صفحات سورية

المناخ الدولي وتسوية «الدوحة»

null

سليمان تقي الدين

أياً تكن نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية فهي لن تأتي بأسوأ مما كان على صعيد الإدارة الحالية. نحن نعرف موقف الجمهوريين، وقد صار واضحاً موقف الديموقراطيين مع خطاب باراك أوباما في مجلس المنظمة اليهودية العالمية. أمن إسرائيل في الحاضر والمستقبل هو جزء من النظرة الأميركية لأمنها القومي.

كل ما يحاول الديموقراطيون أن يبيعونا إياه هو هذا التلاعب والغموض بشأن مستقبل وجودهم في العراق. يقول الجمهوريون إنهم سيحاربون في العراق مئة سنة ويبرّرون حربهم بدفع «الإرهاب» بعيداً عن حدودهم… يقولون إن أمنهم صار أفضل وكذلك العالم مع تغيير النظام في العراق. يزعم الديموقراطيون أنهم سينظمون خروجاً من العراق سريعاً، لكن مع المزيد من التهديد لطهران ودمشق والمقاومات الإسلامية ولشبح «الإرهاب» ذاته الذي قاومه الجمهوريون. ما يريده الأميركيون بالفعل من كلا الحزبين المتنافسين هو العمل لمصلحة الاستراتيجية الأميركية التي تنبع من الحاجات الكبرى للنظام الدولي الجديد. ما شهدناه في السنوات القليلة الماضية من سياسة أميركية متهورة رفعت شعار «الحروب الاستباقية» له علاقة بهيمنة المحافظين الجدد على إدارة بوش. هذه الموجة الإيديولوجية التي طبعت السياسة الأميركية مؤخراً بدأت بالانهيار مع العهد الثاني لبوش وتساقط رموز هذا الفريق بدءاً بوزير الدفاع رامسفيلد. ما بقي في الإدارة الأميركية حتى نهاية الشوط من هذا الفريق كان نائب الرئيس ديك تشيني. الجميع يتذكّر جولاته المتكررة في «الشرق الأوسط» لإقناع حلفاء أميركا، خاصة العرب، بجدوى الحرب على إيران. لم ينجح ديك تشيني مثلما لم ينجح كل التحريض الإسرائيلي على قرار بهذا الحجم يتقرّر معه مصير العالم وليس فقط النظام الدولي بزعامة الولايات المتحدة. الكثير من العقبات الإقليمية والدولية كانت ماثلة في وجه قرار كهذا، وأيضاً، كانت أوضاع الاقتصاد الأميركي في الداخل تضغط وما تزال في اتجاه استبعاد فكرة الحرب الشاملة. لقد كان إعلان المخابرات المركزية الأميركية في العام الماضي عن وقف إيران برنامجها غير السلمي للتخصيب النووي منذ عام 2003 بمثابة قرار ضمني من مراكز القرار الفعلي في أميركا، أي قوى الاقتصاد نفسها، على ترحيل فكرة الحرب إلى ما بعد ولاية بوش.

تحتاج الحرب إلى مبررات سياسية وأخلاقية وإلى حوافز اقتصادية ليست متوفرة الآن، خصوصاً مع السيطرة الأميركية على بيئة الشرق الأوسط وحماية مصالحها النفطية بنسبة عالية جداً وعدم وجود تهديد جدي لإسرائيل. على العكس من ذلك يوحي تصاعد أسعار النفط، وتوحي حرب تموز 2006 في لبنان، بأن هذه المصالح ستتعرض لأكبر الأخطار في أي حرب قادمة وكذلك المئة وخمسين ألف جندي أميركي في العراق هم بمثابة «أسرى» اندلاع الحريق الشامل.

هذه القراءة لطبيعة المرحلة الانتقالية الأميركية وما يصاحبها من تفاهمات جزئية حصلت في العراق مع الطرف الإيراني، والهدنة الضمنية مع سوريا، هي التي تشجع الآن الدور الفرنسي للتقدم إلى واجهة المسرح بهوامش أوسع من تلك التي كانت قبل سنة من الآن أو مع بداية عهد الرئيس الفرنسي ساركوزي. يعتقد الفرنسيون أن فراغاً تتركه السياسة الأميركية نتيجة ارتباكها الحالي يمكن لفرنسا أن تسهم في ملئه، ليس ضد أميركا ولكن بشروط أفضل للتعاون. هم يتحركون الآن انطلاقاً من نظرتهم لتوازن القوى الفعلي في المنطقة. أساس النظرة الفرنسية لا لتغيير الأنظمة ولا للفوضى. سياسة الاحتواء التي اتبعوها مع ليبيا يعتقدونها ناجحة الآن. تسيطر على تفكير الإدارة الفرنسية نظرية تبادل المصالح. يريدون أن يحفظوا للغرب مصالحه الأساسية من دون الحاجة إلى إيديولوجيا. عملياً يريدون لأطراف المنطقة نفسها أن تقوم بالأدوار اللازمة لذلك. يتقدم الفرنسيون الآن بهدوء على خط العلاقة مع سوريا. يستفيدون من رصيدهم الكبير لدى إسرائيل. ينصحون الجميع بالامتناع عن المواجهات. هم يريدون اللعبة نظيفة وناعمة. لقد استخلصوا أهمية دور سوريا الإقليمي ونفوذها ويريدون توظيفه إيجابياً وليس سلبياً. وفي لبنان باتوا يعرفون التوازنات الفعلية ويتعاملون معها. ليس غريباً هذا الطموح الفرنسي طالما أن تركيا تقدمت وتطوعت لدور إقليمي (رعاية التفاوض بين سوريا وإسرائيل من بعض مقدماته). يتوقف نجاح الدور الفرنسي على استجابة الولايات المتحدة وأصدقائها في المنطقة. حتى هذه اللحظة هناك من يغلّب الجوانب الشخصية والشخصانية إقليمياً ولبنانياً ويحاول أن يملأ فراغ الانشغال الأميركي بدور خاص فعّال في شد عناصر التوتر. أصحاب هذا الدور هم سلبيون جداً، قد لا يخسرون الكثير على صعيد مواقعهم الخاصة، لكنهم لن يحققوا ما عجزت عنه أميركا.

إذا كانت هذه المعطيات هي التي كانت في خلفية مسرح «الدوحة» وهذا ما صار معروفاً لجميع اللبنانيين، فإن البعض هنا يكابر في استنفاد الوقت على التسوية.

في المشهد اللبناني إن الذي يملك القوة والظروف المؤاتية أكثر مهادنة ومسالمة، فيما الآخرون أكثر تشدداً وحماسة لتغيير التوازنات حتى في لعبة الشارع وربما السلاح. في حدود المناوشات الأمنية الجارية الآن يمكن لهذا الفريق أن يقيم توازناً نفسياً وربما توازناً سياسياً بمعنى التكافؤ في لعبة التجاوزات والخروقات، لكن هذا يصح فقط عند هذه الحدود الخطيرة أصلاً ولا يصح إذا أفلتت الأمور من عقالها. إن اللعب بالأمن خطر في السياسة وفي الأمن. قد لا يكون لدى هذا الفريق أو سواه أي قرار بالحرب، لكن التجربة أثبتت أن بعض القرارات السياسية هي الحرب بعينها وهي ما يمكن أن تفجر تناقضات قد لا تكون في حساب أحد. لم يولد اتفاق «الدوحة» من فراغ، إنه ثمرة معطيات إقليمية ودولية، وهو قبل كل شيء الابن الشرعي لتلك الأيام السوداء التي أوجدت تصادمات أمنية على الأرض. كانت كلفة اتفاق «الدوحة» خسائر جسيمة إنسانية، بعضها يطاول مشاعر فئات واسعة من الناس وله نتائج وطنية مؤلمة. لعل القيّمين على الشأن السياسي يوفرون المزيد من الخسائر بتطبيق الاتفاق بالروح التي تضفي على صورته الشاحبة بعض الأمل للمستقبل.

السفير




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى