صبحي حديديصفحات سورية

وارحمتا لمحمود الزعبي!

null
صبحي حديدي
يتذكر السوريون أنّ سلسلة عمليات التأهيل والتحضير المنهجية، التي ترافقت مع سيرورة تصعيد شخصية بشار الأسد لوراثة النظام من أبيه حافظ الأسد، بدأت بما عُرف باسم ‘حملة مكافحة الفساد’؛ وأنّ هذه، تحديداً، سرعان ما طواها النسيان التام، بل انفلت الفساد من كلّ عقال، واكتسب صيغة سرطانية، بعد أشهر معدودات أعقبت مهزلة الإستفتاء الرئاسي وأداء القسم، في 17 تموز (يوليو) 2000. ولعلّ من واجب السوريين أن يتذكروا، أيضاً، وفي هذه الأيام بالذات، واقعة انتحار رئيس الوزراء الأسبق محمود الزعبي، أواخر أيار (مايو)، قبيل أيام من وفاة الأسد الأب.
وكان الزعبي رئيس الوزراء الأطول عهداً في تاريخ سورية (منذ 1/11/1987، وحتى 7/3/2000، حين أُجبر على تقديم استقالته في غمرة حملة مكثفة من التأثيم الشامل، لم تكن لها سابقة في تاريخ ‘الحركة التصحيحية’). ولقد اختار الزعبي طلقة رصاص واحدة لكي يقطع الإسترسال المرسوم لخطط ‘حملة مكافحة الفساد’ تلك، ونجح في إسدال ستار من نوع خاصّ تماماً ـ مبكّر، وصاعق، ومفاجىء، وعنيف ـ على فصول مسرحية ميلودرامية أُريد له أن يكون بطلها. ولقد قرّر الإنفكاك السريع عن أداء دور أمثولة التطهير التي اختارها له رفاقه في قيادة حزب البعث الحاكم، والأجهزة الامنية في الكواليس، فاختار الطلقة المناسبة، في التوقيت المناسب.
وفي يقيني الشخصي كان انتحار الزعبي ـ المعروف بصفات الطواعية، والضعف، والتبعية ـ بمثابة فعل انعتاق وفعل انتقام، في آن معاً. ذلك لأنّ الرجل، وقد اتُهم بـ’ممارسات وارتكابات وسلوكية وسوء ائتمان، تتعارض مع قيم الحزب وأخلاقيته ومبادئه وتشكّل خرقاً للقانون وتسبّب أضراراً فادحة بسمعة الحزب والدولة والإقتصاد الوطني’ كما جاء في بيان القيادة القطرية لحزب البعث، أقدم على ما لم يتجرأ على فعله عشرات المسؤولين السوريين الذين أُبعدوا عن السلطة منذ عام 1970، لأسباب ليست أقلّ ‘وجاهة’ من تلك التي ساقتها الحملة المنظمة ضدّ الزعبي. وحين أطلق رصاصة الرحمة، كان على الأرجح يذكّر الجميع بحقيقة كبرى، وحيدة مثل تلك الطلقة، ختامية مثلها: إراقة الدماء، دمائه هو، ليست مثل إراقة ماء الوجه، وجوههم هم!
كذلك كان الانتحار فعل انتقام، لأنّ الزعبي شاء أن يرشق دماءه على وجوه رفاقه وحلفائه الذين فقدوا الوفاء كلّ الوفاء، والحياء كلّ الحياء، فأفردوه إفراد البعير المعبّد، هم الذين كانوا شركاءه في كلّ شيء: من تصريف السياسة اليومية، إلى التمثيل على المسرح اليومي، مروراً بممارسة مختلف أنساق الفساد اليومية. وانتحاره على ذلك النحو فرض، بقوّة المنطق البسيط، مصداقية طرح السؤال العتيق: نحروه، أم انتحر؟ وما تداوله الشارع السوري من إجابات، في تلك الأيّام، لم يكن يترك كبير فرق بين طرفَيْ السؤال، لكنه في الآن ذاته لم يطوّر أمراً قدر تطوير ردّ الفعل الأعمّ: السخرية من زيف المسرح، وركاكة المسرحية.
وفي جانب كبير من فعل الإنعتاق كان الزعبي أشبه بمَنْ يحاكم نفسه، في سياق محاكمة مرحلة بأسرها، تبوأ خلالها أرفع المناصب (رئاسة مجلس الشعب طيلة سبع سنوات، قبل رئاسة الوزارة)، دون أن يتبوأ الكثير من الصلاحيات الفعلية في الواقع. كان يحاكم نفسه، ويصدر الحكم القاتل، وينفّذ أيضاً! فمَن الذي يجرؤ على القول بأنّ الرجل كان جزيرة فساد منعزلة، في محيط من الطهارة؟ وكيف لا تُرى دماء الزعبي على معظم الوجوه التي سارت معه، أو سيّرته وشاركته وباركت سلوكه على امتداد ثلاثة عقود من صعوده السريع المدهش، ومحاقه الأسرع والأكثر إدهاشاً؟ ومَن ذا الذي كان منهم بلا خطيئة، أو عشرات الخطايا، لكي يرجمه بحجارة الفساد؟
والحال أنّ الزعبي قوّض المسرح على رؤوس الجميع: مؤلّفين كانوا، أم مخرجين، أم نظارة. لا منجاة، بعد انتحاره، من ولادة عشرات النصوص البديلة عن النصّ الأمّ الذي كان متن المسرحية، فيحلّ فاسد جديد محلّ فاسد قديم، دون أن تتبدّل معطيات المشهد؛ ولا شيء سيمنع النظارة من احتلال موقع المؤلّفين، واستبدال الشخوص هنا وهناك، بالستارة مفتوحة أو مسدلة، في الكواليس والأروقة والشوارع. مات الفاسد المعلَن الذاهب! عاش الفاسدون المقنّعون الآتون! والمعادلة لم تكن تحتاج إلى كبير عناء، فالنظارة متعطشون إلى نزع الأقنعة، والمقنّعون كُثُر كما برهنت الأيام التالية!
وهكذا فإنّ ‘حملة مكافحة الفساد’ ذهبت أدراج الرياح لأنّ بديل الزعبي، محمد مصطفى ميرو، سوف يخوض في الوحول ذاتها، وسيُطاح به دون تشهير أو تأثيم هذه المرّة، ودون اضطرار إلى الإنتحار بالطبع. فاللاعبون الجدد في مافيات الفساد لم يعودوا بحاجة إلى أيّ مسرح أو مَسْرَحة، بعد أن أحكموا قبضة الإستبداد على مقدّرات بلد كان جمهورية، ثمّ صار مزرعة ‘جمهراثية’، تورّث الحكم من الأب إلى الابن، والـ’بزنس’ من الخال إلى ابن الخال!
وفي استعراض العقد الأوّل من حكم بشار الأسد، ألا تتجلى بعض كبرى المفارقات في أنّ المرء يترحم على فساد الزعبي، مقارنة بما فعل ويفعل بعده ذئاب النهب الكواسر، مصاصو دماء سورية المعاصرة، آكلو لحم أبنائها؟ وأيّ عقد هذا الذي بدأ بمسرحية مكافحة الفساد، وانتهى إلى وجود النظام في المرتبة 126 على سلّم محاربة الفساد؟
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى