صفحات العالم

«إنه الاقتصاد يا …»: مرحلة مصرية – سورية جديدة؟

وحيد عبد المجيد
ربما كان تسيير خط ملاحي منتظم يوم السبت من كل أسبوع بين ميناءي طرطوس والإسكندرية أكثر أهمية من زيارة يقوم بها الرئيس بشار الأسد إلى القاهرة أو شرم الشيخ. وقد بدأ فعلا العمل لإنجاز هذا الخط، الذي تم الاتفاق عليه في اجتماع اللجنة التجارية السورية – المصرية المشتركة في حلب أخيراً، فيما عجز الطرفان عن الاتفاق على كيفية إخراج زيارة كان مقرراً أن يقوم بها الأسد إلى مصر عقب عودة الرئيس حسني مبارك من رحلته العلاجية (في ألمانيا) في أول نيسان (أبريل) الماضي.
كان الأسد قد أشار، خلال مشاركته في قمة سرت العربية أواخر آذار (مارس) الماضي، إلى هذه الزيارة التي أكد مسؤولون مصريون في ذلك الوقت وبعيده أنهم ينتظرون اتمام الاتفاق عليها. ولكن الزيارة لم تحدث، والحديث عنها انحسر.
وإذا كان البلدان لم يخسرا شيئاً من جرَّاء زيارة رئاسية لا تقدم بل قد تؤخر، بسبب الاختلاف في طريقة تفكير الزائر والمُزار وربما أيضاً نوع «الكيمياء» الشخصية بينهما، فهما يكسبان إذا انتظم الخط الملاحي الجديد وساهم في زيادة قيمة التبادل التجاري الذي لا يتجاوز الآن بليوناً ونصف بليون دولار. وهذا هدف يمكن تحقيقه في ضوء الاهتمام الملحوظ الذي يبديه الآن مسؤولون كبار في البلدين بدعم العلاقات التجارية – الاقتصادية، الأمر الذي قد يجعل العام الحالي نقطة تحول في هذه العلاقات.
فهذا عام حافل بالعمل المشترك في القطاع الذي يعتبر هو القاطرة التي تقود العلاقات الثنائية والإقليــمية في العالم كله صوب التحسن والتقدم. فقد عُقــــدت في هذا العام لقاءات عــدة لم تقتصر على مسؤولي الحكومــتين، وكان لرجال الأعمال من الجانبين حضور مميز في ملتقى اســتضافتــه دمشق في منتصف آذار، وشارك فيه وزير التجارة والصناعة المصري الذي كانت زيارته حينئذ – وما زالت – الأرفع لمسؤول مصري إلى سورية منذ أكثر من أربع سنوات.
وحققت هذه الزيارة، وأعمال المنتدى وغيره من اللقاءات، نتائج إيجابية ما كان لزيارة الأسد أن تنجز شيئاً منها. ففي غياب أساس موضوعي للارتقاء بالعلاقات، يصعب التطلع إلى مصالحة حقيقية تضع حداً لتداعيات النفور الذي حدث فيها منذ أن تصاعد الخلاف بين الرياض والقاهرة من ناحية ودمشق من ناحية أخرى في 2005، وبلغ مبلغ الأزمة خلال وبعيد الحرب الإسرائيلية على لبنان في العام التالي. وقد ثبت، بعد تجارب فاشلة ومحبطة مُني بها العمل العربي المشترك على مدى أكثر من ستة عقود، أن غياب المصالح المتبادلة وضعف مقومات العلاقات الاقتصادية التي تخلق هذه المصالح هما موطن الداء ومصدر البلاء.
وتعد العلاقات المصرية – السورية تحديداً دليلا دامغاً على أهمية الروابط الاقتصادية، التي كانت الاستهانة ببعض أهم جوانبها سبباً رئيسياً وراء انهيار وحدة دمَّجت البلدين في دولة واحدة. ولذلك يمكن أن يكون الاهتمام الملحوظ بهذه الروابط الآن بمثابة نقطة تحول إذا أمكن تنفيذ نصف ما اتُفق عليه في اللقاءات والاجتماعات التي حفل بها العام الحالي، وأهمها اجتماع اللجنة التجارية المصرية – السورية المشتركة في حلب الشهر الماضي، والذي تقرر فيه تسيير الخط الملاحي بين طرطوس والإسكندرية. وقد بدأ فعلا تنفيذ هذا القرار.
ويمكن لهذا الخط أن يساهم في نقل البلدين إلى عصر جديد، وليس فقط إلى مرحلة أكثر تقدماً، إذا اقترن تسييره بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في شأن إنشاء مؤسسات مشتركة تكون نواة لتعزيز العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، واضطلاع القطاع الخاص في البلدين بالدور الذي أبدى بعض أقطابه استعدادهم للقيام به خلال اجتماعهم في دمشق، وتسهيل تبادل المنتجات عبر توحيد مواصفات السلع المتبادلة على الجانبين وتوسيع نطاق شهادات المطابقة المعترف بها الآن.
ومؤدى هذه الإجراءات هو التقدم باتجاه اتحاد جمركي قد لا يكون بعيداً إذا أديرت العلاقات في السنوات الخمس المقبلة وفق الذهنية الجديدة التي أحيت الأمل في الارتقاء بها. فالسنوات الخمس القادمة هي الباقية في مشروع الاتحاد الجمركي العربي الذي لم يحقق تقدماً يجعل إنجازه ممكناً في المدى الزمني المحدد وهو نهاية 2015. وعندئذ يمكن أن يحفظ اتحاد جمركي بين البلدين، إلى جانب الاتحاد الجمركي الخليجي، شيئاً من الأمل في امكان تحقيق اتحاد من هذا النوع على المستوى العربي لاحقاً.
وكلما أمكن تحقيق تقدم في وضع بنية أساسية اقتصادية وتجارية للعلاقات المصرية – السورية، يصبح لزيارة يقوم بها رئيس أحد البلدين إلى الآخر معنى وجدوى. وهذا هو السبيل الوحيد لتحسين العلاقات السياسية التي لم يتم «تطبيعها» حتى الآن، بالرغم من إزالة التوتر الذي خيَّم عليها وتراجع النفور الذي اتسمت به لسنوات. ومن دون رافعة اقتصادية – تجارية قوية، قد يكون صعباً التطلع حتى إلى علاقات سياسية عادية ناهيك عن أحلام استعادة الطابع الخاص الذي تميزت به والــدفء الذي ظلّلها، وخصوصاً عندما جمع الدولتين والسعودية تقارب أتاح لثلاثتها القيام بدور محور الارتكاز للنظام العربي الرسمي أوائل سبعينات القرن الماضي ثم في عقده الأخير.
كانت العلاقات المصرية – السورية في أفضل أحوالها، على مر تاريخها، في هاتين الفترتين اللتين فصلتهما قطيعة كامب ديفيد لأكثر من عشر سنوات. وكان التدهور خلال سنوات القطيعة هذه أشد وطأة مما حدث بينهما في السنوات الأخيرة منذ 2005. وربما لهذا السبب، يعتقد كثير من المراقبين في أن زيارة رئاسية سورية ستحقق مصالحة على النحو الذي حدث في 1989.
غير أن هذا الحلم يصطدم باختلاف جوهري بين واقع المنطقة الآن وما كان قبل عقدين من الزمن. فقد ارتبط تدهور العلاقات المصرية السورية في السنوات الأخيرة بتغير دراماتيكي نوعي في المنطقة وتفاعلاتها، بخلاف ما حدث في ثمانينات القرن الماضي. فالتحول الكبير الوحيد الذي حدث في ذلك العقد كان في سياسة مصر تجاه إسرائيل. أما تحولات السنوات الأخيرة التي بدأت بتغيير العراق وانكماش العرب وتوسع نفوذ إيران ثم دور تركيا، ولم تنته بعد، فتضع المنطقة على أعتاب مرحلة جديدة تماماً تختلف عما كانت عليه منذ الحرب العالمية الثانية.
ولذلك يبدو الاتجاه إلى بناء روابط اقتصادية وتجارية على الأرض، عبر الخطوات التي اتُخذت في الأشهر الأخيرة، السبيل الذي لا بديل عنه لتحسين العلاقات المصرية – السورية. إنه الاقتصاد، وليس غيره، الذي يمكن أن يطوي صفحة التدهور الذي حدث في هذه العلاقات في السنوات الأخيرة.
الحياة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى