صفحات الناس

بين المهلل والمولول

null
دلع المفتي
مع انتشار الصحافة الالكترونية والمواقع الانترنتية، انتشرت ظاهرة تعليقات القراء والتعقيبات التي تنشرها المواقع المختلفة ردا على مقالات الكتاب. وبنظرة خاطفة على بعض المواقع.. كالعربية نت، وايلاف عربيا، وموقع الآن كويتيا،نستطيع ان نصل الى عدة نتائج.
بداية لا بد ان نقر اننا شعوب مستجدة على الحرية، ولذلك نحن لا نجيد استخدامها، او بالعربي الفصيح الحرية لا تليق بنا. فعندما يستطيع القارئ ان يختبئ وراء شاشة الكمبيوتر ويستخدم اسما مستعارا، نجده يستأسد ويستفرس ويبدأ بكيل التهم جزافا: فهذا كاتب عميل وذاك مرتش، والآخر مرتزق، وذاك كافر وهذا مرتد. ففي اي موقع الكتروني وتحت اي مقال نستطيع ان نشم رائحة الحرب، فتنصب المحاكم وتصدر الاحكام وتتدفق تعليقات القراء مشحونة بالشتائم والتسفيه، مستعملين كلمات سوقية يتطاولون بها على شخص الكاتب واصله وفصله ومذهبه وشكله ولونه وحتى «صلعته»، متناسين موضوع المقال الذي من المفترض انهم قرأوه وفهموه.
وعلى النقيض من ذلك، هناك شريحة مختلفة من القراء المعلقين، يستهويهم دلق المدح والثناء «بالكيلو»، فتسيل من اقلامهم كلمات الاطراء سخية مهللة ومطبلة للكاتب وكتاباته، حتى لتشك ان ما قرأته ليس مقالا او رأيا بل حقيقة علمية على الجميع الالتزام بها. هذا بالطبع يستفز الآخرين فتقع معركة اخرى، كمعركة داحس والغبراء بين المعلقين، فهذا يقف مع الكاتب ويؤيد رأيه وذاك يلعنه ويسفهه، وبين الشاتم والمادح او المهلل والمولول ندخل في دائرة مغلقة من المهاترات والحروب الكلامية بين القراء انفسهم، وبعيدا عن الكاتب ومقاله، تستعمل فيها كل معاجم الشتائم في اللغة العربية.
المصيبة الاكبر هي حين تكون الكاتبة انثى، عندها تختلف نوعية الردود والتعليقات.. اذ قرأت اخيرا مقالا لكاتب يرفض القراءة للكاتبات الاناث، معللا رفضه بانه ينظر الى صورة الكاتبة، فان كانت جميلة فيعزو سبب نشر مقالها إلى جمالها او إلى كاتب آخر كتب لها المقال، وان كانت قبيحة فلا يقرأ لها لانها قبيحة. وهكذا فلا جمالها شفع لها ولا قبحها.. وأنكر الكاتب على المرأة حقها في التعبير عن رأيها، هذا ان كان يعتقد ان لها رأيا «من اصله». وبالمنطق والعقلية نفسيهما يعقب معظم القراء على مقالات الكاتبات اما باستهزاء وسخرية وتهكم على شكل الكاتبة واسمها وعمرها وثقافتها، او مدح ونفخ وتطبيل وتهليل (لغرض في نفس يعقوب). القلة من يكتب باسمه الصريح، ويكون رأيه نابعا عن قناعة يدافع عنها من دون حجب او اقنعة، فيعلق من دون ان يعنيه جنس الكاتب او دينه او جنسيته او انتماؤه.
قال فولتير: «قد اختلف معك في الرأي ولكنني على استعداد ان اموت دفاعا عن رأيك».
* كاتبة كويتية
القبس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى