صفحات العالمما يحدث في لبنان

البُعد العربي للإصلاح

سليمان تقي الدين
من أبرز دروس تجربتنا الوطنية أنه لا يمكن إحداث تغيير نوعي في لبنان خارج الإطار العربي عامة والبُعد السوري خاصة. ليست العلاقة بين الأمرين ميكانيكية بل جدلية. سوريا عمق ضروري لأي مشروع وطني، ولبنان بحركته الوطنية خط الدفاع الأول عن سوريا. في كل المحطات التاريخية منذ عهد الانتداب حتى اليوم هذه هي القاعدة. نخطئ إذا اعتقدنا أن سوريا تخلق وتدير العمل الوطني اللبناني، وتخطئ سوريا إذا اعتقدت أن الوطنية اللبنانية ليست لها مقوماتها المستقلة ودورها الفاعل في الميزان الإقليمي. حرب تموز 2006 أسطع دليل على أن اللبنانيين بمقاومتهم الشاملة العسكرية والسياسية حجزوا الهجمة الغربية الصهيونية عن سوريا والمشرق العربي، لأنهم حجبوها أصلاً عن لبنان.
ساهمت سوريا بدعم الوطنية اللبنانية لكنها لم تسهم في المشروع الإصلاحي اللبناني. في الأعوام 1976 و1989 و2007 غلّبت سوريا الإطار الأمني الإقليمي على حساب تحديث وتطوير النظام السياسي. في تسوية «الدوحة» شاركت في بناء توازن سياسي لبناني وعربي يحمي الإنجاز الوطني المتمثل بسلاح المقاومة، لكنها لم تضع وزنها إلى جانب تطوير النظام، أو تطبيق الدستور أصلاً لبناء وقائع يصعب الارتداد عليها. تعاملت سوريا مع كل القوى التقليدية ومع المؤسسات الرسمية والشعبية الطائفية.
أولوية الأمن والتعاطي الأمني حكم العلاقة بين البلدين. الأحزاب الوطنية تحولت إلى أدوات أمنية وكذلك أحزاب الطوائف. التحوّل السياسي الذي حصل منذ خمس سنوات يجد تفسيره في القوى السلطوية التي صارت لها مصالح اقتصادية مناقضة للمشروع الوطني.
نحن الآن أمام توازن وطني جديد داخلي وإقليمي. لبنان جزء من منظومة إقليمية مناهضة لإسرائيل والهيمنة الأميركية. تراجعت القوى التي راهنت على المشروع الأميركي وهي الآن في مرحلة التكيّف مع المعطيات الجديدة. لكن لبنان في أزمة من نوع آخر، أزمة بناء الدولة والوحدة الوطنية الفعلية. أزمة المناعة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ميزان القوى العسكري أو الضبط الأمني والسلطوي لم يكن مرة ضمانة لرسوخ الاستقرار. إذا اختل الميزان العسكري أو السياسي، كما حصل من قبل، لسبب من الأسباب، وبمعنى من المعاني، يعود اللبنانيون إلى انقساماتهم ونزاعاتهم على الهوية والموقع والدور. هناك من يعتقد في اليمين اللبناني، الموجود في كل الجماعات الطائفية، أن ليس من مصلحة سوريا أن تقوم في لبنان دولة قوية متماسكة. مرة يُقال «إن الوجدان السوري» لا يعترف بالكيان اللبناني. ومرة يُقال «إن سوريا تتعامل مع لبنان كساحة» ولا يلائمها أن يكون مستقراً. هذه فرضيات غير دقيقة. خلال العقود الأربعة الماضية هناك أكثر من دليل على اعتراف سوريا بكيان لبنان وعدم السعي إلى إلغائه بالضم أو بأية أفكار وحدوية أخرى. المجلس الأعلى اللبناني السوري هو اعتراف باستقلال كل من البلدين وليس العكس. أما حكاية «الساحة» فقد أدارت سوريا لبنان خلال عقدين باعتراف إقليمي ودولي واستطاعت أن تحصر المشكلة الأمنية في الجنوب وأن ترسم حدوداً بين التطور الداخلي اللبناني وبين الصراع مع إسرائيل. كان لبنان يؤدي دوره في تحرير أرضه بأقل كلفة ممكنة، ويؤدي دوره في الصراع العربي الإسرائيلي من دون أن يقع في الفوضى. خرجت القوات السورية من لبنان وتولى اللبنانيون إدارة شؤونهم من دون تجاهل للتأثير السوري على موقع لبنان الإقليمي.
لكن السؤال: أين سوريا من معركة التغيير والإصلاح، وهل تساعد على نهوض التيار الوطني اللاطائفي بهدف بناء الدولة المدنية؟
وهل من مصلحة سوريا أن يظل لبنان دولة معلقة على نزاعات الطوائف وحروبها، أم أن هذا هو خطر تعيه سوريا على لبنان وعليها وعلى مجمل الوضع العربي؟ على حد ما نعرف أن سوريا تستشعر الخطر الطائفي والمذهبي في لبنان والعراق، وتستشعر خطر الأصوليات الدينية التي تفعل فعلها في إضعاف المجتمعات العربية وفي تشويه المشروع العربي في مواجهة إسرائيل والغرب.
إذا صح هذا الاستنتاج فعلى سوريا مسؤولية، وهي الدولة الأكثر تأثيراً على السياسات اللبنانية، ولا حاجة للإنكار، أن تتفهّم أولاً أهمية الإصلاح، وأن تفصل بين حاجات الأمن وبين حاجات العمل الوطني ثانياً، وأن تساعد لا أن تكبح قوى التغيير الوطني المدني.
في سوريا اليوم نقاش جدي حول «تجديد الفكر القومي» و«العلاقات اللبنانية السورية» و«العروبة والمستقبل». هذه الموضوعات تتزامن وتترافق مع استعادة سوريا لحيويتها ودورها في العالم العربي.
إذا كانت اليوم قد نجحت في بناء شكل من أشكال «التوازن الاستراتيجي» أو لنقل التوازن الإقليمي ببُعديه السياسي والعسكري من منظور دفاعي، فهي بحاجة إلى المزيد في كل الميادين والاتجاهات. طالما أن لسوريا رأيها ودورها في ما يجري عندنا، وهذا أمر لا ننكره ولا نتنكّر له، فنحن جمهور العمل الوطني العروبي نريده في السياق الطبيعي لمواجهة الأخطار التي تتهدد العروبة من داخلها.
تعاني العروبة من القوى الحاملة لها، من تموضع العروبة في بيئات مغلقة، من انفصال العروبة عن مصادر غذائها السياسي والثقافي المتنوعة، تحتاج العروبة للدفاع عن رحابتها وتمدّنها وانفتاحها، وعن مقاومتها للحصرية والفئوية والعصبوية، ورفض تقهقرها إلى هويات عنصرية أو دينية. لن يخدم لبنان العروبة إذا ظل مشروع سؤال عن وجوده ووحدته. لن يخدمها إذا ظل أسير مشاريع الطوائف المتنازعة على السلطة، ولن يخدمها بالتأكيد إذا فقد ميزاته التاريخية في كونه بلد حرية وتنوع وحوار وديموقراطية وحداثة.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى