكن محسوسا وعميقا كأثر نفسي وفني واجتماعي لدى المعمرين، بالقدر نفسه الذي أحسّه كتاب البلدان المستعمّرة. فبعض المعبّرين عن الثقافة الوطنية بلغة المستعمر كساروجيني في الهند وياسين وفرعون وحداد وديب في الجزائر وطنيون مخلصون في نضالهم ضد الوجود الاستعماري السياسي والعسكري. لعل مالك حداد أكثرهم صراحة في تعبيره عن إحساسه بالسجن الثقافي، الذي أرغمهم الامتداد الثقافي الاستعماري على الدخول فيه، في هيئة لغة إلزامية. يقول حداد في  مقدمة رواية “سأهبك غزالة”، ترجمة صالح القرمادي: “اللغة الفرنسية حاجز بيني وبين وطني، أشد وأقوى من حاجز البحر الأبيض المتوسط… وأنا عاجز عن أن أعبّر بالعربية عمّا أشعر به بالعربية… إنّ الفرنسيّة لمنفاي!”. بيد أنّ تمرد مالك حداد على سلطة المنفى اللغوي، والعودة الى العربية، لم يكن من دون ثمن. فالعزلة الثقافية المفروضة على اسمه، قياسا بحجم الرواج الذي تمتع به كتّاب أقل شأنا منه، تشير الى أن مقاومة الإختطاف لغويا، لا تقل خطورة عن المقاومة بالسلاح، في معركة البحث عن توازن عادل بين الثقافات المختلفة، لا سيما ثقافات البلدان التي تقود عمليات الاستعمار وثقافات الشعوب الخاضعة للسيطرة الاستعمارية. لقد سرقت الفرنسية نخبة لامعة من كتّاب المغرب العربي، في مقدمهم الروائية الجزائرية آسيا جبار، التي تكرر اسمها في مضاربات نوبل كثيرا، ولكن بلغة غريبة وعلى أرض غريبة وتحت اسم لا يطابق اسم الطفولة المندثر: فاطمة الزهراء.
بين آسيا جبار، التي تبوأت موقعا متميزا في الثقافة الفرنسية تستحقه بجدارة تامة، وأضحت عام 2005 عضوا في الأكاديمية الفرنسية، وبين ومالك حداد، بين “نساء الجزائر” و”الشقاء في خطر”، بين أن تكون “الفرنسية منفاي”، وقول آسيا جبار: “اللغة الفرنسية بيتي”، بحرٌ رصاصي لا وسط فيه. فعلى الرغم من اختلاف موقفهما من اللغة، لم تكن جبار أقل وطنية وحبا للجزائر من حداد، ولم يكن حداد أقلّ رغبة في استثمار الفرنسية، فقد حاول كلاهما أن يأخذ لغة الغراة كـ”غنيمة حرب” مشروعة، على الرغم من إدراكهما التام أن اللغة المغتنمة لا تكون غنيمة حينما تبتلع لغة الغانم الأضعف، أو الواهم بالاغتنام. لأن اللغة أبعد في جوهرها الحقيقي من حدود المكان، سواء أكان بيتا أم منفى، لأنها الساكن نفسه، وليست مكان السكن. فنحن لا نسكن في اللغة، إنما هي التي تسكن فينا. لقد تفنن البعض في أساليب مدح اللغة وذمّها، بيد أن معادلة البيت والمنفى ما انفكت تزلزل الذات زلزلة عنيفة وتهز جدران الهوية الثقافية، فيرى فيها البعض رعدة الخير ومصدر الثراء الثقافي والتنوع الروحي والعقلي، ويرى فيها آخرون هزة في أعماق الوجدان، وتبديدا، مدركا أو غير مدرك، لطاقات الروح، وتجفيفا خفيا لنسغ الحياة. ولكن، مهما اختلفت التأويلات والتفسيرات، تظل الحقيقة الثابتة الموروثة من الحقبة الاستعمارية تقول لنا إن الإحساس باللغة بيتا، أو اللغة منفى، أو حتى غنيمة حرب، جزء من بقايا الإرث التاريخي المفروض بإرادة الأقوياء ثقافيا، حتى لو كان مفروضا تحت شعار الحرية الجميل والسامي، الحرية التي لم نقم باختيارها بأنفسنا بحرية نقية، تامة، الحرية المفروضة كقدر غاشم.
ربما لا يرتقي الانفصال بين الشخصية الثقافية واللغة الى مستوى الأزمة الثقافية الخطيرة، عند استعارة لغة جديدة للكتابة أو لغة للتحصيل المعرفي؛ لكنّه يغدو واقعا غير قابل للتأويل حينما يتعدى ذلك الى إعادة إنتاج محتوى الشخصية المنفصلة ذاتها وإعادة رسم ملامحها، على ضوء حقائق الواقع اللغوي المستعار. فمن أطرف ما كتب عن آسيا جبار عند عرض سيرتها الشخصية أنها: “ولدت لأم بربرية وأب معلم”، وأنها “فرنسواز ساغان المسلمة”. هنا، في هذه التعريفات المدحيّة الواصفة: “ابنة معلم” و”ساغان المسلمة” – هي غير مسؤولة عما يُكتب عنها- تلخيص تجسيمي لأزمة اللغة في الثقافة الوطنية، التي تتجاوز حدود ذواتنا المعزولة وإراداتنا الشخصية، الأزمة كقدر جماعي تاريخي يفوق حدود مقدراتنا الذاتية ومصائرنا الفردية. هنا تكون غنيمة الحرب الوحيدة والأكيدة هي فقدان لغة الأب، لا اكتساب لغة أمّ جديدة ¶
ملحق النهار الثقافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى