صفحات مختارةياسين الحاج صالح

هوامش مناورة.. الولاء كنظام وكعلاقة سياسية

null
ياسين الحاج صالح
أن يتيح التجزؤ الاجتماعي ونقص التشكل الوطني في بلداننا هامشَ مناورةٍ واسعا لنخب السلطة فيها، أمرٌ لا يصعب تبيّنه. فإذا كان السكان منقسمين على أنفسهم،

فسيوفر ذلك بيئة مناسبة من أجل التلاعب بهم وتخويفهم من بعضهم، وضمان أن يكون المركز الاستبدادي مرجعا أعلى حصريا لتفاعلاتهم، يُفرِّق عليهم الأمان مقابل اشتراكهم في الولاء له.
وإذ يمنح المركز الاستبدادي أولوية عليا لأمنه ودوامه، يُرجّح له أن يغذي أزمة الثقة بين رعاياه بما يبقى الطلب عاليا عليه، فيرفع من شأنه ويعزز مكانته.
وفي المحصلة، من الوارد جدا في شروط كهذه أن تمر إعادة إنتاج السلطة العمومية عبر إعادة إنتاج التمزق الاجتماعي وفق منطق “فرّق تسد”، وليس العكس؛ بحيث تغدو “الدولة” الجهة الكافلة لدوام التجزؤ الاجتماعي، وليس بحال العاملة على صنع شعب أو بناء أمة مكونة من مواطنين أفراد.
ولا تستطيع “الدولة” التي جعلت من الحكم المؤبد أولويتها العليا أن تحقق هذه الأولوية دون أن استخدام واسع ومنظم إلى العنف. بل دون أن تكون عنيفة جوهريا، الأمر الذي لا يعني اللجوء المتواتر إلى العنف، بل الاعتماد الدائم عليه، وممانعة الانضباط بقوانين أو قواعد مطردة لتنظيم العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، وضرورة أن ينغرس في أذهان الأخيرين بكل السبل أن “الدولة” قادرة على الذهاب بعيدا جدا في ضرب خصومها وسحق أي اعتراض عليها. تتكفل بذلك أجهزة مختصة، اسمها عادة هو أجهزة الأمن، لكنه وظيفتها هي صنع الخوف وتوزيعه ونشره على العموم.
وعدا كونه وسيلة تأمين جوهرية للنظام، فإن العنف بذاته وسيلة تفريق. حيث ينتشر في الفضاء العام يحمل معه الخوف، فتتدنى ثقة الناس ببعضهم، وتتقاصر روابطهم الجامعة، ما يدفعهم إلى الانكفاء على الحياة الخاصة.
ويبدو حال “الدولة” التي تتمحور سياستها حول تفريق محكوميها محققا في محيطنا. لا نعرف دولة عربية تنضبط سياستها المحلية بعملية بناء وطني متسقة (أو غير متسقة)، فتضع قواعد عامة وتطبقها، وتتعامل مع السكان كأفراد متساوين. بالعكس، تتوفر لدينا أمثلة كثيرة على أن الأولوية المطلقة هي لدوام المركز السلطوي في كل منها، وعلى ممارسة عنف واسع لحماية هذه الأولوية. وهو ما يتساوق في جميع الحالات مع إمعان المجتمعات المحكومة بالتجزؤ، وعلى تعميم علاقات المحسوبية والتمييز متعدد المستويات بين السكان، بما في ذلك ما يندرج تحت عنوان الطائفية والقبلية. ثمة منطق متماسك وراء ذلك: من شأن بنية وطنية متماسكة أن تكون أصعب قيادا على مركز سلطوي طامح للخلود من بنية مفككة توفر هامشا مريحا من المناورة والتلاعب بالمحكومين.
1
غير أن وجه سياسة المناورة هذا الذي يبقي المجتمع المحكوم أسير تمزقات موروثة أو مستحدثة معروف أو لا يصعب التدليل عليه. ثمة وجه آخر لسياسة المناورة، يستفيد ممارسوه من عبودية نخبة الحكم لسلطتها أو من إدمانها على الحكم. وهناك جهتان مختلفتان كليا تنتفعان من هوامش المناورة التي توفرها عبودية السلطة هذه: طيف متنوع من المحكومين الذين يقدمون للنظام ما يريد من ولاء وأكثر، مقابل حرية أوسع لهم في فعل ما يعود عليهم بمنافع شتى؛ ثم عموم الدول الأخرى، الأقوى منها بخاصة، التي تعرف أن ما يريده حكام بلداننا هو سلطتهم الأبدية، وأنها إن تفهمت أولويتهم هذه وتعاونت معهم لتحقيقها، حق لها أن تتوقع منهم عرفانا بالجميل، وصار بمكنتها توقع مراعاة تفضيلية لمصالحها، بما فيها ما لا تمر في بلدان أخرى. هذا ظاهر اليوم، بخاصة في مصر التي حدّ تطلع نظام مبارك إلى توريث الابن سلطان أبيه العجوز من قدرتها على التصرف المستقل حيال أميركا وإسرائيل، فأتاح للأخيرة هامشا واسعا للتصرف بما يناسبها في الإقليم ككل، وبما يلحق الأذى بمصالح مصر الوطنية ذاتها، وبموقعها في إقليمها، وبصورتها في عين شعبها والعرب من حولها، والعالم ككل. على أن الأمر ينطبق على دولنا جميعا، وهو ممأسس وراسخ في دول الخليج، ويمنح الولايات المتحدة دالة كبرى عليها لذلك بالذات. غير أن أكثر من يعرف دين نظمنا هذا هو إسرائيل، وهي تُسرُّ به لأنه يسهل عليها الحساب ولا ينذر بتغيرات غير متوقعة تقتضي منها تكيفا جديدا وحسابات شاقة جديدة. وكيف لا يبتهج القلب الإسرائيلي حين يكون مستقبلنا مثل ماضينا مثل حاضرنا! ولن ينقص من بهجته أن يسمى هذا الدوام المبتذل صمودا!
على أن هذه المقالة ستقتصر على تناول الوجه الأول من سياسة المناورة.
2
الملاحظة المتواترة تظهر تناسبا طرديا بين التشدد الحكومي في طلب الولاء وبين انتشار “الفساد” في بلداننا. الأشد ولاء بيننا لنخب السلطة هم الأكثر فسادا وانتهاكا للقوانين وتسخيرا للمواقع والوظائف العامة لمصالحهم الخاصة. قد يتوقع المرء أن الموالين يعتبرون الدولة دولتهم، فيمتنعون عن نهبها بالصورة الفاجرة التي تلحظ لدينا، بينما يتولى النهب بالأحرى من يشعرون بالغربة عن الدولة، أو من يخاصمونها. لكن ليس هذا واقع الحال. فكرة الدولة العامة غربية على الكبار قبل الجميع. بلى، يعتبرون الدولة دولتهم، لكن فقط بمعنى نوبتهم في الاستئثار بالسلطة العامة والموارد العامة، وتوجيهها بما يناسبهم. المبدأ الأساس على هذا المستوى هو إطالة أمد النوبة “إلى الأبد”. وهو ما يقتضي تأمين ولاء واسع لـ”الدولة”، لا يُضمن هو ذاته دون أوضاع تفاضلية للموالين، أو تمتعهم بمساحات تحرك آمنة أوسع من غيرهم. ومن هذا الباب يمنح النظام أركانه امتيازات صريحة متنوعة. أما عموم الأعوان والموالين فيطورون مع الزمن معرفة طيبة بـ”القانون الأساسي”، يجنون منها ثمرات طيبة. ما هو المطلوب؟ “الولاء المطلق”؟ التعبير عنه في كل المناسبات؟ المزايدة فيه؟ “غالي والطلب رخيص”! يبذلون ولاء غير منقوص فعلا، ويعرضونه حيث يلزم. يثبِّتهم عليه أن رأوا مرارا حرمانات غير الموالين، وما يلحق المعارضين من تنكيل وتنكيد عيش.
ولاؤهم يمنحهم نفاذا مميزا إلى ما في متناولهم من موارد عامة، أو إلى مواقع تدر ريوعا ومكاسب كبيرة نسبيا، يميل المركز السلطوي إلى التغافل عنها طالما هي مندرجة ضمن منطق استمرار البنية ككل. وكلما كانت المكاسب المحتملة أكبر أظهروا ولاء أشد. من جهة لإخراس أي شكوك أو مساءلات محتملة، ومن جهة ثانية لأنهم يطورون بالفعل عاطفة قلبية قوية حيال الأوضاع التي تضمن لهم هذا القدر من النفوذ والثراء والعز. والشيء الذي يضمن مزيدا من إبعاد الشكوك ومزيدا من المكاسب في آن ليس إلا المزيد من الولاء. بصورة عامة، المزيد من الولاء يمنح المزيد من الحرية حيال الدولة والموارد العامة، والمزيد من النفوذ والسلطة مقارنة مع الأقل ولاء.
لكن “سوق” الولاء ليست حرة تماما. يطلب النظام ولاء الجميع، لكنه لا يكافئ المتساوين في الولاء مكافآت متساوية. يدخل في الحساب أهليات الموالين، أحسابهم وأنسابهم، وسجلات سوابقهم وأسبقياتهم. يشغل رأس السلسلة، بل الشبكة، الولائية الموالون الأكثر نفوذا في بيئاتهم الخاصة، أي الذين يستطيعون أن يكونوا مستقلين. وفي أسفلها عموم الموالين الذي لا عزوة لهم، والذين يعتمدون على النظام في كل شيء.
يدخل في الحساب أيضا اختلاف الأزمنة. في أوقات الأزمات، يرتفع طلب المركز السلطوي على الولاء (ولاء القادرين على أن لا يكونوا موالين بخاصة) فيرتفع سعر هذا، بينما يتدنى في أوقات الرخاء.
بالمقابل، لا يمنح الموالون ولاءهم دون ممانعة أو دون تفاوض، وهو ليس مضمونا دوما. الولاء العزيز، ولاء الوجهاء وما يعادلهم، يقابل بمكافآت أكبر وامتيازات أكبر وإعفاءات أكبر. لكن ما من ولاء مبذول بحيث يفقد أية قيمة. ولا أحد يمنح ولاءه مجانا. سنشير لاحقا إلى أن “الولاء” فاعلية أكثر إيجابية مما يبدو، أو أنه “سياسة” لا تخلو من مبادرة وتدبّر و”عقلانية”.
3
لكن من أين يحتمل أن يكون بعض الموالين موضع شك؟ من تفاوت المكاسب، أو من تفاوت المواقع ضمن الشبكة الولائية، وبخاصة حين يتجاوز قائمون على بعض المواقع النافذة مقتضيات إعادة إنتاج النظام ككل. هنا يظهر النظام شراسة حقيقية، يحرص على إخراجها بمظهر الحرص على الدولة العامة. في واقع الأمر يحركه الحرص على أمان وسلامة “الدولة الخاصة”، أي على نفسه ودوامه. إعادة إنتاج النظام الولائي (= الدولة الخاصة) تقتضي دوام الدولة العامة بوصفها حاملا له، لنوبة الحكم التي تبقى نوبة مهما طالت.
في هذا المساق، نلمس تناقضا لا حل له في موقف الدولة الخاصة من الدولة العامة. من ناحية لا تكف عن تسخيرها لمصالحها الخاصة وإقطاعها لمحاسيبها ومواليها، ومن ناحية ثانية ينبغي مساعدة الدولة العامة على البقاء كي تُسخّر وتُقطع وتُحلب. لا تستطيع الدولة الخاصة الانضباط بمنطق الدولة العامة دون أن تلغي ذاتها، ولا تستطيع تقاسم الدولة العامة بين أعوانها ومواليها دون أن تقوض حاملها العام، فتفتح بابا لمنازعات لا تنتهي بينهم. إن إيديولوجيتها المشرعة قائمة على تغذية اللبس بين الدولتين، على أن الدولة الخاصة هي الدولة العامة، أو على أن الدولة العامة لا تطابق نفسها فعلا إلا حين تتشكل في صورة هذه الدولة الخاصة.
لكن المحصلة العملية هي بقاء الدولة العامة مكسورة الظهر، لا تنهض ولا تتقدم، ولا تموت.
فإذا كان القانون الحديدي للنظام الولائي الصرف هو ترقي الأسوأ (لأن الأدنى كفاءة هم عموما الأشد ولاء، والأحظى بفرص الترقي)، فإن الوجه الآخر لهذا القانون هو انحدار الدولة العامة (هذه تتطلب أعلى الكفاءات، لكن الكفاءات الأعلى تُطرد لكونها أكثر استقلالية وأقل ولاء).
نتكلم على نظام ولائي صرف، يعتمد على الولاء حصرا ولا يقبل بأية هوامش استقلالية، لنميزه عن نظام ولائي ممزوج، يقبل بدرجة من الاستقلالية عنه لكن ضمن إطار الولاء العام له. ويبدو لنا أن الاتجاه العام لتطور النظام السياسي في سورية هو نحو الولاء الممزوج، بعد أن كان يعتمد على الولاء الصرف في عهده السابق. لكن الفارق يبقى محدودا.
ويقع على النواة الصلبة للدولة الخاصة وضع السياسات التي تضمن إبقاء الدولة العامة حية، لكن دون كيان مستقل. أما هوامش المناورة التي يتيحها الولاء لعموم الموالين، فيلزم أن تنضبط بهذه السياسة العليا.
وازدواج أو تناقض موقف النظام الولائي من الدولة (= الدولة الخاصة من الدولة العامة) يظهر بأجلى صورة في حملات “مكافحة الفساد”. يذهب ضحية هذه الحملات بعض الصغار، وربما المتوسطين، وفي حالات نادرة مقربين تجاوز جشعهم الحد الذي يهدد بقاء الدولة كحامل للنظام. بنية النظام الولائي لا تمس. والفشل الدائم لحملات مكافحة الفساد مترتب على أن الفساد ليس خروجا على منطق النظام الولائي بل هو نتاجه المحتوم، إن لم نقل تطبيقه الأمين.
وهو ما يعني أن “مكافحة الفساد” لا تثمر إلا بقدر ما توضع في سياق تغيير النظام ككل، أو تحرير الدولة العامة من الدولة الخاصة، وتغيير الأولوية العليا من حماية الدولة الخاصة ودوامها إلى حماية الدولة العامة وتحويل الدولة الخاصة إلى وظيفة حكم مؤقتة.
4
مهم أن نشير هنا إلى أن جانبا غير ضئيل من هامش المناورة هذه تستفيد منه شرائح دنيا في السلم الاجتماعي. تلتزم بـ”القانون الأساسي”، وتبرع في استعراض طقوسه، ضمانا لمصالحها المشروعة التي لا تتيسر دون مزايدة في الولاء، وسعيا وراء توسعة فرصها الحياتية. تتحايل هذه الشرائح الاجتماعية بمرونة على عبودية النظام لإدمانه السلطوي أو جموده على دينه هذا. مرونتها تتناسب مع بؤس وضعها. ليس لديها ما تخسر ببذل الولاء المطلوب، إن بدا ذلك واعدا. تمنح القوي المدمن ما يريد كي تظفر منه بما تريد. وما تريد متواضع، لكنه حيوي: إقرار وضع مخالف (سكن، “سرقة” خدمات عامة، كوة مكاسب صغيرة..)، فرصة وصول إلى نافذين في “الدولة الخاصة” تمنح الواصلين أمنا وميزة حيال غيرهم، حماية من خصم أقوى، حصول على وظيفة تدر دخلا ثابتا أو إعفاء من إلزام شاق، .. المزايدة في الولاء هنا هي بمثابة إتقان للعبة لا يحيل إلى إخلاص حقيقي للنظام. يشعر الضعفاء أنهم قد يداسون بأقدام الأقوياء إن لم يبالغوا في التظاهر بالإيمان بالأقوى (ربّ الحكم)، الذي لا يطالونه على كل حال. ولاؤهم تحيل للعيش ضمن نظام لا يحس بهم، ويشعرون بالغربة فيه. يسهل عليهم ذلك أن النظام لا يطلب “إخلاصا حقيقيا”، يكفيه الولاء المعلن شرط عدم الانخراط في أية أنشطة ضده.
لكن ليست حال الأشد حرمانا غير حالة قصوى تكشف ما ألمحنا إليه فوق من الطابع المركب و”التعاقدي” والإيجابي للولاء، بما في ذلك ولاء المتوسطين والكبار. ليس هذا تبعية سلبية، وليس حبا أفلاطونيا، ولا هو خوف صرف؛ إنه منفعة متبادلة وخيار “عقلاني”. لا يتردد في بذل الولاء من يجنون منه تسهيلات متنوعة. ولا ينال النظام ولاء واسعا ومستمرا إلا بقدر ما يوفر من منافع فعلية. فإن طال غياب المنافع انحسر الولاء، وسار في طريق التلاشي. والقصد أن النظام أو الدولة الخاصة مقيد بهذا الضرب من “العقد الاجتماعي”، بقدر لا تتيح لنا رؤيته تصوراتنا الشائعة عن “القمع” و”الاستبداد”. فإن استهترت الدولة الخاصة بهذا العقد، وقفت على ساق القمع وحدها، وكانت بالتالي أقل توازنا وأكثر عرضة للسقوط.
5
على أن ساحة المناورة الواسعة التي يفتحها النظام الولائي أمام السكان مقابل تبعيتهم السياسة لا تقتصر على “الفساد”. من وجوهها التي تلحظ أكثر فأكثر اختراق واسع من قبل الروابط والعلاقات الأهلية للدولة العامة. على ظهر الولاء الذي مُنح قيمة مطلقة يمر الإخوة و”الحبايب” وذوي القرابة وأهل المحلة والإخوة في الدين وأبناء العشيرة. يمرون إلى الوظيفة العامة، وإلى منافذ الإثراء “المستقلة”، وحتى إلى المناصب السياسية المؤثرة. تتشكل ما تشبه إقطاعات موزعة أهليا في أجهزة الحكم العامة والمحلية. وتورث.
نريد أن الولاء ليس مصدر مكاسب مادية، بل هو أكثر مصدر علاقات استتباعية. وهو كذلك حين يكون ممزوجا، يتقبل درجة من استقلال الموالين، أكثر حتى مما حين يكون صرفا. هذا لأن صيغة الاستقلالية المفضلة هي تلك التي تعتمد على الأعيان والنافذين في أوساطهم الخاصة، وليس على الكفاءة الفردية.
تعمل هذه الظاهرة كمضخة قوية للعلاقات الأهلية في الدولة والمجتمع. بعيدا عن الدولة التنظمياتية التي تخترق المجتمع وتشكله من أفراد على ما اعتقد عزيز العظمة، نحن حيال دولة عرفية خاصة، تعشش فيها روابط وعلاقات أهلية، تشكلت على صورة النظام الولائي ومثاله.
6
ثلاث ملحوظات، ختاما.
1. نرتب على مجمل هذا التناول أن “الدولة الخاصة”، النظام أو “السلطة”، ليست الطرف المبادر دوما والحصري في السياسة وإدارة الناس وتحريكهم. هؤلاء يتعلمون دينها وقوانينها ومحرماتها وحساسياتها، ويتعرفون على مواقع قوتها ونقاط عماها، فيتفادون أية مواجهة مباشرة لها، ويتفنون في مناورتها والتلاعب بأجهزتها ومداورة قواعدها والتحايل على قوانينها، وفي المحصلة يحوزون مبادرة سياسية خاصة بهم، ويوسعون هوامش حركتهم وتصرفهم المستقل. يسوس عموم الناس “النظام” النازع للسياسة على نحو ما يسوسهم هو. لا ينازعونه سياسته كي يمكنهم أن يمارسوا سياستهم هم.
2. لا تقول هذه المقالة شيئا عن تشكل المركز السياسي، أو النواة الصلبة للدولة الخاصة، وهي التي تتولى السياسة العليا الموجهة نحو بقاء النظام. هذه تتكون أساسا بالحرب وبالحب، بالعنف السائل أو السهل التسييل وبالالتحام (أو “العصبية”). القوة تخيف وتمزق وتفرق، والحب يوحد ويلحم. فإذا كانت السياسة وسطا بين العنف المنفلت (حيث السياسة غير ممكنة) وبين الحب الخالص (السياسة غير لازمة)، كان المركز السياسي مزيجا مكثفا منهما معا. لذلك حين ينهار المركز، تتفكك السياسة إلى عنف حربي منتشر، وإلى حب جزئي خاص.
3. نميز، ختاما، بين آليتين وسياستين للنظام: آلية تكون النواة الصلبة، وهي الحب والحرب كما قلنا، وآلية إكساء هذه النواة وحجبها عن الأنظار، وهي تقوم على الولاء و”السياسة”. وعليه فإن الكلام على نظام ولائي كما قلنا في المتن هو بمثابة وصف النظام بآليات عمله، لا بعمليات تكونه.
وهناك سياستان أيضا. سياسة كبرى تحتكرها النواة الصلبة للدولة الخاصة، وسياسة صغرى موزعة اجتماعيا، ويحصل أن يحوز عموم الموالين دورا مبادرا فيها.
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى