صفحات مختارة

الدولة العلمانية والمسألة الدينية : تركيا نموذجاً

مداخلة فكرية – تحليلية
صادق جلال العظم
ا أنوي في هذه المداخلة تقديم محاولة لفضّ الاشتباك والتشابك والشربكة الحاصلة كلّها بين معاني الدين والعلمانية والليبرالية والديمقراطية والمجتمع المدنيّ، وذلك في الجدالات والمناقشات والسجالات العربية العامة والخاصة المحتدمة منذ فترة غير قصيرة حول هذه الموضوعات الحيوية بالنسبة لنا جميعاً اليوم.
بدلاً من ذلك، سأقارب الموضوع انطلاقاً مما يقال ويُحتجّ به على نطاق واسع في بعض تلك المناقشات، من أنّ العلمانية – كفكرة ودولة وممارسة وتطبيق – نشأت في أوروبا بسبب من الحروب الدينية الدموية الشهيرة هناك، وعلى خلفية صراع المجتمع المدني البورجوازي الصاعد وقتها وقواه مع الكنيسة والإقطاع، ممّا لا ينطبق على الإسلام وأراضيه، لأنّه ليس في الإسلام كنيسة أو ما يشابهها أصلا.
وبما أنّ الحديث عن الدولة العلمانية والمسألة الدينية يدور هنا على هذه الخلفية الحربية – الصراعية، وجدت من المناسب الدخول في موضوعي عبر التركيز على النزاع الحادّ والحادّ جداً الجاري منذ فترة غير قصيرة – في أراضي الإسلام وغير الإسلام- على ضبط معنى الإسلام ذاته وتحديد تعريفه والهيمنة على فحواه وطبيعة تطبيقاته. ولا شكّ عندي أنّ هذا الصراع المستمرّ للسيطرة على معنى الإسلام وتعريفه يشكّل الجزء الأهمّ من المسألة الدينية اليوم في عالمنا العربي، وبخاصة عندما ينحلّ هذا النزاع ويُبتذل إلى مستوى التناحر الدمويّ الأهليّ العنيف والمديد بين طوائف الدين ومذاهبه وملله ونحله في المجتمع الواحد، كما شاهدنا ونشاهد في أكثر من دولة عربية وبلد إسلاميّ في الوقت الحاضر.
أمّا الأطراف الرئيسية الداخلة في هذا الصراع على ضبط معنى الإسلام والسيطرة على تعريفه، كما تمكّنتُ من رصدها وتصنيفها، فهي على النحو التالي :
أوّلاً، أنظمة سياسية وحكومات وأجهزة دولة ومؤسّسات دينية رسمية تديرها نُخب من رجال الدين، تعمل كلّها على الدفاع عن ما يمكن تسميته هنا بـ”إسلام الدولة الرسميّ”، وعلى صياغة تعاليمه وتوجّهاته صياغات مناسبة وفقاً للظروف والأحوال المتبدّلة، وعلى نشره وبثّه عبر الوسائل المتوفّرة للدولة وأجهزتها. ونجد النموذج الأعلى لهذا النوع من الإسلام في إسلام البترودولار لدولتين مثل العربية السعودية وإيران، وهو إسلام مدعوم جيّداً جدّاً، ليس محلياً وإقليميا فقط، بل ودولياً أيضًا وفي شتّى أنحاء العالم، مدعوم بجبروت الدولة المعنية وبأس أجهزتها الأمنية المتنوّعة وبقوّة أموالها الوفيرة وإغراءاتها.
معروف أنّ العقيدة الأساسية لإسلام البترودولار الإيراني هي “ولاية الفقيه”، في حين أنّ العقيدة الأساسية لإسلام البترودولار السعوديّ تقول : “القرآن دستورنا”، بما يعني أننا لسنا بحاجة إلى أيّ دستور مهما كان نوعه، لأنّ الحكم المطلق هو الأفضل والأنسب للإسلام الحقيقيّ والأصيل.
ولا أعتقد أنّي أبالغ حين أقول إنّ كلّ دولة من دول العالمين الإسلامي والعربي اليوم، قد طوّرت لنفسها نسخة مناسبة وطبعة ملائمة من إسلام الدولة الرسميّ هذا، تستعملها في خدمة مصالحها الحيوية وغير الحيوية داخلياً وخارجياً من ناحية أولى، وفي مناوءة وإحباط المصالح المشابهة لدول أخرى منافسة لها أو متخاصمة معها، من ناحية ثانية.
ثانياً، أما الطَرَف الثاني في هذا الصراع على ضبط معنى الإسلام والسيطرة على تعريفه وتفسيره وتأويله، فنجده على الجانب الآخر البعيد من إسلام الدولة الرسمي، وأعني بذلك الإسلام الأصولي الطالباني التكفيري الجهادي العنيف، بأجزائه المتكثرة وفئاته المتنوعة وتنظيماته المتفرعة، وعقيدته الأساسية هي : “الحاكمية”، ومنهج عمله شبه الوحيد تقريباً هو “التكفير والتفجير” بلا مقدّمات وبلا نظر إلى العواقب أو النتائج مهما كانت. هذا هو الإسلام الذي احتلّ الكعبة سنة 1979 بقيادة جهيمان العتيبي، واغتال الرئيس أنور السادات سنة 1981، وخاض معارك إرهابية دموية خاسرة في سوريا ومصر والجزائر، وهو الإسلام الذي نفّذ ضربات 11 أيلول/سبتمبر سنة 2001 داخل الولايات المتحدة الأمريكية، إنه إسلام يئس إلى حدود العدمية من بلوغ أية أهداف أو تحقيق أية برامج بأي أسلوب أو منهج غير أسلوب ومنهج التكفير والتفجير الإرهابي الانتحاري شبه الأعمى، ولتكن النتائج مهما تكن حتى لو انعكست تدميراً على الإسلام عموماً، وعلى الإسلام التكفيري نفسه تحديداً. انه الخيار الشمشوني الصارخ يأساً وعدمية : “عليّ وعلى أعدائي يا ربّ”.
ما هو موقع إسلام حزب الله اللبناني وموقع إسلام حماس الفلسطينية من إسلام التكفير والتفجير هذا؟
السؤال مطروح محلياً ودولياً بسبب شبهات تقول إنّ العمليات الانتحارية/ الاستشهادية التي اشتهرت بها حماس، مثلاً، وعمليات خطف الرهائن من المدنيين والأبرياء التي نفّذها حزب الله في ثمانينات القرن الماضي في لبنان، كمثل آخر، تحمل صلات قربى ما إلى ذهنية الإسلام التكفيري التفجيري إيّاه. وبالفعل، فقد بدا للحظات وكأنّ العمليات الانتحارية/الاستشهادية هي المنهج الوحيد الذي بقي لحماس، تماماً كما حدث للإسلام الطالباني- القاعدي الذي لم يعد عنده من أسلوب عمل غير أسلوب التكفير والتفجير.
أرى أن حزب الله وحماس يشكّلان اليوم البقية الباقية من حركات التحرّر الوطني التي عرفها القرن العشرين في العالم عموماً وفي العالم العربي تحديداً، لكن مع انحدار مذهبيّ ضيّق إلى مستوى أدنى بكثير من المستوى الوطني الرحب، وبنزول طائفيّ متزمّت تحت خطّ كلّ معنى من معاني التحرّر المعروفة، بما فيها التحرّر الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والعلميّ وما إليه. وفي الوقت ذاته يناضل التنظيمان من أجل أهداف محددة جيداً وقابلة للتحقيق، من حيث المبدأ، وعلى رأسها تحرير أرض محتلّة باعتراف العالم أجمع، كما يحصران بدقّة كفاحهما المسلّح في الساحتين المحليتين المعنيتين، ولا يهاجمان عنفياً إلا الاحتلال ودولته، كما أنّهما يتمتعان بقاعدة جماهيرية كبيرة ومنظّمة نسبياً في أوساطهما الشعبية، وبتعاطف فعّال وملحوظ في أوساط المجتمعات العربية الأوسع، ولا ينطبق أيّ من هذا كلّه على إسلام التكفير والتفجير المتفلِّت من هذه الشروط جميعاً.
مع ذلك أعود لأؤكّد أنّ حزب الله وحماس لا يمكن أن يرتقيا إلى مستوى حركة تحرّر وطني جدّية، بسبب من انتمائهما المذهبي الصافي، ومن الأيديولوجية الطائفية الخالصة لكلّ منهما. فتجارب التحرير الوطني السابقة بيّنت بما لا يترك مجالاً للشكّ، في نظري، أنّ حركات التحرّر الوطني تتطلّب نسبة عالية من العلمانية المحايدة دينياً وطائفياً وإثنياً، بحيث تكون الحركة حركة لكلّ شعبها تمهيداً لمجتمع ودولة وبلد تكون هي أيضًا لكلّ مواطن من مواطنيها. ولا بدّ من إشارة هنا إلى أنّ غياب هذا العنصر في حالة العراق تحت الاحتلال أدى إلى استحالة قيام حركة تحرر وطني جدية هناك تواجه الاحتلال الأمريكي وتقاومه بجبهة وطنية متّحدة، بل الذي حدث هناك كان خرقاً فظاً وفاضحاً ومتعمّداً من جانب الإسلام الطائفي والمذهبي والتفجيري للحكمة الإستراتيجية والتكتيكية التي راكمتها حركات التحرّر الوطني الناجحة، وحتى غير الناجحة، خلال القرن العشرين، فمال ميزان الأحداث والتطورات هناك ميلاً مفجعاً نحو إشعال الحروب الأهلية والتناحر المذهبي الدموي والقتل الجماعي على الهوية الطائفية.
ثالثاً، آتي الآن إلى الطرف الثالث المنخرط في الصراع الجاري على معنى الإسلام وتعريفه، وأقصد إسلام الطبقات الوسطى والتجارية، إسلام البازار والأسواق المحلية والإقليمية والمعولمة، إسلام غرف التجارة والصناعة والزراعة، إسلام المصارف وبيوتات المال المسماة إسلامية، وإسلام الكثير من رؤوس الأموال الطافية والباحثة بيقظة عالية عن أية فرصة استثمارية سريعة ومجزية في أيّة ناحية من نواحي الكرة الأرضية اليوم. والى الحد الذي تشكل فيه بورجوازيات البلدان الإسلامية عموماً والعربية تحديداً العامود الفقري لمجتمعاتها المدنية، فإن هذا الإسلام الجيد والمفيد “للبيزنس” (Good for Business Islam) يكون هو أيضًا إسلام المجتمع المدني فيها.
إنّه إسلام معتدل ومحافظ، يتمحور حول عمليات البيزنس بأشكالها كافّة، له مصلحة حيوية في الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي، وهو بالتأكيد غير مهووس بالمشركين والكفار والمرتدين والمجوس والملحدين والزنادقة والمنافقين والروافض والنواصب وأحفاد القردة والخنازير، أو بالحدود وقانون العقوبات الجسدية. انه إسلام يميل إلى التسامح الواسع في الشأن العام والى التشدد في الشأن الشخصي والفردي والعائلي والخاص. ولذا يجب تمييزه بدقة عن إسلام الحكم المطلق من ناحية، وعن إسلام التكفير والتفجير، من ناحية ثانية.
يعبّر الباحث والمفكر الإسلامي اللبناني الدكتور رضوان السيد عن بعض التفاؤل العربي العام، ولو البسيط، في هذا النوع من الإسلام بعد أن يموضعه في “تلك الفئات الاجتماعية الصاعدة من مجموع الـ250 مليون نسمة في الوطن العربي التي تريد أن تعيش بسلام مع نفسها ومع الآخرين، فالفئات الوسطى التي تشتغل وتعمل… هي التي يمكن أن تنشئ فكراً جديداً، إرهاصاته بدأت. فكرٌ لا يصارع العالم ولا النفس، بل يعيشُ في مصالحه معهما”(1).
أما النموذج الاعلى لإسلام البيزنس هذا، فنجده في حكم حزب العدالة والتنمية لتركيا اليوم وفي طبيعة مشاريعه وإصلاحاته وطموحاته وسياساته الداخلية والخارجية على المستويات كافة. يصف الحزب المذكور عقيدته الأساسية بـ”الديمقراطية المحافظة” في إشارة واقعية جداً منه إلى أن القاعدة الشعبية والانتخابية الواسعة لحكمه موجودة في الأناضول الأوسط وهي المنطقة الصاعدة بسرعة فائقة اقتصادياً وإنتاجيا وتجارياً وعولمياً وبزنسياً في الوقت الحاضر والمحافظة سياسياً واجتماعياً ودينياً في اللحظة ذاتها.
ومن علامات النجاح البارزة التي تسجل لإسلام حزب العدالة والتنمية أن نزعته المحافظة لم تبدّد نفسها – كما جرت العادة – في سطحيات “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” في الملبس والمأكل والمشرب والمذهب والمسْبَح والمسلك اليومي للناس، بل اهتمت بحكمة كبيرة بالمحافظة المتأنية على مؤسّسات الدولة التركية الكمالية والعلمانية وعلى دستورها الأساسي كما تطورت ونمت كلها، وكما خدمت المصلحة القومية التركية على امتداد القرن العشرين. ولا يبدو أن هذا النوع من الإسلام سيفرّط للحظة أو يتلاعب بخفّة بمكتسبات حديثة هائلة ومنجزات عصرية نوعية كبيرة حققتها تركيا المعاصرة مثل :
(1) المجتمع المدني التركي المتطوّر والنامي بسرعة كبيرة بمنظماته وتنظيماته وتياراته وقواعد تعامله وقوانينه الضابطة.
(2) المستوى المتقدم الذي بلغه البلد في ممارسة ديمقراطية المواطنين وتطبيق إجراءاتها حتى لو لم يتعدّ ذلك المستوى بعد نسبة الـ60 إلى 70 بالمائة، بدلاً من ديمقراطية الطوائف والمذاهب والعشائر واستفتاءات الحزب الواحد والمحاصصة الفئوية المسبقة الصنع، وما إلى ذلك مما هو معروف جيداً لنا كعرب مما يضغط على حياتنا كل لحظة.
(3) فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية بمنسوب عالٍ ومتقدم خاصة بالمقارنة مع أيّ مجتمع قائم آخر ذي أكثرية إسلامية واضحة. ومن المهم التذكير هنا بأن الفصل الكمالي الشهير للدين عن الدولة جاء امتداداً لمبدأ فصل السلطات هذا واستكمالاً له ولتطبيقاته العملية. وما المانع في أن تنطوي علمانية الدولة في بلدان مثل بلداننا على خمس سلطات منفصلة بدلاً من الثلاث المعروفة والمألوفة وهي : السلطة التشريعية، السلطة التنفيذية، السلطة القضائية، السلطة الرابعة، أي الصحافة المستقلة والإعلام الحرّ، والسلطة الخامسة التي تعنى بشؤون الأديان والمذاهب والطوائف والأوقاف والمزارات وما إلى ذلك من شؤون دينية أخرى ومتنوعة في البلد الواحد.
(4) استقلال القضاء حتى لو لم يصل هذا الاستقلال إلى نسب عالية جداً بعد في تركيا كما ينبغي له أن يفعل.
(5) الحريات العامة وعلى رأسها، طبعاً، حرية الصحافة والإعلام والميديا عموماً وحرية تداول المعلومات والمعارف وتبادلها وحرية الرأي والتعبير والضمير والاحتجاج والمعارضة السلمية.
(6) الإصلاحات التشريعية الكثيرة التي تمّ إنجازها مؤخراً باتجاه التزام تركي أكبر بشرعة حقوق الإنسان الدولية واحترام تركي أفضل لحقوق المواطن والمواطنة داخلياً.
بعبارة أخرى، إنّ ما يعد به الإسلام البيزنسي لحزب العدالة والتنمية هو “المزيد من الإصلاح والتحديث” وليس “الإسلام هو الحل”.(2)
(II)
واضح إذن أنّ تركيا تحت حكم حزب العدالة والتنمية تشكّل في الوقت الحاضر الأنموذج العملي الأفضل والوحيد، على ما يبدو، عن الدور الذي يمكن أن يضطلع به إسلام البزنس هذا في بلد إسلامي محوريّ وكبير يتطوّر بقوّة وبسرعة داخلياً وإقليميا ودولياً. وأريد أن أقدّم فيما يلي بعض الملاحظات عن تأثير هذا الوضع الجديد نسبياً علينا، كعرب أحياء اليوم، علماً بأني لا أنظر، في هذا كله، إلاّ إلى الملامح العامّة والعريضة جداً للتجربة التركية وكما تبدو لي من بعيد، دون الدخول في أية تفاصيل لا أعرفها أصلاً ولا يمكن أن يتكلّم في دقائقها إلا أصحاب الشأن والاختصاص.
ما من مراقب من بعيد إلاّ ووقف حائراً متأمّلاً متفكّراً أمام ما يمكن تسميته بالمفارقة التركية : أي أن يكون البلد الإسلامي الوحيد الذي أعلن علمانية دولته رسمياً منذ البداية، وفصل الدين عن الدولة منذ لحظة التأسيس الأولى، وطوّر ايديولوجية علمانية صريحة ومتماسكة بتطبيقات عملية فعالة على الطريقة الفرنسية، أن يكون هو أيضًا البلد الإسلامي الوحيد الذي أوصل حزب سياسي لا يخفي إسلاميته، لا وبل يفاخر بها، إلى السلطة بصورة ديمقراطية انتخابية سلمية وسَلسلة اعترف العالم أجمع بها وبشرعيتها ونزاهتها وبدون أن تضرب البلد كارثة كبرى كما حدث في الجزائر، مثلاً، أو في بلدان إسلامية أخرى حيث حاول الإسلاميون فيها الإمساك بالسلطة بطريقة أو بأخرى. على سبيل المثال، يتساءل مراقب قدير ومتمرّس مثل الزميل الدكتور علي حرب في لبنان “كيف تمكّن حزب سياسي، ذي خلفية دينية وأصول إسلامية، أن يقود تركيا، بنجاح ملحوظ في نظر العالم، وفي أكثر القضايا والشؤون : في السياسة والتربية كما في الاقتصاد والأمن، سواء على مستوى الداخل أو من حيث العلاقة مع الخارج؟”(3).
تعمقت المفارقة لمّا تبين أن الحزب الإسلامي إياه – بشعبيته الكاسحة وأكثريته الحاكمة وديمقراطيته الناجزة – هو الذي يسعى سعياً استراتيجياً حثيثاً لضمّ تركيا إلى الاتحاد الأوروبي الذي كان الرئيس الفرنسي السابق فاليري جيسكار ديستان قد نعته بـ”النادي المسيحي”، ولمّا تبين، في الوقت ذاته، أنّ الجيش الذي أسّسه أبو الأتراك والحامي التقليدي الصارم لحمى العلمانية التركية ولكمالية الجمهورية التركية هو الذي يبطئ الخطى في مسيرة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي العلماني ويعارضها ويصطنع العراقيل في وجهها.
أعتقد أن إسلام البزنس هذا يعرف تماماً من أين تؤكل الكتف سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، أي أنه يعرف جيداً أن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، أو حتى الاقتراب منه، سوف يجعل احتمالات رجوع المؤسسة العسكرية إلى عاداتها القديمة في التدخّل الفظّ في شؤون الدولة التركية أضعف بما لا يقاس عمّا كانت عليه في السابق، كما يعرف أيضًا أن هذا الانضمام سوف يجعل، في الوقت ذاته، احتمالات ارتداد أيّة أحزاب تركية ذات صبغة دينية إلى أي نوع من أنواع الأصولية المذهبية أو الحَرْفية الدينية أو النصوصية الإسلامية تتراجع إلى حدود التلاشي تقريباً.
لذا أعتقد كذلك أن مساعدة تركيا على عبور هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة بسلام وبدون انتكاسات مدمِّرة تشكل مصلحة أوروبية وشرق أوسطية حيوية في الوقت الحاضر، كما تشكل مصلحة “إسلامية” كبرى بمعنى أن العالم الإسلامي عموماً (ومعه العالم العربي) بحاجة ماسة إلى نموذج ناجح سياسياً وديمقراطياً وإنتاجيا في بلد إسلامي هام، حتى لو كانت نسبة هذا النجاح لا تتعدى مستوى الـ60 إلى 70 بالمائة، وتركيا هي البلد الوحيد الجاهز والمرشح حالياً للقيام بمثل هذا الدور. وفي هذا كله تفسير للملاحظة القيمة التي أبداها الدكتور علي حرب حول امتناع تركيا حزب العدالة والتنمية المدروس والمتقن عن مواجهة بعض المعارضة الأوروبية لانضمامها إلى الاتحاد الأوروبي بأساليب “التشنج والعدوانية” الرائجة عربياً، أو “بالتهويل بالويل والثبور” وعظائم الأمور مما هو معروف وشائع عندنا، أو باستعادة هوجاء “لثنائية الإسلام والغرب” العدائية مما يبخش الأذن العربية صبحاً ومساءً(4).
وبهذه المناسبة، من المفيد أن نذكر أنه لما كانت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن تعدّ لغزو العراق واحتلاله سنة 2003، رفض البرلمان التركي طلباً أميركيا ملحّاً لاستخدام الأراضي التركية في العمليات الحربية ضدّ العراق. ومعروف أنّ جورج بوش أضطر يومها إلى ابتلاع قرار الرفض هذا (على الرغم من عدوانية بوش المشهورة) والى تعديل الخطط العسكرية على ضوئه لأنّ القرار نابع من برلمان حقيقي – باعتراف جورج بوش نفسه – بلا علامات استفهام حول نزاهة انتخاباته وبلا شكوك في شرعيته التمثيلية وبلا طعن من جانب أحد في ديمقراطية سلطته التشريعية. بالمقابل، هل من حاكم آخر في أيّ بلد إسلامي أو عربي قادر على أن يقول لا كبيرة للرئيس الأمريكي، في لحظة حربية وحرجة وضاغطة مثل تلك اللحظة، استناداً إلى قرار كبير اتّخذه البرلمان في بلده دون أن يصرفه الرئيس الأمريكي مقهقهاً هو وبرلمانه؟
ومن الملفت للنظر كذلك في الوقت الحاضر، أنه عند نشوب خلافات كبيرة وأزمات حادة بين أطراف نظام الحكم التركي الحالي وداخل أجنحته وأجهزته (بما في ذلك المؤسسة العسكرية نفسها) جرى الاحتكام بسرعة إلى المؤسّسات الشرعية المعروفة مثل الدستور والقضاء والبرلمان والمحكمة الدستورية العليا بدلاً من الاحتكام المعهود إلى السيناريوهات الانقلابية والاقتحامات العسكرية الفظة والأساليب المؤامراتية. ولا شك أن الامتحان الأكبر لحزب العدالة والتنمية ولمستوى نضج نظام تركيا الجمهوري العلماني الديمقراطي على العموم سيأتي يوم تتشكل أكثرية انتخابية سياسية جديدة من أحزاب علمانية وشبه علمانية وتتقدم لتتسلم السلطة بصورة ديمقراطية وسلمية وسَلسة من الحزب الحاكم في الوقت الحاضر. وهذا يوم آتٍ لا ريب فيه.
لا شكّ أنّ الدكتور علي حرب أصاب حين شخّص هذا الوضع في تركيا اليوم على النحو التالي:
“في المسألة السياسية، لم يقل أردوغان ورفاقه إن الشورى بديل الديمقراطية، التي هي صيغة غربية مستوردة، كما يقول عندنا الذين أخفقوا في تحديث الشورى أو في تطوير الديمقراطية. بل أقرّ ورفاقه بالعمل ضمن أطر النظام الجمهوري وقوانينه، وانخرطوا في اللعبة الديمقراطية بعقلية تداولية، إشارة إلى اندراجهم في زمنهم وعالمهم. ولذا لم يشنّ أردوغان حملة على الثقافة الغربية الحديثة، ولم يعِد مجتمعه وبلده بالعودة عن مسارات التحديث ومنجزاته، كما يعلن حكام مسلمون في مكان آخر، لأنّ مآل ذلك أن نتخلّى عن كل أسباب العيش وأدواته.”(5)
مع ذلك سيكون من دواعي الغفلة والسطحية في التحليل إسقاط احتمالات النكوص والارتداد كلياً في بلد إسلامي مثل تركيا، كما سيكون من دواعي السذاجة السياسية عدم التيقظ الحاد والكامل لإمكانات حدوثهما لأن الرجوع إلى نوع من أنواع الحكم العسكري أو إلى شكل من أشكال الاستبداد الأصولي الديني الشمولي يبقى إغراءً قائماً وكامناً في منطقتنا خاصة إذا اتخذا صورة ديكتاتورية عسكرية مغلّفة بالتعصّب الديني والتزمت الطائفي والمذهبي. وتزداد الخطورة كلّما تدرج الحكم الحالي في تركيا في محاولاته إخضاع المؤسسة العسكرية إلى قرار الحكم المدني الديمقراطي في البلد مهما كانت هوية ذلك الحكم في أية مرحلة من المراحل القادمة.
على كل حال، أرى، بصورة عامة، في وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة ديمقراطياً وسلمياً، لحظة نضج للتجربة التركية مع الجمهورية الكمالية ومع الدولة العلمانية ومع الآليات الديمقراطية كما تطوّرت ونمت كلها خلال القرن العشرين ومنذ بداياتها المتواضعة والمتردّدة وعبر تحولاتها الصعبة ومراحلها الخطرة. إنها لحظة نضج ليس للعلمانية التركية وآلياتها الديمقراطية فقط (على ضعف الأخيرة سابقاً)، بل ولإسلامها السياسي أيضًا. كما يبدو لي أن اللحظة ذاتها تنطوي على احتمالات جيدة لتجاوز ديمقراطي أرقى لمعاني الكمالية والأتاتوركية الكلاسيكية بعد أن استنفدت تلك المعاني أغراضها التاريخية وحققت أهدافها الأكبر على ارض الواقع.
أقول هذا لأنّ العلمانية قامت على امتداد القرن العشرين بدور حاسم في المجتمع التركي يشبه إلى حدّ كبير الدور الحاسم الذي قامت به الليبرالية في أبرز المجتمعات الأوروبية الغربية حتى الحرب العالمية الأولى. أقصد بهذا التشبيه: تثبيت الجمهورية ومؤسساتها وقيمها. تثبيت الحكم الدستوري حتى في المَلَكيات الوراثية. تثبيت فصل السلطات والدفع به قدماً. تثبيت استقلال القضاء. تثبيت فكرة المواطنة والمواطنية وتوطيد قيمها. تثبيت حقوق المواطن والمواطَنَة والحريات العامة المعروفة. تثبيت عملية التداول السلمي للسلطة حيث تحكم الاكثرية السياسية الانتخابية مع حفظ حق الأقلّية السياسية الخاسرة في اعادة تشكيل نفسها كأكثرية انتخابية جديدة وبحيث لا تعود أية أكثرية قادرة على الاستبداد بنفسها وبشعبها وبمجتمعها، ومن قال إنّ الأكثرية لا تستبد؟ هذه هي الإنجازات الليبرالية التي أُعجب بها أيّما إعجاب رفاعة رافع الطهطاوي (وأحفاده فيما بعد) في باريس، هذا على الرغم من أننا نعرف اليوم مدى التسلّط الطبقي الذي مارسته تلك الليبرالية على المجتمع عموماً ومدى قصور ديمقراطيتها في ذلك الحين ومدى محدودية شعبيتها الانتخابية هي أيضا في تلك الأوقات.
شيء شبيه يقال في إنجازات العلمانية الاتاتوركية التي أعجب بها رجالات السياسة والفكر والأدب والإصلاح في العالم العربي في تلك الحقبة كما عبّر عن ذلك أمير الشعراء في ذلك الزمن أحمد شوقي في بيت شعر شهير ما زال في ذاكرتنا الجماعية إلى اليوم شبّه فيه مصطفى كمال وفتوحاته بخالد بن الوليد بقوله :
الله أكبر كم في الفتح من عجبٍ يا خالد التركِ جدد خالد العربِ
هذا كله، على الرغم مما نعرفه اليوم عن مدى تسلطية تلك العلمانية على المجتمع التركي في البدايات وعن النقص المريع في ديمقراطيتها ومحدودية شعبيتها في تلك الأوقات. من هنا استنتاج الدكتور علي حرب بأن حزب العدالة والتنمية وقادته “هم في النهاية ثمرة النظام الجمهوري العلماني والديمقراطي، أياً كانت شوائبه وأعطاله : ولولاه لم يكونوا في مكانهم الآن، بل في السجن أو المنفى أو القبر، كما هي مصائر الساسة في أكثر دول العالم العربي، على اختلاف اتجاهاتهم”(6).
وأودّ الإشارة هنا إلى أن الزميل الباحث صقر أبو فخر قد لحظ بعض هذه النقاط (مع قسوة أشدّ على علمانية أتاتورك بسبب ديمقراطيتها المفقودة) في دراسته “التحول التركي الكبير: “خرافة العثمانية الجديدة””(7)، منبّهاً إلى أن الديمقراطية بلا علمانية كما العلمانية بلا ديمقراطية لا بدّ أن تؤديا إلى شكل من أشكال الاستبداد الشمولي أو الحكم العسكري ومستنتجاً أن الهند هي “الدولة الكبرى الوحيدة في آسيا التي تمكنت من دمج قيم الديمقراطية بقيم العلمانية في نسق دستوري واحد” في القرن العشرين. ويبدو لي بأنه يجوز لنا القول الآن إنّ تركيا قد نجحت هي أيضًا، مع بدايات القرن الواحد والعشرين، في تحقيق دمج تطوري مشابه لقيم الديمقراطية بقيم العلمانية في نسق دستوري وسياسي واحد ولكن عبر مسار تاريخي متعرّج من نوع آخر تماماً.
أصاب صقر كذلك حين اعتبر أن ما يسمى أحيانا بـ”العثمانية الجديدة” هو اقرب إلى الأسطورة منه إلى الوقائع في الجانب التركي، مؤكداً بأنه إن كان هناك أية “عثمانية” لدى حزب العدالة والتنمية فهي بالتأكيد ليست عثمانية “جغرافية” أو حتى محاولة مباشرة أو غير مباشرة للهيمنة الإقليمية، بل إنها لا تعدو كونها إعادة تموضع تركية سياسية جديدة، ناجحة وفعالة، في مجال إقليمي أوسع من حدود تركيا الحالية، على حد تعبيره.
أما الحنين المعروف به الإسلام السياسي العربي إلى الخلافة والسلطنة والولاية والإمامة والعصر الراشدي وتوقه الحالي المستجد إلى إقامة “فراديس إلهية” على الأرض (على حدّ تعبير الدكتور علي حرب) فهما غائبان كليا عن ما يقال أنه “العثمانية الجديدة” في تركيا اليوم.
في المقلب الآخر، تشكل العثمانية الجديدة في الجانب العربي أسطورة – وفقا لما المسه – ولكن بمعنى آخر للأسطورة، أي بمعنى بروز توجه أيديولوجي (بالمعنى الأسوأ للايدولوجيا) يعمل على تفصيل “الحقيقة” وإعادة تفصيلها على قياس طبيعة اللحظة السياسية الحاضرة في علاقات الأنظمة والحكومات العربية بتركيا حزب العدالة والتنمية وبما يتناسب آنيا معها. بطبيعة الحال، لا علاقة لعملية التفصيل وإعادة التفصيل هذه بحقائق التاريخ أو بوقائع التأريخ كما أنها لا تأبه البتة – بسبب من طبيعتها الأيديولوجية الزائفة – باحتمالات أن تكون اللحظة السياسية التي تُفصل “الحقيقة” على قياسها الآن هي لحظة طارئة أو عابرة أو مؤقتة أو انتهازية مما سيستدعي حتما إعادة للتفصيل مجددا وبأقصى سرعة ممكنه وبمقاسات مغايرة تماما أو معاكسة كليا “للحقيقة” التي كان قد تم تفصيلها قبل قليل.
لذا نشاهد العثمانية الجديدة في الجانب العربي وهي تهرع بحماسة فجائية أصابتها لاستكشاف قبر امرئ القيس عند تلة بالقرب من العاصمة التركية أنقرة بغرض تحويله إلى مزار يجذب السياح والحجاج. كما نشاهدها وقد أخذتها حمية طارئة وعاجلة ومفتعلة إلى اهتمام غير مسبوق بالآداب والفنون والعلوم والثقافة التركية في الوقت الذي كان فيه الانتباه العربي الطبيعي والتلقائي يتمحور، بصورة رئيسية، على الثلاثي: ناظم حكمت وعزيز نسين واورخان باموك بالنسبة للإنتاج الأدبي التركي. ومعروف أن هذا الثلاثي غير مغرم بالعثمانية عموما كما أن العثمانية ذاتها لا تحبه هي بدورها ولا ترحب به.على سبيل المثال، كان الزميل فاضل جتكر قد نقل إلى العربية عن اللغة الأصلية رواية باموك الأولى “جودت بيك وأولاده” (1982) منذ زمن بعيد وقامت وزارة الثقافة في سوريا بنشرها سنة 1989.
لا يمكن للعثمانية الجديدة هذه إلا أن تضع علامات سؤال واستفهام كبيرة جدا على الثورة العربية الكبرى لسنة 1916 وعلى “حقيقتها”، علما بان عملية الاستفهام والسؤال هنا هي من النوع الذي لا يهتم بمسائل التاريخ العربي الحديث ومساءلاته الجدية أو باستفهامات علم التأريخ وأسئلته العلمية المشروعة والمشرعة دوماً. لذا لن نعجب إذا ما غاب الاستفهام الأيديولوجي هذا فجأة عن الوجود او انسحب بعجلة من الساحة أو انقلب إلى عكسه تماما بسرعة فائقة مع تراجع اللحظة السياسية العابرة التي تم تفصيله من اجلها وعلى مقاسها.
لا تكره عثمانيتنا الجديدة هذه جمعية الاتحاد والترقي وقادتها وضباطها، على سبيل المثال، لأنهم اضطهدوا في زمانهم الفكرة العربية ورجالاتها وحاربوهم جميعا أو لأنهم جربوا التتريك في الأراضي العربية التي كان ما يزال لهم سلطة عليها، بل بسبب من علمانية قادة الاتحاد والترقي وقوميتهم وتقدميتهم وتحديثيتهم، أي بسبب من كل ما صنع تركيا اليوم وأوصلها إلى ما هي عليه في الوقت الحاضر.
ولا نعرف بعد ما الذي ستفعله علامات السؤال والاستفهام التي أخذت ترفعها عثمانيتنا الجديدة هذه بـ”عيد الشهداء” (6 ايار – مايو 1915) و”حقيقته” وبساحات الشهداء التي تخلد ذكراهم في قلب عواصم عربية مثل بيروت ودمشق وماذا يمكن لها أن تفعل بصورة جمال باشا السفاح عربياً، أو بصورة مدحت باشا الملقب بأبي الأحرار وأبي الدستور، في عالم أراد فيه العرب وما زالوا يريدون أن يكونوا أحراراً وأن تكون لهم دساتير محترمة. وستكون على المحك كذلك “حقائق” أدب ممدوح عدوان ولا سيما مسرحيتيه “الغول” و”السفربرلك” وروايته المعروفة “أعدائي”.
في الجدل العربي الدائر حالياً حول هذه المسائل كثيراً ما يعاب على العلمانية التركية بأنها قامت واستمرّت بإرادة سلطوية وليس بإرادة شعبية مُعَبَّر عنها ديمقراطياً. تكمن المشكلة في هذا النقد في سطحيته التاريخية لأنه يتناسى ويهمل كلياً أن تلك العلمانية قامت في اللحظة الكاريزمية المنتصرة والمؤسِّسة للجمهورية التركية وليس بإرادة سلطوية وتسلطية متعالية بالمعنى العادي للعبارة وكما يريد أن يوحي أصحاب المأخذ المذكور.
ولا بأس من التذكير هنا بأن الخلفية التي صنعت تلك اللحظة الاستثنائية كانت انهيار ما تبقى من الدولة العلية الهرمة – أي الموت العنيف لرجل أوروبا المريض – ووقوع الأرض التركية بأكملها تحت الاحتلال الأجنبي، من جهة أولى، ونجاح أتاتورك في قيادة حراك شعبي وعسكري جبار نجح في طرد جيوش الحلفاء بأجمعها من البلاد وفي تطهير أرضها من الاحتلال الأجنبي، من جهة ثانية. أي أن القرارات الكبرى والدراماتيكية لتلك المرحلة مثل: إلغاء الخلافة والسلطنة، إنشاء الجمهورية، فصل الدين عن الدولة، العمل سياسياً بآليات النظام الديمقراطي التمثيلي الانتخابي على محدوديتها، كتابة اللغة التركية بالأحرف اللاتينية بدلاً من الخط العربي وغيرها جاءت كلها بإرادة سلطوية هي ابنة تلك اللحظة الكاريزمية المؤسِّسة والمنتصرة مما يفسر ديمومة تلك القرارات وفاعليتها واستمراريتها وتجذرها وتقبل الإرادة الشعبية لها وإن كان على مضض في كثير من الأحيان ومع ممانعة قوية في أحيان أخرى. كما أنه يجب أن لا ننسى أن تلك القرارات الجذرية والحاسمة لم تهبط من السماء بصورة مفاجئة أو تنبع من إرادة سلطوية تعسفية بدون سابق إنذار، بل شكلت، في الواقع، امتداداً جريئاً وطبيعياً ومنطقياً لمرحلة سابقة مديدة في حياة ما تبقى من الإمبراطورية الهرمة هي مرحلة البيريسترويكا العثمانية التحديثية المعروفة باسم “التنظيمات”. ولما كانت حركة التنظيمات هذه قد فعلت فعلها التحديثي الأقوى والأكبر في مركز الإمبراطورية وليس في أطرافها تمكن المركز التركي من تحرير نفسه – بقيادة مصطفى كمال – من الاحتلال الأجنبي والاستعمار والتجزئة فيما وقعت الأطراف العربية المتبقية فريسة سهلة لهذه الشرور كلها.
على المستوى العربي، لنتصور، على سبيل المثال، الرئيس جمال عبد الناصر في لحظته الكاريزمية المؤسِّسة لقامته ولزعامته الكاسحة، أي لحظة تأميمه قناة السويس وانتصاره سياسياً ودولياً وعالمياً على جيوش العدوان الثلاثي الغازية والمحتلة للأرض المصرية سنة 1956، وكيف كان سيكون تلقي الإرادة الشعبية والجماهيرية العربية يومها لأية قرارات إصلاحية دراماتيكية جريئة وتحررية كان يمكن أن يتخذها، كإرادة وسلطة، في أي شأن من شؤون دنيا مصر والعرب ودينهم في تلك اللحظة الاستثنائية المنتصرة.
أعرف رأياً للزميل الدكتور فهمي جدعان يعيب فيه على الفكرة العلمانية منبتها المسيحي الأقلوي حيث يقول:
“يجب أن نضع هنا الحدود والفوارق والتمايزات، ما بين المفكرين المسلمين، والمفكرين المسيحيين. فالقضية الأساسية التي كانت لدى المفكرين المسيحيين، في تلك الفترة، هي قضية المِلَل والأسس الاجتماعية والسياسية التي ينبغي أن يقوم عليها المجتمع. وعلينا أن نقرّ: بأن المفكرين المسيحيين لم يكونوا مرتاحين لأوضاعهم في الدولة العثمانية، ولم يكونوا أيضًا مرتاحين لمبدأ أن تكون المرجعية الاعتقادية في الدولة مرجعية دينية إسلامية. وبحكم اعتقادهم المسيحي… فإنهم تمثلوا بسهولة القيم الغربية ووجدوا في مسألة فصل الدين عن الدولة… حلاً مثالياً لأوضاعهم الخاصة، ولذلك كانوا يدعون بقوة إلى بناء الدولة على أسس مدنية بحتة”(8).
أما المشكلة في هذا الرأي، الشائع جداً عربياً وإسلامياً، فتكمن في عدم تنبه صاحبه المتعمَّد الى ازدواجية المعايير التي ينطوي عليها، علماً بأننا نحن العرب لا نكلّ ولا نملّ من توجيه تهمة ازدواجية المعايير إلى الغرب والتشنيع عليه بها. فالأقلّية المسلمة في الهند، على سبيل المثال وليس الحصر (وهي ليست قلة قليلة، بل يزيد تعدادها عن 150 مليون نسمة)، هي اكبر متمسك بعلمانية الدولة الهندية وديمقراطيتها الانتخابية وأهم مدافع عنهما واقوي مروّج لهما ولأسسهما المدنية البحت. ولا اعتقد أن تلك الأقلّية يمكن أن ترضى، في يوم من الأيام، بغير ذلك من الأسس لكي تقوم عليها الهند ودولتها سياسياً واجتماعياً وأيديولوجيا في زماننا الحاضر. وباستخدام المنطق ذاته الذي يستعمله د. جدعان في محاصرة الفكرة العلمانية العربية يمكن للقوى الهندوسية الأصولية أيضًا محاصرة الفكرة العلمانية الهندية وتطبيقاتها بادعاءات مشابهة مما سينقلب شراً مؤذياً على الأقلّية المسلمة هناك وعلى السلم الأهلية في البلاد اجمع. كما يمكن لتلك القوى اتهام الأقلّية المسلمة بأنه بسبب من عدم ارتياحها لمبدأ أن تكون المرجعية الاعتقادية في دولتها مرجعية دينية هندوسية أو بوذية أو سيخية فإنها – أي الأقلّية المسلمة – تمثلت بسهولة القيم الغربية ووجدت في مسألة فصل دين الأكثرية الهندية عن الدولة حلاً مثالياً لأوضاعها الخاصة. لذا أقول للدكتور جدعان ومن يأخذون برأيه: يبقى الأفضل في عالم اليوم أن نعامل الناس كما نُحب أن يعاملوننا.
ولنلاحظ أيضًا في هذا السياق أن الأقلّية السنية في العراق اليوم هي التي تجاهر برفضها القاطع للدولة الدينية هناك (دولة ولاية الفقيه أو نائب الإمام) وبدعوتها القوية إلى إرساء دعائم دولة عراقية علمانية مدنية تكون لكل مواطنيها استناداً إلى أولوية المواطنة العراقية المحايدة دينياً وطائفياً ومذهبياً وإلاّ فإن السيناريو الأسوأ هو الذي سيسود في البلد. وكي لا يسود السيناريو الدموي الأسوأ أرجح بأن صناديق الاقتراع في العراق سوف تميل بشكل ملحوظ ومتزايد لصالح الاتجاهات التي تعمل على تعزيز الملامح العلمانية للدولة العراقية الجديدة وعلى دعم طابعها المدني. من هنا تحول شخصية علمائية سنية عراقية مرموقة مثل حارث الضاري إلى داعية قويّ للعلمانية في العراق وللدولة المدنية فيه والى رافض متشدد لفكرة الدولة الدينية – الإسلامية هناك.
(III)
ترك النضج السياسي والديمقراطي الذي حققه تطور التجربة التركية العلمانية أثراً هاماً وقوياً ومباشراً في العالم العربي وفي قواه السياسية وتياراته الفكرية ونخبه الاجتماعية وفعالياته الاقتصادية. أو على حدّ تعبير الدكتور علي حرب “فقد باتت تجربة هذا الحزب (العدالة والتنمية) في البناء والتحديث مادة للتأمل والتدبر، خاصة من جانب العرب والمسلمين، الذين يهتمون بتحليل أبعادها ودلالاتها لاستخلاص دروسها وعبرها”(9).
فاليسار العربي عموماً كان على خصومة عالية مع تركيا أثناء الحرب الباردة ورافض لتوجهاتها الداخلية والخارجية بسبب من (أ) عضويتها في حلف الناتو (الحلف الأطلسي) (ب) تحالفها الوثيق مع الغرب في الحرب الباردة (ج) مناوأتها للاتحاد السوفيتي وللحركات والأفكار الاشتراكية والشيوعية محلياً ودولياً (د) علاقاتها الطيبة بإسرائيل (و) نزاعاتها المائية والحدودية مع دولتين عربيتين مركزيتين هما العراق وسوريا.
بعد انتهاء الحرب الباردة وتراجع الكتلة الأكبر من اليسار العربي – بما في ذلك أحزاب شيوعية كثيرة – إلى خط دفاعه الثاني، أي إلى الخط الذي يعطي الأولوية لبرنامج يلتف حول حقوق الإنسان، المواطنة، الحريات العامة، العلمانية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية والتوزيعية، المحاسبة والمساءلة والدفاع عنها كلها، فقد تغيرت علاقة هذا اليسار جذرياً بكل ما تمثله التجربة التركية وتعنيه ولا سيما بعد استلام حزب العدالة والتنمية السلطة بهذا الشكل السلمي الديمقراطي المبهر وغير المعهود في منطقتنا كلها، وبخاصة بعد الإصلاحات التشريعية التي رعى الحزب إصدارها والتي تلتقي مع أولويات البرنامج المدني الذي تبناه اليسار المذكور وأخذ يدافع عنه ويطالب بوضع بنوده موضع التنفيذ. بعبارة أخرى، إذا أراد هذا اليسار أن يؤشر إلى بلد إسلامي يتحقّق فيه شيء من هذا البرنامج بحدود معقولة أو مقبولة نسبياً لما وجد أفضل من النموذج التركي حالياً.
ومعروف كذلك، أن اليمين العربي الديني بتياره العريض – بما في ذلك الأخوان المسلمين بطبيعة الحال – كان هو أيضًا يكره التجربة التركية كره العماء بسبب من كماليتها المعروفة وعلمانيتها المتقدمة وتصفيتها لمؤسسة الخلافة وتوجهها الغربي – الأوروبي الحداثي على المستوى الاجتماعي بالإضافة إلى علاقاتها القوية بإسرائيل. أما الآن، فإن السؤال الذي يطرحه الإسلام السياسي العربي هذا على نفسه وعلى ضوء ما آلت إليه تجربة الإسلام السياسي التركي في الجمهورية الكمالية العلمانية المحتقرة سابقاً، فيقول: لننظر أين هو الإسلام السياسي التركي اليوم وأين هو الإسلام السياسي العربي اليوم؟ لننظر في ماذا يرفل الإسلام السياسي التركي الآن وفي ماذا يتخبّط الإسلام السياسي العربي في الوقت الحاضر؟
ويعرف كل مراقب ومتابع أن مناقشات نقدية واسعة ومراجعات كبيرة ونزاعات حادة تتفاعل الآن في وسط تيارات الإسلام السياسي العربي في محاولة منه للتعامل مع هذا النوع من الأسئلة والتساؤلات ومع الأزمة الحادة التي خلّفتها. على سبيل المثال، لا أعتقد أن الخطاب الذي انطوى عليه مشروع إصلاح المجتمع والدولة في مصر الذي أطلقه الإخوان المسلمون في القاهرة في شهر آذار-مارس سنة 2004 (تحت عنوان “مبادرة الإخوان المسلمون للإصلاح الشامل في مصر”) كان يمكن ان يكون او أن يصدر بدون ما آلت إليه تجربة الإسلام السياسي التركي المرنة مع الدولة العلمانية ومع الديمقراطية الانتخابية ومع المجتمع المدني في تركيا. تخلى مشروع الإصلاح الشامل في مصر كلياً عن الخطابات والدعوات الإخوانية المعهودة من نوع: “القرآن دستورنا”، “التطبيق الفوري للشريعة الإسلامية”، “الإسلام هو الحل” وما إليه لصالح خطاب يحاكي بالتفاصيل إجراءات حزب العدالة والتنمية في تركيا ويقلِّد دعواته ومشاريعه وإصلاحاته وسياساته وقيمه حتى أنك تظن للحظة وأنت تقرأ بعض فقرات “مبادرة الإصلاح الشامل” المصرية وكأنك أمام نص منتزع من أحد كتب ديديرو (Diderot) أو مونتسكيو (Montesquieu) دون أن يعني ذلك بأني أصدق كل ما أقرأ.
أما الوسط القومي في العالم العربي فلم يكن يوماً أقل إدانة لتركيا وتجربتها وسياساتها من الطرفين الآخرين المذكورين وللأسباب ذاتها في معظم الأحيان يضاف إليها : (أ) لوم التيارات القومية – وخاصة في سوريا – الاحتلال التركي المتخلف (على حدّ تعبيرها) على حال التأخر الحضاري والعلمي والثقافي والإنتاجي الذي وجد العرب أنفسهم فيه في القرن العشرين؛ (ب) ما تختزنه الذاكرة العربية المحلية من تصورات ومشاعر معادية لحملات التتريك التي أدارها المركز في بدايات القرن الماضي؛ (ج) الاضطهاد الذي تعرضت له الفكرة العربية ورجالاتها في ذلك الحين من جانب الدولة العلية المنهارة (د) النزاعات الإقليمية على الحدود السيادية والسياسية والحقوق المائية التي نجمت كلها عن ما أسفرت عنه الحرب العالمية الأولى من نتائج إقليمية ودولية.
أما اليوم، فأعتقد أن هذا الموقف القومي العربي السلبي من التجربة التركية عموماً وتاريخاً قد طرأت عليه تبدلات كثيرة في اتجاهات أكثر ايجابية أولا، على ضوء النجاحات البارزة التي تمكنت من تحقيقها الفكرة القومية التركية وخاصة على صعيد خدمة المصالح القومية العليا للأمة والدولة وثانياً، على ضوء الإخفاقات المأساوية التي لازمت الفكرة القومية العربية بالمقابل وخاصة على صعيد خدمة المصالح العليا للأمة كما درجت على رؤيتها الحركات القومية العربية إياها. فهل من درس وعبرة لنا في ذلك كله كعرب أحياء اليوم، لا سيما وأننا ما زلنا هاملت (Hamlet) القرن العشرين وما بعده بامتياز.

الهوامش:
(1) علي العميم، “العلمانية والممانعة الإسلامية: محاورات في النهضة والحداثة”، دار الساقي، بيروت، ط 2، 2002، ص 163.
(2) علي حرب، “تواطؤ الأضداد: الآلهة الجدد وخراب العالم”، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، 2008، ص 251.
(3) “تواطؤ الأضداد”، مرجع مذكور سابقاً، ص 249.
(4) “تواطؤ الأضداد”، مرجع مذكور سابقاً، ص 254.
(5) “تواطؤ الأضداد”، مرجع مذكور سابقاً، ص 251.
(6) “تواطؤ الأضداد”، مرجع مذكور سابقاً، ص 252.
(7) صقر أبو فخر، “التحول التركي الكبير: “خرافة العثمانية الجديدة””، مجلة “معلومات” الصادرة عن جريدة “السفير”، بيروت، عدد 73، كانون الأول- ديسمبر، 2009، ص 148-149.
(8) “العلمانية والممانعة الإسلامية”، مرجع مذكور سابقاً، ص 129.
(9) “تواطؤ الأضداد”، مرجع مذكور سابقاً، ص 248.
موقع الآوان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى