صفحات العالمميشيل كيلو

العراق: منعطف حاسم

ميشيل كيلو
يبدو العراق كأنه دخل نفقاً مسدوداً لا يعرف كيف يخرج منه . ويبدو حال الاستعصاء شاملاً بكل معنى الكلمة، فالحكومة لا تريد أن تتشكل، والبرلمان لا يريد أن يقوم بدوره، والأحزاب لا ترى قواسم مشتركة تجمعها ومهام وطنية واحدة تجمعها، والأمريكيون لا يريدون البقاء في العراق، ولا يعتزمون مغادرته في آن معاً، والمقاومة لا تضعف إلى حد التلاشي ولا تقوى إلى درجة الحسم، والسلام غائب حاضر، والقتل في كل مكان والحياة معطلة والخدمات معدومة، والقوى الإقليمية والعربية لا تتدخل بدرجة تكفي لإخراج البلاد من مأزقها، ولا تحجم عن التدخل فتمكنها من أن تبارحه بمفردها، والذي انتصر في الانتخابات يفتقر إلى القدرة على استثمار انتصاره، وغير المنتصر قادر على التمسك بالسلطة من دون أن يستطيع أحد إزاحته منها، والرئيس يمارس صلاحياته رغم انتهاء ولايته، والشمال في يد والجنوب في أخرى، بينما الوسط بين أيد كثيرة لا يعرف كنهها غير الله .
والعراق: عز العرب وسندهم وقائدهم السياسي والحضاري طيلة قرون تائه لا يعرف إلى أين تسوقه أقداره، ولا يدري إن كان سيظل موحداً أم سيقسم؟ سيستعيد استقلاله أم سيبقى محتلاً من الأمريكيين، وبعد جلائهم المفترض من غيرهم، مع أن شعبه المغلوب على أمره يعي تماماً ما تعرّض له من ظلم على أيدي الأجانب والغرباء، وكذلك على أيدي أبنائه الذين وعدوه بالخلاص من حكم متسلط، ثم تسلطوا عليه بأشد مما تسلط، وأذاقوه من ضروب الذل ما لم يعرفه في ماضيه القريب والبعيد، بعد أن وضع بعضهم أيديهم على السلطة باسم الديمقراطية وحرية الانتخاب، ثم اكتشف أن هؤلاء جوفوها وأفرغوها من أي مضمون حقيقي، وجعلوها مطية يركبها أتباعهم وأنصارهم، الذين يعطلون منذ الانتخابات الأخيرة في أوائل مارس/ آذار الماضي العمل الحكومي والوطني، ويجعلون من الصعب الحديث بعد ذلك التاريخ عن دولة عراقية أو دولة للعراق، حتى عَم الخوف من ألا تكون الدولة ممكنة القيام في أمد قريب، وألا تكون لجميع العراقيين، مع أنهم لطالما تشوقوا إليها، واعتبروا وجودها أعظم وأول أدلة وعلامات الديمقراطية والحرية، وأكثر مستلزمات الوطنية والعدالة والتقدم الاجتماعي أهمية .
والمصيبة أن العراق يعاني ما يعانيه وسط تجاهل عربي مخيف، كأن مصيره قد تقرر فعلاً، فلا يجد عربي في نفسه الجرأة على مدّ يد العون إليه، وإلا ناله هو أيضاً شيء من الأذى الذي يلحق به، ووجد نفسه في مواجهة غير متكافئة وظالمة مع القوى التي تفيد من احتجاز أوضاعه المفتوحة على أسوأ الاحتمالات، بينما يبدو العالم الخارجي، غير العربي، كأنه يتحين فرصة يعرف تماماً أنها قادمة، ويعلم تمام العلم طبيعتها، وحصته منها، فليس له بدوره أية مصلحة في تعويقها أو تعطيل قدومها، ومثله تفعل الهيئات والمنظمات الدولية، التي تعتبر أن العراق ليس من مسؤوليتها، وأنها ليست معنية بمصيره الخاضع لحسابات تتخطى وظائفها ودورها، حسابات لا تنتمي إلى حال عالمي سائد بل إلى حال مختلف، ليس العراق فيها بلداً موحداً ويرتبط بعلاقات دولية طبيعية أو عادية مع الدول الأخرى، وإنما هو ساحة تحسم فيه صراعات سيتعين بنتائجها مآل ومصير بقية الدول، القريبة والبعيدة منه، فليس لدى الهيئات والمنظمات الدولية ما تفعله من أجله غير الابتعاد عن مناطحة الثيران القاتلة، الدائرة عليه وفيه بين قوى وكتل متأهبة لأكثر أشكال الصراع دموية وحسماً .
بقول آخر: يكشف موقف العرب أزمة وأحوال القوى العراقية، وأوضاع الدول العربية وقدراتها، وطابع الصراعات الإقليمية والدولية الدائرة على أرض الرافدين، ومن خلالها على مستقبل المنطقة وربما العالم . إن ما يحدث فيه يتخطى حدوده، لأنه يراد له أن يقرر نمط النظام الإقليمي والدولي الذي سينجم عن الصراع عليه . لذلك يتوهم محب أمته من العرب أن مصيره ما كان يجب أن يترك للقوى الخارجية، أياً كان اسمها، وأن قواه الداخلية كان يجب أن تستميت في سبيل إخراجه من اللعبة الخطيرة، التي تطيح بدولته ومجتمعه، وتغير في أقل تقدير دوره التاريخي عربياً وإقليمياً، وأنه كان يجب على العرب المسارعة إلى تعاون فعال في ما بينهم يمكنه من الانخراط بإطار قومي يساعده على بلورة حل وطني شامل لمأزقه، فيه خروجه المؤكد من الحاضنة الأمريكية إلى الحاضنة العربية، التي كان يجب إيجادها من أجله، بعيداً عن خلافات العرب، بما أن ما يحدث على أرضه ومن حوله سيحدث عندهم غداً، ولأن دفاع النظام العربي عن نفسه في العراق هو أفضل وسيلة للنجاة بجلده، على أن يتكامل الحل الداخلي / العربي باعتباره بديل الحل الأمريكي/ الإقليمي، الذي جعل احتجاز أوضاعه واستعصاءها المدخل إلى الوضع المطلوب، الذي لن يكون فيه للعراق أو للعرب أية قدرة على منع تحقيق مشاريع الصهيونية في العراق، التي تحدث عنها محمد حسنين هيكل عام ،1995 وتتلخص في تهجير الفلسطينيين، كل الفلسطينيين، من وطنهم إليه، لتصير فلسطين من النهر إلى البحر أرضاً لليهود وحدهم، وتنشأ حالة سياسية تضم “إسرائيل” إلى فيدرالية ولايات عراقية  أردنية تسيطر تل أبيب عليها، بينما يتم تمزيق المشرق العربي إلى مزق صغيرة هي أقرب إلى مراكز المافيا منها إلى الدول، تهيمن عليها “إسرائيل” في الغرب، وقوى لا يستطيع أحد اليوم التكهن بهويتها في الشرق، بما أن مصير ودور إيران الحالية سيرتبطان بالنتائج التي ستتمخض عن الأوضاع العربية الجديدة .
تحول العراق، منذ الاحتلال الأمريكي، إلى مختبر تنضج داخله خطط وتختبر قدرات الأطراف الدولية والإقليمية والعربية المنخرطة به . وهو ينتقل منذ انتخابات مارس/ آذار الماضي بسرعة تخطف الأبصار إلى لحظة حسم تفسر الاستعصاء القائم في أوضاعه، وتؤكد أن ما حدث فيه إلى اليوم ليس غير مقدمة وحسب لما سيؤول إليه وضعه ووضع المنطقة من حوله، وربما وضع العلاقات الدولية برمتها، إلا إذا صدّقنا أكاذيب أمريكا حول انسحابها منه نهاية العام المقبل وقد دحضها رئيس أركان حرب قواتها المشتركة الأميرال مايك مولن قبل أيام، حين قال إن قواته “قد لا تنسحب من العراق وأفغانستان قبل عشرة أعوام” . وأقاويل من يعتقدون أنها هزمت وستترك الساحة لهم ليفعلوا فيها ما يريدون .
لتبق أعيننا على العراق، فما يرتسم هناك اليوم ليس فقط المرحلة الثانية من خطة تاريخية طويلة الأمد ل”فلسطنة” منطقة هي قلب الوطن العربي، بل هو كذلك العتبة المباشرة لإعادة إنتاج مشرق لن يكون له من العرب والعروبة حتى اسمه .
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى