اسرائيلصفحات العالمقضية فلسطين

مفاوضات واشنطن: مجرد تكاذب؟

نهلة الشهال
شعور الغضب أو القرف حيال محادثات واشنطن المفتتِحة لما يُسمى «المفاوضات المباشرة» بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليس مجدياً، وإن كان مشروعاً تماماً. لا بد من مجابهة ذلك المنحى بالغضب والقرف، فهما ما يرسم الفارق بين المدان والمقبول، ويحافظ على خاصية إنسانية جوهرية هي القدرة على الاستنكار والتمرد، ما يمنع تساوي الأمور بعدم اكتراث «سينيكي» كحاضنة لطغيان أسوأ ما يختزنه البشر. ولكن الغضب والقرف ليسا كافيين بذاتهما. كما ليس كافياً تفكيك الخطاب الذي صدر عن ذلك الاجتماع، ومحاجة إعلاناته وتبيان كذبها أو خوائها.
وإن كان لا يمكن الامتناع عن ذلك! فلم تكن حفلة واشنطن مجرد تكاذب سمج متبادل. هي أكثر من ذلك، هي جزء من معركة شاملة تمر أحيانا بفترات بطء لا تلغي خطورة ما يُسجل فيها. فمثلاً، تلفت الجملة التي توسطت كلمة السيدة كلينتون، مِن أن نجاح الطرفين (الإسرائيلي والفلسطيني) «يصب في مصلحة الأمن القومي الأميركي». لا بد أن السيدة تظن أن جملتها تلك هدية قيمة للمفاوضات، لأنها تمنحها ثقلاً كبيراً. ويستند ذلك الظن إلى فرضية وزن واشنطن، علماً أن الإدارة الأميركية بدت عاجزة أو غير راغبة في فرض نظرتها هي، وتصورها الذاتي للحل في فلسطين، وتراجعت أمام عناد نتنياهو بشكل مشين بالنسبة لدولة عظمى، فما بالك إن كانت تلك الدولة مع «أل» التعريف التي تجعل الصفة مطلقة. ثم ان الاستخدام الجاري للجملة يوحي بأنه ما من شيء أهم من ذلك الأمن القومي الأميركي. وهو الذي خيضت باسمه الحروب الاحتلالية في أفغانستان والعراق، ويُقدَم على الدوام كبوصلة هادية لكل المسلك السياسي الأميركي. ولكنّ اعتبار ذلك مسلمة خطأ كبير، فتلك البوصلة معطلة، يمكن أن تؤشر عقاربها لما يشاء حاملوها. بمعنى أن الجملة جوفاء فارغة بقدر ما تبدو مهمة ظاهرياً. كما لا يمكن عدم الالتفات إلى المفردات التي تناثرت في مداخلتها، كالكلام عن عقود من «العداء» بين الشعبين، ما يمحو أصل وفصل المشكلة القائمة ويجعلها من طبيعة مسطحة مبهمة، يتساوى فيها الطرفان ويندرج واقعهما في ظل بند التشاجر العشائري أو الحاراتي. وقد استعاد نتنياهو المفهوم مراراً في الجلسة الختامية لاجتماع واشنطن، متناولاً «الخلاف» القائم بين الشعبين!
ليست المفردات أو اللغة محايدة بالطبع، واستخداماتها تمهد المجال لسيادة مفاهيم تدخل تسللاً إلى الوجدان وتتحول بالاستبطان إلى بديهيات. ومن أسوأ ما يمكن أن يحصل لشعب يقاوم، أو لفئة مضطهدة، هو تبني مفردات ولغة أعدائهما. وهو غالباً ما يحدث بشكل غير واع ولا إرادي، أي غير مفتكَر، ولكنه يقولب الإدراك. ومن اللافت كذلك أن السيد عباس قد خضع لهذا الجو. فرغم أنه لم يستخدم المفردات نفسها، إلا أنه اكتفى بمداخلة «براغماتية» ليس فيها إطلاقات (ولا حقوق!) بل نقاط ومواقف «عملية»، كقوله ـ وهو محق مبدئياً ـ أن التفاوض الحالي «لا يبدأ من صفر»، دون أن يبني على الجملة ما يتوجب من استنتاجات، مخافة إغضاب الآخرين وكهربة الجو، وككلامه عن «الالتزام» الفلسطيني بالاتفاقات السابقة، داعياً الحكومة الإسرائيلية إلى مثله، دون تحديد، بسبب المخاوف نفسها بالتأكيد. وهكذا غَيّب من جهته ما هو أصل وفصل الموضوع! سيتبرم «الواقعيون»، متأففين من التذكير بما يرون فيه بلاغة إنشائية فحسب. يصطفلوا! فلا يفترض أن يؤدي ابتزازهم ذاك، إلى إحراج المقاومين ودفعهم إلى الانزلاق إلى التأنق نفسه. وبالمقابل، فلا يتعلق الأمر بالدعوة إلى استخدام لغة «شتائم» فارغة، وافتراض أنها ثورية بذاتها. وأما حبس الكلام الممكن بين الخيارين، فتزوير هو الآخر.
لعل مُكْمل الإدانة والاحتفاظ بالقدرة على الاستنكار هو التوفق في تطوير تحليل يستند إلى معطيات الواقع نفسه، ولكن بمجمله، أي بمعنييه التاريخي والمتكامل. ولعل نقطة الابتداء في ذلك هي مجرد استحضار واقعة أن هناك 160 ألف موظف في السلطة الفلسطينية، يستلمون مرتباتهم كل شهر من المساعدات التي تقدمها سلطات الرضى عن المسلك السياسي الفلسطيني، الأوروبية بالدرجة الأولى (فهذه على ما يبدو حصة الاتحاد الأوروبي من الوضع القائم الذي يُسعى إلى استتبابه). فإن اعتبرنا أن وراء كل موظف خمسة أشخاص يستفيدون من مرتبة، أو يعتمدون عليه للعيش، فهذا يعني أن ربع الشعب الفلسطيني مرتهن مباشرة ورسمياً بهذا البناء المسمى «سلطة فلسطينية». وحسب التقديرات، تماثلهم نسبة مشابهة ترتبط بشكل غير مباشر، لعله أشد بؤساً وهشاشة، بالسلطة. وهناك الشريحة العليا المستفيدة من البزنس مع الواقع الاحتلالي، وهي أقل عدداً ولكن أكثر نفوذاً وسطوة على الآخرين… وهناك المعدمون في آخر اللائحة، وهذه مشكلة بذاتها. لقد تمكنت العملية السلمية من خلق زبائنها و«شعبها»، ولو أن بعضه يعتاش عليها على مضض. والسلطة تعتد بهذا الواقع لدحض إمكانية شيء آخر سوى ما ترتكبه، كأن تستقيل أمام الأمم المتحدة، في خطوة سياسية «مبنية»، تحديداً، ونقيضاً لضربة غاضبة عشوائية أو انفعالية كما تحاول أن تصورها.
لا بد أن يتبلور تحليل يدافع عن إمكانات وتصورات وخطط وليس عن شعارات (فحسب). لا بد من إقرار الفارق بين الاستراتيجيا والمبادئ، وهما غير متناقضين بالتأكيد بل متكاملان، ولكنهما لحظتان مختلفتان وإن في سياق واحد. فلنبدأ من إدراك ذلك.
السفير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى