قضية فلسطين

مماحكات “الفصائل” ودروس التاريخ

د.خالد الحروب
ليس هناك ترف في خيارات الفلسطينيين في اللحظة الراهنة، ولم يكن كذا الحال في مسيرة النضال الفلسطيني خلال عقود طويلة مضت. لكن تلك الخيارات على ضيقها كانت دوماً تزداد ضيقا وإكراهاً كلما انشق الصف الفلسطيني واستعرت الخلافات الداخلية. هكذا هو درس التاريخ الفلسطيني منذ عهد الانتداب البريطاني وإلى الآن. إن كان بالإمكان اختزال كثير من الأحداث والخلافات والتيارات والرؤى بما يتناسب وعجالة صحفية أمكن القول بوجود رؤيتين لإدراك ومقاومة المشروع الصهيوني في فلسطين منذ مطلع القرن العشرين. الأولى ترى أن المقاومة، والمقاومة العسكرية تحديداً، لذلك المشروع، ثم مقاومة الانتداب البريطاني ومقاومة نجاحه بإقامة دولة إسرائيل، ثم مقاومة توسعها واحتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة، هي البرنامج الأوحد والبوصلة التي تقود الحركة الفلسطينية. والرؤية الثانية ترى أن المقاومة يجب أن تترافق مع حركة سياسية تدرك وتقدر البيئة المحلية والظروف الإقليمية ودور اللاعبين الدوليين في قضية فلسطين، وخاصة دعمهم اللامحدود لإسرائيل. وقد تمثلت كلتا الرؤيتين بأحزاب وتيارات وحركات، من حركة الشيخ عز الدين القسام العسكرية وحركة الحاج أمين الحسيني التفاوضية وصولا إلى حركتي “حماس” و”فتح”. وكل من الرؤيتين كانت مقودة برغبات حقيقية في الوقوف في وجه المآل السوداوي لضياع فلسطين، والذي كان يحدث على مرأى الجميع لكن من دون استطاعة حقيقية لإيقافه. وفي بعض المراحل التاريخية انضوت الرؤيتان في ظل قيادة موحدة أو شبه موحدة، أهمها وأطولها عمراً مرحلة منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة “فتح” منذ أواخر الستينيات وحتى “أوسلو”. وفي مراحل أخرى انشقت الرؤيتان وانفصلتا لتأكلا من بعضهما بعضاً على حساب الصراع مع إسرائيل، وأهمها وأطولها عمراً الانشقاق الفتحاوي- الحمساوي منذ تاريخ “أوسلو” وحتى الآن.
بيد أنه سواء في مراحل توحد الرؤيتين أو اشتغال كل منهما على حدة فإن الإنجاز على الأرض لجهة تحقيق الحقوق الفلسطينية واسترداد الأرض ظل محدوداً، وأقرب إلى الفشل. لم يتحقق التحرير، ولم تُسترد الأرض، ولم يعد اللاجئون. الإنجاز الأهم للحركة الفلسطينية، بشقيها ورؤيتيها، خلال العقود الماضية تمثل في الإبقاء على القضية حية وساخنة ومتصدرة للأجندة الإقليمية والدولية. وقد باتت هناك قناعة راسخة وعامة بأنه لا يمكن أن تهدأ حروب وصراعات واشتعالات هذه المنطقة من دون أن يتم حل قضية فلسطين. وما عدا هذا الإنجاز، المتفق عليه بين الرؤيتين، كل شيء يخضع للتقدير النسبي. وما يُمكن رؤيته من خلال منظور إحدى الرؤيتين نجاح أو نصر جزئي، يُرى من قبل المنظور المنافس على أنه فشل أو تنازل صريح. والمقاومة التي كانت الأرضية الجامعة للرؤيتين في مراحل طويلة أصبحت تُرى بمناظير متفاوتة: بين من يلتزم بها التزاماً مطلقاً ويراها غاية وهدفاً، ومن يمارسها مترافقة مع التقديرات الظرفية ويراها وسيلة للغاية والهدف.
والحال أن محدودية الإنجاز في جانب كلتا الرؤيتين لا يمكن ردها إلى فشل فلسطيني ذاتي في ابتكار حركة تحرير تحاول أن تجمع بين المقاومة والتسييس، وإن كانت المساهمة الذاتية بارزة ولا يمكن إغفالها. لكن وطأة وجبروت العدو وجبهته كانت مما لا يمكن هزيمته بجبهة فلسطينية ضعيفة، وجبهة عربية مشتتة استخدمت أطرافها قضية فلسطين لأغراض سياسية محلية لا علاقة لها بأهداف الفلسطينيين الكبرى.
وعناصر ذلك المشهد العام الذي وسم التاريخ الفلسطيني الحديث ما زالت قائمة في جوهرها: الانقسام الفلسطيني الداخلي الحاد إلى رؤيتين، والصراعات العربية المدمرة وغياب الدعم الحقيقي، وتواصل دعم الأطراف الدولية لإسرائيل. وإلى تلك العناصر يمكن إضافة عنصر محبط آخر وهو أن إسرائيل تزداد رسوخاً وأن الزمن يلعب لصالحها وهو ما يدركه أستراتيجيوها. ويتمثل ذلك الرسوخ في القوة العسكرية، والاقتصادية، والتواصل الاستيطاني، والتغير الديموغرافي. ويكفي أن نتذكر أن هناك أكثر من نصف سكان إسرائيل ينتمون الآن إلى الجيل الثاني والجيل الثالث نسبة إلى مهاجري ثلاثينيات القرن الماضي. بمعنى أن أفراد هذين الجيلين ولدوا في أرض فلسطين التاريخية وبعد قيام دولة إسرائيل ولا يعرفون وطناً لهم سوى إسرائيل، بخلاف أجدادهم الذين جاءوا من أوروبا وبقية دول العالم.
بيد أن جلاء ذلك المشهد ووطأة أبعاده وعناصره لا يتم استكناهها كما ينبغي ويتم إغفالها بوعي أو بدونه في خضم الصراعات الحزبية المدوية بين الفلسطينيين، كما حدث دائماً، ويحدث راهناً. ولئن كان جبروت “الأسباب الخارجية” قد تخطى بكثير أي قدرة يمكن أن تمتلكها “الأسباب الداخلية” إلا أن التمنع عن إدراك الكثير من الدروس التاريخية التي توفرها التجربة الغنية والمريرة في العقود الماضية لا يني يكرس الفشل ويفتك بالفرص الضئيلة التي قد تظهر هنا أو هناك، ويمكن استثمارها والبناء عليها. والدرس البدهي والأهم الذي يفوت على المتصارعين الفلسطينيين في هذه المرحلة يقول إنه في الوقت الذي يتحاربون فيه على الكلمات والألفاظ والمناصب الوهمية فإن إسرائيل تزيد من ترسخها وتواصل التمتع باستثمارها للزمن.
والراهن أن “المعركة” الفلسطينية الداخلية لفظية ووهمية لكنها توفر لإسرائيل مسوغ إلقاء التبعة والمسؤولية على الفلسطينيين، وتسويق المقولة الفتاكة بأن الفلسطينيين لا يريدون سوى تدمير إسرائيل ويفتقرون إلى قيادة تريد السلام. ومن يتابع المماحكات الفصائلية في حوارات المصالحة الفلسطينية يلحظ مدى غياب الوعي بالدرس التاريخي المرير الذي قدمه القرن العشرون للفلسطينيين: مواصلة الحرب اللفظية على إسرائيل مقابل ردها هي باستثمار الزمن وترسيخ وجودها. ولم تتبلور إلى حد الآن معادلة فلسطينية نضالية تكون قادرة على التقاط عناصر الإكراهات الدولية والتمظهرات الإقليمية والقدرات (واللاقدرات) المحلية وترجمتها إلى برنامج عملي يتناسب مع الظرف الزمني. ومثل هذه المعادلة التي تصل بين المصالح والظروف المختلفة، وتحاول أن تشتغل على ما هو متاح وليس ما هو مرغوب، هي وحدها الكفيلة بأن تنجز الحقوق الدنيا للفلسطينيين. وما بين المرغوب أو ما يُحلم به والمتاح أو ما يمكن أن يتحقق، هناك دوماً مسافات كبيرة. والأيديولوجيا تقول إنه يتم التمسك بالغاية القصوى حتى لو يكن هناك أفق لتحققها على أرض الواقع. ومن هنا بالضبط ينبع خداع الأيديولوجيا ومخاتلتها ذاك أنها تظل تناغي الحلم، وتبعث بالدفء في أوصال أصحابها، لكنه دفء خادع يوفر لخصومهم أن يتقدموا فيما هم يواصلون الحلم.
جريدة الاتحاد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى