صفحات سورية

المسألة المركزية في السياسة

null
رافي غازاريان
تختلف الآراء بين النخب السياسية والثقافية العربية حول المسألة المركزية في السياسة باختلاف فهمهم لطبيعة الأزمة التي يعانيها العرب في بلدانهم بالرغم من أن هذه المعاناة تكاد تكون واحدة تتفاوت شدتها من بلد عربي إلى آخر.
إننا نرى بأن الأزمة الحقيقية التي تعيشها الشعوب العربية تكمن في التأخر التاريخي لمجتمعاتنا والطريقة الخاطئة التي تعالج بها المشكلات الناتجة عن هذا التأخر والتي تكون في أكثر الأحيان معيقة لحلها. إذن المشكلة في بنية هذه المجتمعات التي تحتاج إلى نهضة حقيقية من حداثة في الفكر والعقل العربي, والإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
ولكن على من يقع عاتق القيام بعملية النهضة؟
المفروض إنها عمل جماعي مؤسساتي من وزارات مختصة والقيام بوضع برنامج منهاج تربوي تثقيفي في كافة المراحل التعليمية, وإلى الجامعات, وإلى المجتمع المدني, والأحزاب السياسية, ومن المفكرين والمثقفين, تساهم جميعها في عملية استنهاض متكاملة.
ولكن الأنظمة العربية الحاكمة من ضمن دوائر العقائد الدينية والقومية واليسارية التقليدية ” الشمولية ” استبدلت فكرة النهضة بالتنمية التي مسخت واختزلت وطمست مسألة التأخر المجتمعي والسياسي وجعلت مجتمعاتنا مستهلكة للمعرفة بدلاً من إنتاجها, وقمعت كل المحاولات الجدية للدخول في تاريخ الحضارة الحديثة واللحاق بها والمشاركة بإنتاجها تحت أسباب واهية وبالية, حيث كانت تلك المحاولات في صراع مع الزمن المرير للقضاء على المعوقات الأساسية للقيام بهذه النهضة.
يقول أستاذنا جاد الكريم الجباعي “ليست السلطة الأمنية وحدها من جفف ينابيع السياسة, بل الأحزاب العقائدية الحاكمة والمعارضة, التي كلما شربت من هذه الينابيع كانت ترمي فيها حجراً”  .                               إن الحداثة والإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي لا تقوم بوسائل العمل السياسي القديمة بل تحتاج إلى آليات جديدة وحديثة لنجاح القيام بعملية النهضة, فمن الطبيعي أن يفشل في استنهاض المجتمع.
إننا لا نلغي حالات لحركات سياسية ناهضة منفصلة في بلد عربي هنا وبلد عربي هناك, كمصر وبلدان المغرب العربي ولبنان ..إلخ, أما في سوريا فإننا نعتبر وثيقة إعلان دمشق هو حدث تاريخي ومفصلي للحياة السياسية والحراك الديمقراطي في سوريا كحد فاصل للتطور السياسي, فالتاريخ سيتحدث عن ما قبل إعلان دمشق وما بعده إذا استطعنا الحفاظ على منجزاته من خلال تطويره وتوسيع قاعدته الشعبية. وبالتالي يجب على الأحزاب السياسية القيام بالاتفاق على وضع برنامج سياسي يعالج القضايا الأساسية الراهنة, مهما تكن وجهات نظرها مختلفة ومتباينة فيما بينها.                                                                                     أما حال الثقافة العربية والمثقفين العرب لا تختلف عن الحالة السياسية, فالثقافة تعيش أزمتها أيضاً بالرغم من كونها متقدمة عن الحالة السياسية, فالثقافة لا تنفصل عن الصراع السياسي.
سأل الناس أبا تمام: لماذا تقول ما لا يُفهم؟ فقال: لماذا لا تفهمون ما يُقال؟. إذن يوجد مجتمع يريد المعرفة وتصله هذه المعرفة ولكنه لا يستوعبها من جهة, وهناك المثقف الذي يطالب المجتمع من رفع حالة الوعي عنده ليستوعب المعرفة من جهة أخرى. وبعملية إسقاط بسيطة على عصرنا الراهن في البلدان العربية, نلاحظ بأن الوضع كالتالي: مثقف حافظ على خطابه النخبوي ومجتمع حافظ على غربته الثقافية. فالمطلوب إيجاد آلية “وسيط” بين المثقف والمجتمع يستطيع تبسيط الخطاب النخبوي وإيصاله للمجتمع. ولكن العامل الأهم المفقود في عصرنا بالنسبة للبلدان العربية وكان موجوداً في عصر أبي تمام هو الحرية, ثم الحرية, ثم الحرية.
فهنيئاً للكاتب الأستاذ ميشيل كيلو عندما توصل في نهاية مقال كتبه بأن مسألة السياسة المركزية في البلدان العربية هي الحريات .
ونقول في الختام ما يكرره الصديق الأستاذ عبد الحفيظ الحافظ كان عندما يقرأ مقالاً جيداً يقول بعامية محببة: شو بدك يا أخي الفهمان بريّح.
ناشط سياسي
1ـ مقال ” عزوف عن السياسة أم إضراب ولا مبالاة” ـ جاد الكريم الجباعي ـ موقع الأوان ـ 28 ديسمبر 2009.

2ـ مقال ” أسباب عجز الأحزاب عن مساعدة مجتمعاتها “ـميشيل كيلو ـ القدس العربي.

خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى